فرضت التحديات الامنية الجديدة على الولايات المتحدة الامريكية تغيير طرحها الاستراتيجي السابق في ادارة النزاعات الدولية, الذي استند الى السياسة الواقعية, بعد ان ايقنت ان استمرارها في النظر الى الواقع الدولي على انه صراع عسكري سياسي, سيفقدها مواقع حيوية هي في امس الحاجة اليها , ومع انهيار الاتحاد السوفييتي الذي شكل تهديدا مباشرا على المصالح الامريكية ـ تداخلت المصالح الاقتصادية بالمصالح العسكرية ـ لتجد الولايات المتحدة الامريكية نفسها مجبرة على الافصاح عن المهام الكبرى التي ستنشغل بها, والتي يمثل الامن المتوسطي احدى اشنغالاتها في الطرح الاستراتيجي الجديد. وان اهمية حوض البحر الابيض المتوسط الجيواستراتيجية تبقى مهمة في الفكر الاستراتيجي الامريكي وان كان الحوض قد طرأت في داخله تغيرات اقليمية لتأثره بالتحولات الجوهرية التي حدثت في النظام الدولي. وبما ان للولايات المتحدة الامريكية مصالح حيوية تستوجب منها الحفاظ عليها وحمايتها, فقد تبنت استراتيجية امنية جديدة حددت نظرتها للامن المتوسطي الجديد تتجلى في اسنادها ادوارا عسكرية جديدة لأسطولها السادس, وتغييرها استراتيجية حلف شمال الاطلسي. السياسة الأمنية الجديدة لحلف شمال الاطلسي تختلف مهام حلف شمال الاطلسي عن كونه نظاما دفاعيا عن مهام الاسطول الامريكي السادس, الا انهما يلتقيان في الكثير من اهدافهما الاستراتيجية الكبرى التي اولها تحقيق الامن والاستقرار. وكانت اولى مهام حلف شمال الاطلسي هي منافسة النظام الدفاعي الاشتراكي السابق المعروف بـ (وارسو) الذي ترأسه الاتحاد السوفييتي (السابق). ومنذ انهيار هذا الاتحاد زال معه حلف وارسو لانه لم يبق هناك من اهداف يدافع عنها. عندئذ ارتسمت للولايات المتحدة الامريكية والدول التي يضمها حلف شمال الاطلسي فكرة ان الوقت مناسب لتغيير بعض اهداف الحلف حتى ان هناك من طالب بعدم جدوى بقائه, بعد ان زال الخطر الذي أسس من اجله, ففي رأي هذه الدول وفي مقدمتها فرنسا والمانيا, ان الاتجاه العام الذي يسير عليه العالم يجعل من الضرورة نقل وظيفة الاحلاف العسكرية الى وظيفة اقتصادية مرنة لكن بالابقاء على الدور العسكري كمحدد رئيسي في السياسة الدفاعية, لأن الدول الاوروبية المنشغلة بفكرة الوحدة السياسية التي وضعت ملامحها معاهدة ماستريخت ترى انه بامكانها وحدها ان تضمن امنها وحتى امن الدول المحاذية لها. وباستثناء فرنسا والمانيا فان الرغبة اكتنفت معظم دول حلف شمال الاطلسي التي عبرت عن تمسكها بشكل هذا الحلف والابقاء على مبدئه الاستراتيجي كنظام دفاعي بامكانه مسايرة الحوادث الدولية التي تعرفها المنطقة المتوسطية, بوصفها امتدادا جغرافيا لمنطقة شمال الاطلسي. وتأتي رغبة هذه الدول في الابقاء على الحلف بسبب خوفها من امكانية ظهور قوة عسكرية جهوية, قد تهدد مستقبل الامن الجهوي. فوجود نظام دفاعي موحد يجمع كل الطروحات العسكرية والسياسية المتناقضة من شأنه ان يساهم ـ حسب رأيها ـ في بلورة مفهوم جديد للامن, يعطي الاولوية للمصلحة العامة لدول الحلف قبل المصلحة الخاصة لكل دولة. استغلت الولايات المتحدة الامريكية الظرف الدولي, الذي اعقب انهيار الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة والتوقيع على معاهدة ماستريخت لتطالب بعقد مؤتمر استثنائي بروما في 7 و8 نوفمبر من سنة 1991 حضرته الدول الـ 18 الذي كان يضمها الحلف, حيث ادرجت في جدول الاعمال نقطة واحدة هي: مناقشة المفهوم الاستراتيجي الجديد لحلف شمال الاطلسي. فقد خرج المؤتمر ببيان هام يحتوي على 60 فقرة خصص فقرته الثانية للحديث عن منطقة حوض البحر الابيض المتوسط ودورها في المفهوم الاستراتيجي الجديد حيث عبر الاعضاء عن قناعتهم بضرورة دعم العلاقات السلمية بين دول الحوض بدل العلاقات النزاعية, على ان تلك العلاقات السلمية يجب ان تكون انطلاقتها من الشرق الاوسط. هذا ويحتوي المفهوم الاستراتيجي للامن المتوسطي في مفهوم حلف شمال الاطلسي على الجوانب الآتية: 1ـ مساعدة المنظمات الجهوية على احلال الامن داخل المنطقة: تسعى الولايات المتحدة الامريكية الى مساعدة المنظمات الجهوية المهتمة بأمن حوض البحر الابيض المتوسط الى حل النزاعات الدائرة فيه, ففي الاجتماع الوزاري لمجلس حلف شمالي الاطلسي الذي انعقد في ديسمبر 1998 اعرب الامين العام للحلف (خافيير سولانا) عن قناعة الدول الاعضاء بتنسيق سياساتها الامنية في اطار الشراكة المتبادلة مع اتحاد اوروبا الغربية لاحلال الامن في كل القارة الاوروبية التي يهددها النزاع العرقي في اقليم كوسوفو حيث تولى هذا الملف تجمع دول شمالي الاطلسي الذي تأسس عام 1993 ويضم 38 عضوا. وبعد فشل مساعي المجموعة الاوروبية والاممية اتخذ الحلف اول مرة برنامجا عسكريا يسمح بايقاف العمليات العسكرية الصربية على المواقع العسكرية والمدنية داخل منطقة البوسنة والهرسك. وانشأ لهذا الغرض قوات التدخل السريع وقوة عسكرية دائمة في عرض حوض الابيض المتوسط تشارك فيها بوارج عسكرية اسبانية وايطالية وبريطانية وامريكية باستطاعتها التدخل حتى خارج المنطقة, وتعود فكرة انشاء هذه القوة الى المؤتمر الذي عقده الحلف في يوليو 1996 ووافقت عليها لجنة برامج الدفاع في 29 مايو 1997 وتتكون هذه القوة من القوات الاتية: قوات للرد, قوات للدفاع الاساسي, قوات الاحتياط, ويبلغ عدد كل هذه القوات ما بين 70.000 الى 100.000 عسكري تسمى بـ (القوات البحرية الدائمة في حوض البحر الابيض المتوسط) وتشارك في القوات البحرية الجديدة ثماني دول هي: الولايات المتحدة الامريكية, بريطانيا, اسبانيا, المانيا, فرنسا, ايطاليا, تركيا, واليونان, وتعمل قيادتها الجديدة تحت الاشراف الدائم لحلف شمالي الاطلسي في هولندا وحسب هيئة الاركان العامة للحلف في اوروبا فان هذه القوة الجديدة ستسمح للحلف بأخذ كل الاحتياطات التي تفيد الامن المتوسطي وتنقله الى الواجهة الاقليمية, او مواجهة اي نزاع او تهديد كان. وقد ضم حلف شمالي الاطلسي جهوده العسكرية الى جهود مؤتمر الامن والتعاون في اوروبا تحت اطار ترسيخ التعاون الاورواطلسي وذلك لاقامة مجمع عبر الأطلسي يمتد من فانكوفر في اقصى غرب كندا الى فلاديفوستوك في اقصى شرق الاتحاد السوفييتي (السابق). ان سعي الولايات المتحدة الامريكية لاشراك الدول الاوروبية في نظام دفاعي واحد, واصرارها على فكرة الشراكة العسكرية وكذا التنسيق مع الانظمة الدفاعية الجهوية الاخرى, هدفه هو الابقاء على تفوقها العسكري في المنطقة والاشراف الرئيسي على حل النزاعات الجهوية وعدم ترك حلها للقوى الاوروبية الكبرى وهي: فرنسا, بريطانيا, والمانيا. ب ـ احتواء دول شرق اوروبا: يسعى حلف شمالي الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية الى محاولة احتواء دول شرق اوروبا التي كانت في حلف وارسو فبعد الموجة الديمقراطية التي اكتسحت هذه الدول باعلانها رسميا القطيعة مع جذور الشيوعية وابداء رغبتها على الدخول الى العهد الليبرالي الديمقراطي الجديد وجدت الولايات المتحدة الامريكية ان من مصلحتها العامة في اطار الدور الجديد الذي يتولاه حلف شمالي الاطلسي مطالبة هذه الدول بالانضمام الى الحلف كاعضاء كاملي الحقوق او كأعضاء مراقبين, وهذا ماجرى مناقشته في الاجتماع الوزاري لدول الحلف الذي انعقد بأثينا باليونان في 10 يونيو سنة 1997 ـ حيث ناقش الاعضاء زيادة على التدابير الدفاعية الجديدة التي يجب ان تتماشى مع المفهوم الجديد للامن, والتي تسمح للدول الاعضاء بالمشاركة بفاعلية في عمليات حفظ السلام الى جانب هيئة الامم المتحدة, او مع دول مجلس التعاون والأمن في أوروبا, مشروع انضمام البعض من هذه الدول في حلف كما وقع مع المجر, وبولونيا, وتشيكيا. ج ـ فصل الأمن الأوروبي عن الأمن المتوسطي: ان سعي الدول الاوروبية في اطار الوحدة السياسية التي اعلنت اقامتها في ماستريخت المزج بين امنها وأمن الدول المتوسطية, فسرته الولايات المتحدة الامريكية على انه سلوك يدعو الى انشاء حلف امني مستقل عن حلف شمالي الاطلسي, ويتولى الدفاع عن المصالح الاوروبية والمتوسطية, لذلك انبنت السياسة الجديدة لحلف شمالي الاطلسي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية على اتباع سياسة الاعاقة مع الدول الاوروبية, التي تقودها فرنسا, ايطاليا, واسبانيا, بدليل ان مساعي هذه الدول جارية لاقامة تنظيم امني موحد يعمل بوسائل مستقلة عن حلف شمالي الاطلسي كما فعلته فرنسا وألمانيا بإعلانهما قوة عسكرية موحدة في حوض البحر الأبيض المتوسط. فهذا الاعلان كان بمثابة ضربة سياسية للولايات المتحدة الامريكية من ان الدول الاوروبية بعد ان انهار الاتحاد السوفييتي قادرة على ضمان حزامها الأمني وحتى ضمان الحزام الأمني, لأن الدول الأوروبية تعتقد ان الضربة الخاطفة التي كانت تتخوف من ان توجهها روسيا لها قد زالت بعد ان التزمت هذه الاخيرة الدخول في مشروع الشراكة التي دعا اليها الحلف. وكان المبدأ الاستراتيجي الجديد الذي اعلن الحلف عنه في لقاء روما واضحا فيما يتعلق بقضية الامن الاوروبي والمتوسطي بإشارته الى ان المسائل الامنية لا يمكن ان تنفرد اية جهة بالدفاع عنها دون اشراك الجهات المسؤولة عن ذلك. والاشارة هنا انما تعني الدول الاوروبية خاصة منها فرنسا بأن تلزم حدودها الامنية اذا تعلق الامر بالمصالح الامنية للولايات المتحدة الامريكية في اوروبا وحوض البحر الابيض المتوسط.