الحوار الامريكي العراقي قصة قديمة, طرحت في مراحل سابقة, وكان اوج الحوار ذلك اللقاء الذي جمع كلاً من بيكر وزير الخارجية الامريكي ووزير الخارجية العراقي طارق عزيز . وقد استمرت الحوارات ولكنها في الحقيقة لم تكن حوارات بهدف الوصول الى اتفاق, بل كانت انعكاساً لحالة صراع ومواجهة.. في دبلوماسية العلاقة الامريكية العراقية وقع الكثير من الاتصالات والتعاملات, الاتصالات القائمة هي من شاكلة وضع شروط محدده بخصوص العقوبات, وهي من نمط الدبلوماسية العلنية ومثال على ذلك نوفمبر الماضي عندما اعلن الرئيس الامريكي كلينتون بأن موقفا عراقيا تجاه التفتيش سوف يوقف عملا عسكريا ممكنا. وكانت النتيجة دبلوماسية كوفي عنان مع البيت الابيض التي ادت الى ايقاف عمل عسكري كانت الولايات المتحدة تنوي القيام به. وقد يعتبر البعض ان حوار البنادق والغارات في ثعلب الصحراء أو في مناطق الحظر الجوي هو الاخر حوار قائم طالما ان العمل العسكري استمرار لمتطلبات السياسة. ولكن الصراع العسكري بنفس الوقت يعكس رسالة صراع حول الوضع العراقي وحول رفض اعطاء دور في الترتيبات الاقليمية للرئيس العراقي, انها تعكس الصراع على مستقبل العراق بين دول عدة: دول معارضة (الصين وروسيا) ودول مسؤولة عن الترتيبات الامنية في الخليج (أمريكا وبريطانيا), فحتى الان قامت الولايات المتحدة مع بريطانيا وبعد توقف عملية ثعلب الصحراء في ديسمبر الماضي 1998 بما يقارب العشرة الاف طلعة جوية, وقد قصفت اربعمائة هدف في الشمال والجنوب, ومن المتوقع ان يستمر هذا الوضع وان يزداد كثافة وحدة في الشهور المقبلة. ان الحالة العراقية حالة مستعصية في الساحة الامريكية, فبينما التعاطف مع الشعب العراقي في قضية العقوبات هو تعاطف قائم في اوساط أمريكية عديدة, الا ان الموقف من النظام وبالتحديد من سياسات الرئيس العراقي قد دخل منذ زمن بعيد مرحلة اللاعودة. والسبب في ذلك يعود لعاملين. العامل الأول مرتبط بسياسات الرئيس العراقي منذ البداية. فقد وضع العراق ووضع نفسه في حالة صراع دائم مع الولايات المتحدة في كافة المنعطفات منذ عام ,1990 وقد توفرت فرص محددة للتهدئة والمراجعة لكن الرئيس العراقي فضل طريق المواجهة انطلاقا من ان ذلك الطريق ينسجم مع أسلوبه في العمل ومع ما يعتبره طريقة التأثير على السياسة الامريكية. وقد ادى ذلك الى زيادة العداء تجاه الرئيس العراقي في الساحة الامريكية ككل. بمعنى آخر عمقت سياسات الرئيس العراقي من حالة العداء الامريكية العراقية مما جعل أي تراخ سياسي في البيت الابيض تجاه العراق قضية خاسرة سياسيا ولا يجرؤ عليها أي رئيس امريكي, بل نذكر في هذا المجال محاولة الرئيس كلينتون التخلص من ارث الصراع مع العراق في بداية عهده وردة الفعل السياسية التي واجهها والتي دفعت به الى التمسك بالثوابت الامريكية القاضية بمواجهة الرئيس العراقي ومواجهة سياساته والاصرار على تنفيذ القرارات الدولية. ولكن لماذا لم تسع الولايات المتحدة جدياً للتغيير في العراق في السنوات التي اعقبت حرب تحرير الكويت؟ من الواضح ان الولايات المتحدة كانت تريد في العراق توازنا مع ايران, وكانت لاتريد التعامل مع ارث التغيير في العراق واثار ذلك. لهذا كانت عملية فرض العقوبات والاستمرار بها في اطار الاحتواء عملا غير مكلف بالنسبة لدولة كبرى حققت ما تريد في منطقة الخليج وتلعب دورها على الصعيد العالمي. لم يكن التغيير في العراق ضرورياً أو اساسياً لان النظام العراقي لم يكن يشكل ذلك التهديد الذي يتطلب حربا أو تدخلا موسعا امريكيا. ولكن الوضع العراقي الامريكي يتغير الان, فهو وضع متحرك فيه الكثير من الجديد, اذ تصل الان الولايات المتحدة الى نتيجة مفادها انها سوف تخسر كثيرا من جراء سقوط نظام العقوبات, وسوف تواجه وضعا عراقيا يتسرب من خلاله التحالف الصيني الروسي والى حد ما الفرنسي. وبينما يعاني الشعب العراقي, الا ان الرئيس العراقي نجح في اللعب على التناقض الامريكي الروسي الفرنسي الصيني في مجلس الامن, ونجح في التخلص من جزء من العقوبات وفي وضع الاطار لطرح تجميد مؤقت للعقوبات, المشكلة التي تواجه الولايات المتحدة ان رفع العقوبات او تجميدها سوف يدخل اجلا أم عاجلا وربما هذا الخريف في حيز الضرورة والواقع, وقد عاد الكونجرس الامريكي الى الضغط على الادارة الامريكية بخصوص سياستها الضعيفة تجاه العراق, كما ان ملف التسوية والانسحابات الاسرائيلية يتطلب حسما للملف العراقي بل قد يكون هذا الامر قد طرح في لقاء باراك مع الرئيس كلينتون, لهذا قد تجد الولايات المتحدة انها مضطره لبذل جهد جاد لترتيب الوضع العراقي في اطار السعي الاكثر جدية للتغيير في العراق, فالولايات المتحدة لاتستطيع تجاهل العراق ودوره في المرحلة المقبلة, وهي لاتستطيع التحاور مع الرئيس العراقي, لهذا فشرط توفير ترتيبات اقليمية بما فيها ترتيبات تسوية الشرق الاوسط يدخل العراق من خلالها هو خروج الرئيس العراقي من السلطة, وهذا هو الاساس بالنسبة للسياسة الامريكية, ان الحاجز بين العراق وبين الولايات المتحدة هو الرئيس العراقي وهذا اساس ملف المرحلة الاخيرة. لهذا تبدو الولايات المتحدة الان أكثر استعداداً للتعامل بجدية مع المسألة العراقية. بل من الطبيعي ان تحاول الولايات المتحدة ان تنهي الملف العراق من خلال عملية عسكرية أكثر توسعا من ثعلب الصحراء وذلك بهدف كسر قوة النظام العراقي.. ومن الملاحظ ان الولايات المتحدة بدأت منذ التاسع عشر من اغسطس ولأول مرة بقصف مواقع خارج منطقة الحظر الجوي وفي وسط العراق ومن المرجح ان يزداد الوضع العسكري توترا. ان الولايات المتحدة على مفترق طرق فاما ان تخرج خاسرة من معركتها مع العراق مما سيشجع دولاً اخرى على سلوك توجهات مشابهة لتوجهات الرئيس العراقي مع كل ما يترتب على ذلك من دور جديد لروسيا والصين وفرنسا, واما ان تحسم الموقف وتتقدم لتقود الترتيبات الامنية في منطقة الخليج بعد التخلص من الرئيس العراقي, ولهذا النجاح لو تم انعكاسات اقليمية وعالمية وانعكاس كبير على التوازن الدولي بين امريكا وروسيا والصين وفرنسا وغيرها. ولكن هذا الامر ليس مضمون النتائج وهو ينطوي على الكثير من المخاطر الامنية والسياسية كما ان افاق الفشل وعدم النجاح والتأخير كما حصل مع مراحل سابقة ممكن. * استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت