لم تعد الرياضة مجموعة ألعاب فردية أو جماعية تخص الذين يمارسونها وحدهم من قبيل الهواية, أو على سبيل الاحتراف. فقد أصبحت حالة شعبية تستقطب اهتمام الناس في الملاعب والشوارع والساحات وحتى في البيوت . وبلغ الاستقطاب الشعبي حول الرياضة حدا لم تصله الحركة الجماهيرية السياسية العربية في سنوات مدها. وما تحظى به الرياضة اليوم من اهتمام وانشغال جماهيري, لا تحظى به, او بالقليل منه, القضايا الوطنية والقومية, سواء كانت قضايا سياسية او اقتصادية او اجتماعية أو ثقافية, واصبح للرياضة في وطننا العربي أحزاب, سواء كانت احزابا للاندية, او الفرق الوطنية, او حتى لبعض الفرق الاجنبية, اكثر عددا من الاحزاب العربية القطرية والقومية, واوسع جماهيرية منها. بل ان بعض اللاعبين على المستوى الدولي او حتى على المستوى المحلي من ذوي الامكانيات المتواضعة, صارت شعبيتهم تفوق شعبية اي زعيم سياسي, او اي قائد تاريخي, او اي شاعر عبقري, او اي مصلح اجتماعي, او اي فقيه او داعية ديني. ولذلك, لا يستطيع المثقفون والكتاب ان يتجاهلوا هذه الظاهرة, او ان يعرضوا مبتعدين عنها على انها لا تخصهم, فهي من صميم واجباتها طالما انها تشغل الناس. وما حدث في الدورة الرياضية العربية في الاردن ـ دورة الحسين ـ يشكل حافزا كبيرا, ودافعا قويا لأن تحظى دراسة الظواهر التي برزت من خلال هذه الدورة باهتمام المثقفين والكتاب العرب, والمساهمة بفكرهم ووعيهم واخلاقياتهم بتوجيه الاجيال الشابة, وتحقيق التوازن النفسي لديها, ووضع الرياضة في مسارها الصحيح, وفي الاطار الذي يحقق التكامل بين الخصوصية الوطنية والشمولية القومية. وعدم ترك هذه الساحة التي تضم أجيال المستقبل لمن يعبث فيها عن جهل, أو عن وعي وتخطيط مسبقين. فحين سعى الاردن لان يجمع بالرياضة ما فرقته السياسة, وان يحقق التضامن الشبابي العربي, بعد ان فشل التضامن السياسي العربي, وان يوجه رسالة للقيادات السياسية العربية المختلفة, قبل ان يوجهها للعالم, بإمكانية لقاء ممثلي المستقبل العربي, إذا كان ممثلو حاضر الانقسام العربي ومسؤلوه غير قادرين على اللقاء, او غير راغبين فيه, أو ممنوعين عنه. حين سعى الاردن الى ذلك, ونجح فيه تمنى, وتمنينا معه ان تكتمل الصورة, وتخرج الدورة بكل الدروس الايجابية المرجوة منها, لكن بعض السلبيات, من افرازات سنوات الفرقة العربية, ونتائج السياسات القطرية الضيقة عند البعض, وعدم الفهم لرسالة الرياضة وروح التسامح والمحبة والتنافس الشريف التي تحملها وتعنيها ألقت ببعض الظلال السوداء على العرس الشبابي العربي. وهي وان لم تنجح في افساد العرس الجميل الا انها تستحق التوقف عندها, والبحث في اسبابها, واستخلاص العبر منها. حتى نحفظ لجيل المستقبل ايمانه بانتمائه لأمته الواحدة, وان اعتزازه بخصوصية البلد الذي يحمل جواز سفره ـ إن كانت له خصوصية ـ لا يجب ان يتجاوز خصوصية الجزء الوطني الذي ينتمي الى الكل القومي العربي. وان هذه التقسيمات السياسية والادارية التي تحمل اسماء كيانات سياسية لم تكن وليدة ارادة او رغبة شعبية ذاتية لاجداد هذا الجيل واسلافه, وانما هي تقسيمات فرضتها ارادات وعوامل خارجية, لم تسمح ظروف الواقع العربي وقتها بمقاومتها, ولا التخلص منها حتى الآن. ان الانصاف يقتضي الا نحمل اللاعبين في الميدان, ولا الجمهور في المدرجات ولا حتى المتحمسين من مشاهدي التليفزيون في المقاهي والبيوت مسؤولية السلوكيات غير الطبيعية التي صدرت عن البعض. فمن حق هؤلاء ان يتنافسوا, وان يشجعوا, وان يتحمسوا. فمن سمات الرياضة وأهدافها تعزيز روح التنافس للوصول الى الافضل وتحقيق الفوز. لكن ما يقود للخروج عن هذا الاطار الرياضي هو التعبئة التي يتلقاها هذا الرياضي المتنافس, او المتفرج المشجع. والتي تأخذ احيانا طابعا سياسيا يقوم على تعزيز القطرية البغيضة, ويتولى شحن النفوس بها اعلام جاهل, فيحملها اللاعبون والمتفرجون معهم كما يحملون أمتعتهم وحقائب سفرهم وأدواتهم الرياضية, ويأتون الى الملاعب والمدرجات. مما يذكرنا بتعبئة الجيوش وشحنها بمفردات القتال قبل توجهها لساحات الحروب. ومما يشير الى هذا البعد الذي اخذته المنافسات, ان مسؤولي بعض الفرق اصدروا قرارات عسكرية بترقية لاعبيهم الى مراتب الضباط مكافأة لهم على الفوز ـ عفوا النصر ـ في المعركة. فالإعداد النفسي, والشحن المعنوي الذي يمارسه البعض, يخلط بين تحضير اللاعبين والجمهور لخوض مباراة وبين خوضهم معركة. ويبدو ان تشابه المفردات اللغوية بين خطط الملاعب وخطط المعارك من حيث الدفاع والهجوم, وجس النبض والاستطلاع والميمنة والميسرة والقلب, ورأس الحربة وخط الدفاع الأخير, أشكل على المتباين والمعلقين والجمهور أيضا, فاختلطت الأمور عليهم, وتوهموا انه طالما تشابهت الخطط توجب ان تخاض المباريات كما تخاض المعارك, وان المسألة أبعد من تنافس في ميدان يتسم بالتسامح, وانما هي قتال في ميدان المعركة, وان المطلوب ليس الفوز الذي تتطلبه المباريات, وانما النصر الذي تتطلبه المعارك وهو ما كانت تفلت به أحيانا ألسنة وأصوات بعض المتحمسين الذين يعتبرون المباريات معارك وطنية, والانتصار فيها انتصار وطني. وحين تؤخذ امور الرياضة ومعانيها على هذا النحو, يصبح الخصم الذي ينافس على الفوز عدوا, ويدخل التعامل معه خانة التعامل مع الاعداء. ينسى هؤلاء المتشنجون, أو يتناسون, ان الميادين التي يتم التنافس فيها وعليها, هي ميادين رياضية وليست ميادين قتال, وان الفرق المتبارية جميعها فرق عربية, وان انتماءها لأقطار عدة لا يخرجها من دائرة المحلية في الاطار العربي الواحد, ولا يكسبها صفة العالمية. وان فوز أي فريق عربي هو فوز لكل عربي, و دليل على تطور الرياضة في الجزء الذي ينتمي إليه هذا الفريق من وطننا العربي, وهو مدعاة للفخر, وحافز يدفع الجميع الى مساعدة بقية الاجزاء للنهوض بمستواها الرياضي. هناك قدرات وإمكانات فنية وبدنية وبشرية لا يمكن اسقطاها من الحساب عند مطالبة هذا الفريق أو ذاك الفوز. وهناك تاريخ وعراقة حتى في الرياضة, فبعض الرياضات يمتد عمرها آلاف السنين في أعماق التاريخ, بينما لا يتجاوز عمر دول بعض الفرق المتبارية بضعة عشرات من السنوات. فكيف يتحدث بعض المعلقين عن التاريخ الرياضي العريق لمثل هذه البلدان بينما يفتقر بعضها حتى للعنصر البشري, مما يدفعه لاستيراد اللاعبين وتجنيسهم. فتوفر العامل المادي, وبذخ الإنفاق على رياضات قد لا تناسب طبيعة هذه المناطق, لا يكفي وحده لأن يجعل من هذا لبلد أو ذاك دولة عظمى في ميادين الرياضية. ان الدروس المستوحاة من دورة الحسين الرياضية, تحتم على المسؤولين عن الرياضة العربية ان يعيدوا النظر في السياسة الرياضية العربية وفق ما استخلصوه واستوعبوه من نتائج هذه الدورة. بحيث تتضمن برامج الدورات المقبلة ندوات ومحاضرات وتعليقات وكتيبات عن التضامن والوحدة العربية, والتاريخ العربي المشترك, ودور كل قطر على حدة, ومجتمعين في منظومة التكامل العربي السياسي والاقتصادي والرياضي. وحبذا لو أثمرت هذه اللقاءات الرياضية العربية تشكيل منتخبات عربية في كل لعبة من الألعاب, تنافس على الصعيد الدولي باسم العرب أجمعين وتحت علم موحد, وعندها ستكون كل الجماهير العربية خلف هذه المنتخبات. * عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية