منذ حملته الانتخابية ميز ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي بين المستوطنات الامنية والمستوطنات السياسية وقد سار في ذلك على خطى معلمه اسحاق رابين رئيس الوزراء الاسرائيلي الاسبق وقد اوحت تصريحات كل من باراك ومن قبله رابين, ان هناك موقفاً مختلفاً لحزب العمل عن الليكود في قضية المستوطنات ولكن التدقيق في سلوك الحكومات العمالية خاصة منذ المفاوضات السلمية مع العرب يظهر بأن سياساتها الاستيطانية تبز سياسات الليكود في موضع الاستيطان. فبعد صعوده الى سدة رئاسة الوزراء في اسرائيل 1992 اعلن رابين عن تمييزه بين المستوطنات السياسية والمستوطنات الامنية, وكان ذلك يهدف الى الافراج عن ضمانات القروض التي طلبتها حكومة اسرائيل بزعامة شامير من اجل استيعاب المهاجرين اليهود من الاتحاد السوفييتي السابق, وقد نجحت حكومة رابين في الافراج عنها, والتي اوقفتها الادارة الامريكية بسبب موقف حكومة شامير من الاستيطان في الاراضي الفلسطينية المحتلة, وكانت حكومة رابين في حينها تثمن الاستيطان في الاراضي الفلسطينية تحت ذريعة (النمو الطبيعي) للمستوطنات. مع انتهاء ولاية حزب العمل في العام 1996 ومجيء حكومة الليكود بزعامة بنيامين نتانياهو كان النمو الاستيطاني في الاراضي المحتلة اثناء ولاية حكومة حزب العمل قد ضرب ارقاماً قياسية, فخلال اربع سنوات من حكم حزب العمل زادت نسبة الاستيطان في الاراضي المحتلة 50% ولم يجد نتانياهو اثناء مؤتمره الصحفي مع الرئيس الامريكي بيل كلينتون اثناء زيارته للولايات المتحدة 9/7/1996 بعد اقل من شهر من وصوله الى رئاسة الحكومة في اسرائيل, حجة افضل مما قامت به حكومة رابين على صعيد الاستيطان ليتابع السياسة الاستيطانية للحكومات الاسرائيلية المتعاقبة عندما قال (في ظل حكومة حزب العمل ازداد عدد الاسرائيليين في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وغزة بنسبة 50 في المائة, اي بمعدل عشرة في المائة سنوياً, هذه زيادة طبيعية ولا اقول انه يتوقع من ان نقوم بعمل اقل مما قامت به حكومة العمل) . رغم هذه السياسة الاستيطانية لحزب العمل, فإن حكومة نتانياهو, اعتبرت ان سياسة حزب العمل تقوم على (تجفيف الاستيطان) فرفعت القيود المفروضة على الاستيطان في الاراضي المحتلة, مطلقة العنان لحملة استيطانية مسعورة بلغت ذروتها بعد توقيع اتفاق واي ريفر, عندما طلب ارييل شارون وزير الخارجية الاسرائيلي في حكومة نتانياهو من الاسرائيليين احتلال التلال في الضفة الغربية, حيث قام المستوطنون ببناء بؤرة استيطانية على التلال الفلسطينية وهو ما يمكن اعتباره استيطاناً سياسياً بامتياز. ومع وصول باراك للسلطة في اسرائيل كان يتوقع ان ينفذ سياسة التمييز بين الاستيطان السياسي والاستيطان الامني, ولكن ذلك لم يحصل, وقال انه لن يوقف العمل في اية مستوطنة اقرتها الحكومة السابقة, ومنذ استلامه الحكم لم يتخذ اي اجراء او تعديل في السياسة الاستيطانية التي اقرتها حكومة نتانياهو ولم يستجب لأي من المطالب الفلسطينية بتجميد الاستيطان في الاراضي المحتلة بوصفها عملاً احادي الجانب, خاصة تلك التي اقرتها وشرعت بتنفيذها حكومة نتانياهو ومن بينها البؤر الاستيطانية التي اقامها المستوطنون غداة التوقيع على اتفاق واي ريفر وليس هذا وحسب بل ان المصادر الاسرائيلية تقول ان هناك 14 موقعاً استيطانياً جديداً تمت اقامته منذ الانتخابات الاسرائيلية الاخيرة والتي فاز بها باراك. وقد حاولت حكومة نتانياهو اليمينية واثناء فترتها الانتقالية, اي بعد خسارة نتانياهو للانتخابات, فرض وقائع على الارض عندما أعلنت عن بدء سريان العمل في 18 مشروعاً استيطانياً, في هذه الفترة الانتقالية تركزت في المناطق المحيطة بمدينة القدس, كما شملت توسيع الرقعة الاستيطانية في منطقة نابلس. وقد شرعت حكومة باراك بتنفيذ المهمات الاستيطانية التي اقرتها حكومة نتانياهو دون تغيير وهذا ما اعتقد البعض انه يتناقض مع تصريحات باراك حول الاستيطان ولكن المراقب لتاريخ الاستيطان في الاراضي المحتلة منذ العام 1967 يدرك جيداً ان من ارسى دعائم الاستيطان بين العام 1967 - 1977 هو حزب العمل الذي حكم اسرائيل طيلة الفترة, حتى جاء الليكود الى السلطة في اسرائيل ليوسع من الهجمة الاستيطانية وهو الموضوع الذي لم يكن عليه خلاف في الحكومات الاسرائيلية التي شكلها الحزبان, واطلق عليها حكومات (الوحدة الوطنية) وبعد عودة حزب العمل الى السلطة قام بتكميل ما بدأه الليكود. ولأن الاستيطان في الاراضي الفلسطينية موضوع اجماع بين الحزبين الكبيرين في اسرائيل, فإن التبادل في انجاز المهمات الاستيطانية جزء مكون من السياسة الاسرائيلية تجاه الارض الفلسطينية, وهذه السياسة تسعى الى قضم اكبر كمية من الاراضي الفلسطينية التي عليها سكان اقل, من هنا يتابع باراك الاستيطان من النقطة التي تركها نتانياهو ولذلك لا يبدو غريباً ان يتم وضع الاساسات لبناء مستوطنة (هارحوما) في جبل ابو غنيم في زمن حكم باراك, رغم ان هذا الموقع الاستيطاني قد اثار ازمة مع الفلسطينيين ومن الواضح ان باراك يعيد انتاج السياسة الاستيطانية الاسرائيلية للحكومات المتعاقبة, التي تفترض ان قضم الاراضي لا يتم الا من خلال الاستيلاء عليها بالاستيطان, مما يؤمن وقائع سياسية على الارض يضطر الفلسطينيون الى الاقرار بها وبناء على هذه الرؤية فإن الحملة الاستيطانية ستبقى متصاعدة بوتائر عالية, ولكن بصخب اقل مما كانت عليه في ايام نتانياهو, مما يعني ان لا فرق بين العمل والليكود في موضوع الاستيطان. * كاتبة فلسطينية