الضجة التي حدثت الاسبوع الماضي في العاصمة الاردنية عمان حول اعتقال بعض النشطين في حماس, حركة المقاومة الفلسطينية الاسلامية هو شيء مما نتوقعه في الاسابيع والاشهر المقبلة, او ربما يكون رأس جبل الثلج الذي قد بان وبدأ يتكشف , وحقيقة الامر ان هناك مساعي حثيثة منذ اشهر الصيف لاكمال متطلبات مرحلة السلام الفلسطينية ـ الاسرائيلية, ومن ثم العربية ـ الاسرائيلية باشراف امريكي, وتهمة المعتقلين في عمان هي (الانتساب الى تنظيم غير مشروع). منذ فترة وجيزة, شاهدنا جماعات (الرفض) الفلسطينية تسعى للمصالحة مع السيد ياسر عرفات, وبدأت الانشقاقات في هذه الجبهة من جهة والتبريرات من جهة اخرى بسبب هذه المصالحة, ولكن الاكيد ان قطار التسوية كما يسميه بعض المعلقين العرب قد بدأ يصفر ايذانا بوصوله الى محطته النهائية. وحتى لايعرقل وصوله احد, فلابد من ان تنضم الى المسيرة القوى الفلسطينية الرافضة, والتي كانت آخر مستقر لها في دمشق نفسها, من اجل الحصول على مكان في مقاعد القطار, حيث من سيكون خارجه سيكون منبوذا وغير قادر على الحركة والتأثير, وربما حتى بالكلام في داخل التجمعات الصغيرة التي تمثلها, في مثل هذه الاجواء لابد من ان تضبط الحركة السياسية الفلسطينية تحت امرة وقيادة مركزية ارتؤي ان تكون السلطة في الارض المحررة, وغيرها ربما يكون منتسبا الى (تنظيم غير مشروع). لذلك, فان حماس لم يكن لها ان تتحرك كما يحلو لها لانها في النهاية لابد ان تنضبط بالحركة العامة للسلام, وكل الشعارات التي اطلقتها, واتيح لها ذلك في وقت سابق, كانت من اجل استخدامها كورقة ضغط على سير المفاوضات, اما وان المفاوضات قد انتهت, او قربت الى الانتهاء, فلم يعد لحماس دور في الحركة العامة للمشهد السياسي في الشرق الاوسط, وامامها طريقان, اما ان تسلم بقيادة السلطة, بصرف النظر عن رأيها في ممارساتها, والتوجه السياسي الذي تأخذه, او تواجه الانتحار, وما المقدمات التي تمت في عمان في الاسبوع الماضي من اغلاق لمكاتب حماس واصدار مذكرات توقيف لبعض المسؤولين عن نشاطها في الاراضي الاردنية, الا مقدمة لاجراءات يتوقع ان تتخذ في غزة وفي الاراضي الفلسطينية تجاه ناشطي الحركة, وربما مع المتعاطفين معها في اماكن اخرى. اجواء السلام تتم برعاية امريكية, وقد تم حقن الرأي العام العربي في السابق بشعارات ضد الولايات المتحدة من قيادات وقوى سياسية عربية هي نفسها الآن تسعى جاهدة لاسترضاء الولايات المتحدة, فكلما تعثرت المحادثات الفلسطينية ـ الاسرائيلية, لجأت السلطة الفلسطينية الى الولايات المتحدة, ولعل الاجتماع الاخير في واشنطن بين بعض رموز السلطة وبين مسؤولين في الخارجية الامريكية هو آخر المؤشرات وليس اولها على مركزية الجهود الامريكية في التسوية. الولايات المتحدة فاعل اساسي ليس في الشرق الاوسط وحده, ولكن في العالم كله, فهي التي يعقد تحت لوائها ـ مثلا ـ محادثات السلام في ايرلندا الشمالية, رغم ان الموضوع يخص متنافسين ايرلنديين وبريطانيين, وهي التي قادت ـ بالفعل ـ تحرير كوسوفو من الصرب, وهي التي تقدم قوات سلام في سيناء (وليس الامم المتحدة) وهي في النهاية التي ترعى منذ سنوات مسيرة السلام بين الفلسطينيين واسرائيل, وقد رعت مثل هذه المسيرة في اوقات مختلفة ومع اطراف عربية اخرى. ومع ذلك, فمازال التثقيف العربي العام ينصب على نقد مرير للولايات المتحدة, وبعض الاطراف العربية الشعبية ـ مثلا ـ تحرم علاقة المعارضة العراقية مع الولايات المتحدة, او تتحدث عن اهل الخليج في علاقاتهم المتوازنة مع هذه الدول الكبرى وكأنهم ارتكبوا احدى الكبائر. العالم يتغير, وكذلك الشرق الاوسط, وشعارات حماس التي تطلقها قد ترضي البسطاء من الناس وتستجلب حماسهم, وتلهب مخيلتهم, ولكنها في النهاية محكومة بعلاقات قوى لن تسمح بتحقيق هذه الشعارات والتمنيات. جل الحركة الفلسطينية استقطبت في تيار التسوية التاريخية, وهي تسوية قد لاتكون محققة لاحلام الفلسطينيين والعرب منذ خمسين عاما, ولكنها لا تخرج عن توازن القوى الذي تحقق في المنطقة بعد الحرب الباردة, وهو توازن ليس بالضرورة ان الكفة العربية هي الاقوى فيه. كما انها تسوية حملت في صورتها النهائية من اخطاء العرب الكثير, بدءا من المزايدات الكلامية مرورا بالوهن في الاستعداد الحقيقي لمواجهة التحدي, خاصة العلمي والثقافي, والانقلابات التي شتت مجتمعات باسرها, وصولا الى الخطأ او الخطيئة الاخيرة وهي الاحتلال العراقي للكويت, كل هذه قادت الى وهن عربي قاد بدوره الى ما وصلت اليه التسوية في فلسطين, قلت جل الحركة الفلسطينية استقطبت في تيار التسوية, ولم اقل كلها, لان بعضها وخاصة الحركة الاسلامية تعتقد انها يمكن ان تحقق شيئا افضل مما حققه السابقون تحت شعارات اخرى. اما وقد تحققت التسوية التاريخية او هي قريبة, فان اخطاء الحركة القومية او الشمولية العربية التي قادت الى مثل هذه النتيجة, قد تعيدها من جديد جماعات تحارب تحت شعار التدين, وهي مسميات لاتغني ابدا عن الطريق الاصعب والاطول وهو العمل على خلق التقدم العلمي والتقني والتنظيم السياسي الحديث, والذي كان من الممكن ان يحقق نتائج افضل مما تحقق حتى الآن. في الماضي القريب, كان هناك متسع من هامش المناورة لمن يريد ان يحارب اسرائيل بالقوة, كانت هناك بلدان عربية محاربة لاسرائيل, وتشكل عليها طوقا بشريا, ويمكن ان تحتضن قوى محاربة لاسرائيل, وكانت هناك معركة عالمية اسمها الحرب الباردة استفاد منها العرب بشكل ضئيل في تحقيق حصار دولي نسبي على دولة اسرائيل, وكانت هناك ارض اولا في الاردن ثم في لبنان تستطيع القوى المقاومة ان تتحرك منها وفيها, وهناك عمق استراتيجي عربي قريب الى التوحد في المسألة الفلسطينية, وهناك فوق ذلك صف فلسطيني متقارب الاهداف. اما اليوم, فان الكثير من هذه الاوراق لم تعد موجودة اصلا, عدا ان الشريحة الاكبر من الفلسطينيين اما قابلة بالوضع او غير قادرة على رفضه, وبالتالي فان اي حركة تروم (مواصلة الكفاح المسلح) هي حركة مكتوب عليها الفشل مقدما, وبسبب بسيط هو اعداءها كثيرون ومؤيديها قليلون, وهامش المناورة امامها ضيق للغاية. السلام القادم ـ بصرف النظر عن مستواه وما يحقق ـ هو سلام يراد له ان يتم ويستقر, وهو سلام تعاقدي بين اهل الارض من الفلسطينيين وبين دولة اسرائىل, والاخلال به يعني العودة من جديد الى وضع اشبه بما حدث في الخمسين عاما الماضية من صراع, لم يكن في وقت ما متكافىء القوى, ولن يكون كذلك في عدم وجود خطط طويلة وبديلة لما نشهده اليوم, كل ماسوف يحققه هو اراقة الكثير من الدماء والكثير من الآلام. شلال الدماء الذي اعلنت حماس انها ستفجره في الاسبوع الماضي هو بالضبط الانتحار الجماعي, لان حماس هنا لا تواجه اسرائيل, بل تواجه سلطة فلسطينية ربما تمثل العدد الاوفر وهي التي رغبت وحققت هذه التسوية. امين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت