النفط السوداني والمستقبل، بقلم: أحمد عمرابي

الرائد هاشم العطا(رحمه الله)الذي أبعد في عهد الرئيس نميري في مطلع السبعينات من عضوية(مجلس قيادة الثورة)وأعدم لاحقا قضى نحبه وفي نفسه بقية حلم. كان يحلم بأن يصير السودان (استراليا ثانية).قبل ان تشمله الغضبة النميرية كان هاشم العطا يشرف نيابة عن مجلس الثورة على قطاع الزراعة والثروة الحيوانية . بهذه الصفة حدثني عن حلمه اذ كنت اجلس اليه في مكتبه في اوائل عام 1970. ولم يكن حلما متبطلا فقد كان على منضدة المكتب دراسات جدوى اعدها خبراء سودانيون بمساعدة (منظمة الأغذية والزراعة) التابعة للأمم المتحدة. وبعد ان رحل هاشم العطا تبنى الرئيس نميري المشروع وراح يملأ الدنيا ضجيجا بشعار (السودان سلة غذاء العالم) . لكن نميري توقف عند حدود الاستثمار الدعائي الأجوف للمشروع بعد ان اكتشف ان اثرياء العرب ـ حكومات وهيئات وأفرادا ـ لا يميلون الى انفاق ملايين البترودولارات على استثمارات طويلة المدى مفضلين الاستثمار ذي العائد الفوري. الآن, بدخول السودان نادي الدول المنتجة والمصدرة للنفط الخام يفتح التاريخ فرصة لتحقيق حلم (استراليا الثانية) . بتوفير 300 مليون دولار سنويا هي كلفة استيراد المنتجات النفطية (بنزين وديزل وغاز بالاضافة الى الفيرنس وقود التوليد الكهربائي الحراري), يضاف اليها نصيب الحكومة في عائدات تصدير الخام بمعدل 150 الف برميل يوميا ترتفع بالتدريج الى 300 الف ثم 450 الفا, خلال سنتين يصبح السودان منذ الآن في مركز مالي جديد, وبالتالي يكتسب جدارة ائتمانية عالية في اسواق المال العالمية. والفرصة التاريخية المتاحة هي ان تمويل ذلك المشروع العملاق يمكن ان يتوافر من مصادر ذاتية. وربما تكون عبارة (استراليا ثانية) توحي بمبالغة دعائية لكن ذلك لا يجب ان يحجب الرمز والمغزى بأن لدى السودان من الموارد الطبيعية الضخمة غير المستغلة ما يمكن ان تؤدي اذا توفر التمويل بقدر كاف لا الى تحقيق اكتفاء غذائي ذاتي للبلاد فحسب, بل تتجاوز ذلك الى ان يصبح السودان في مقدمة الدول الرئيسية المصدرة للأغذية الرئيسية في مجالات الحبوب والخضروات والفواكه والبقول بالاضافة الى اللحوم ومنتجات الالبان. فالسودان الذي تبلغ مساحته (مليون ميل مربع) اكثر من مساحة مصر والمغرب والعراق وسوريا ولبنان والأردن مجتمعة يملك نحو 200 مليون فدان من الاراضي الزراعية غير المستغلة وثروة حيوانية من الابقار والاغنام والابل والماعز تقدر بنحو 70 مليون رأس بالاضافة الى موارد مائية كافية من الانهار والامطار والمياه الجوفية. المطلوب اذن وضع خطة خمسية مبنية على الخطوط العريضة لمشروع (استراليا الثانية) تتضمن اولا اعادة تأهيل (مشروع الجزيرة) لمضاعفة انتاج القمح.. ومن ثم تنفيذ مشروعات السدود الموضوعة بالفعل وفي مقدمتها تعلية سد الرصيرص وبناء سد كجبار وسد الحماداب. وعلى خط مواز يجري تطبيق مشروع واسع النطاق لتحسين المراعي وتسمين الماشية بإعادة تأهيل الخدمة البيطرية العريقة في السودان وتوسيع نطاقها. والفرصة سانحة تدريجيا بأكثر من معنى واحد: فالدول الرئيسية المصدرة للحوم ومنتجات الألبان في العالم, وخاصة أوروبا الغربية والولايات المتحدة, تعيش الآن بوادر ازمة المستقبل المتمثلة في تلوث مركبات الاعلاف الاصطناعية بما لا يحصى من أمراض خطيرة كالسرطان مما سيؤدي الى تقلص الأسواق العالمية في وجه الصادرات الغذائية في تلك الدول. ان جمهرة مستهلكي اللحوم ومنتجات الألبان في الاسواق العالمية يتطلعون الى اغذية من انتاج المراعي والمزارع الطبيعية من باب الحرص على الصحة الشخصية مما يهيىء الفرصة لمنتجين جدد كالسودان لغزو هذه الأسواق اذا تأهلوا لهذا التحدي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات