لاشك ان تركيا كغيرها من دول الشرق الاوسط, تعيش جملة من الازمات المركبة والمعقدة والتي غالباً ما تكون عصية على الحل, الا ان الحكومة التركية كانت تتجاوز هذه الازمات بترحيل جزء منها الى مدى غير منظور او محدد, والجزء الاخر الذي يتعلق بالمشكلات الاثنية والعرقية والامنية , تسعى الى حلها من خلال جملة من القرارات الاجرائية. اي بمعنى آخر كانت على الدوام قادرة على خلق آليات لادارة الازمات الناشئة من خلال الاتكاء على علاقاتها القوية مع الخارج بكل ما تعنيه الكلمة من معنى, ان كان لجهة الدور الجيوسياسي المركب المنوط بها, ام لجهة الامتدادات العرقية التي تتوزع على اوروبا واسيا. لكن على ما يبدو ان غضب الطبيعة هذه المرة قد فاق بتدميره القدرة التركية ليس على خلق آليات لادارة الازمات وحسب, بل ووضعها في موقف المتفرج الذي لا يملك سوى صيحات الاستغاثة التي تفتقد الى رجع الصدى المطلوب, وندب الحظ السيىء, والعودة الى القدرية على المستوى الشعبي والتي حاربتها الحكومات العلمانية المتعاقبة, منذ الربع الاول من هذا القرن. وذلك في ظل مرحلة يشهد فيها العالم الغربي اعلى درجات الكساد والضبابية والتذبذب في اسواقه المالية والتجارية بعامة ويتجاوز حجم الخسائر قدرات الدول العربية والاسلامية, قد تكون مكلفة اكثر من كلفة الزلزال وتأثيراته, وتحتاج الى ما يسمى باقتصاد الطوارىء الذي تعجز تركيا باقتصادها المتهالك المأزوم على القيام به, خاصة مع الضغوط الشديدة لزيادة الانفاق الاستثماري لمواجهة الخسائر التي خلفتها الكارثة. ناهيك ان الزلزال الاخير ضرب المنطقة الاغنى في تركيا. وقد كشفت رابطة رجال الاعمال المستقلين, وهي هيئة نقابية مقربة من اوساط الاسلاميين, ان قسما كبيراً من الشركات المتوسطة والصغيرة تأثرت في المناطق الاكثر تضرراً, والنشاطات بالنسبة الى هذه الشركات لن تعود الى ما كانت عليه. وكانت هذه الشركات تعمل بشكل اساسي في مجال الاقمشة والانسجة الاصطناعية والاغذية الزراعية, اما على صعيد البنية السياحية التي تعتبر رافدا مهما من روافد الاقتصاد التركي, وجزءا اساسيا من اجمالي الناتج القومي التركي فقد دمرت وبالكامل, خاصة الواقعة منها على سواحل بحر مرمرة, بما في ذلك مرفأ عولجوك الذي يعتبر من اكبر المرافىء التركية على الصعيدين العسكري والتجاري, بالاضافة إلى مجمع الصناعات العسكرية المشتركة التركية ـ الاسرائيلية البحرية والكيماوية, التي جرى التعتيم الاعلامي عليها لما تتصف به من السرية والغموض, والتي تقول بعض المصادر ان خسائرها قد تصل قرابة 12 مليار دولار بما في ذلك المنشآت الخاصة في هذه النوعية من الصناعات, والتدمير البيئي الذي حدث بسبب التسرب الهائل للمواد النفطية والكيماوية من مصفاة توبراس اثر احتراقها في خليج ازميت الموازي إلى شاطىء دجير منديري رغم حواجز الحماية التي اقيمت حولها. وقد باتت الهواجس تقلق الحكومة التركية التي تنتظر مصيرا مظلما بسبب الامطار الحامضية التي سقطت في المناطق المنكوبة جراء تسرب كميات كبيرة من بعض المستودعات الكيماوية ذات الاستخدامات العسكرية, والتي بدورها ستؤدي إلى كوارث تنعكس بشكل مباشر على سكان تلك المناطق, ويقول بعض الناجين ان الحكومة التركية سارعت بوقف عمليات فرق الاغاثة الدولية والبالغة قرابة الخمسين, بطلب من الولايات المتحدة الامريكية واسرائيل حتى تحافظ على السرية المطلقة لتلك الصناعات المشتركة الخطرة الموجودة بالاراضي التركية من جانب, ومن جانب آخر تحاشيا لاكتشاف النتائج الخطيرة التي ستمخض عنها تسرب هذه المواد التي قد تنال بفتكها من فرق الانقاذ ذاتها. ومن هذا المنطلق بدأت الحكومة التركية بتسييس القضية والتي تمثلت بكيل المدائح لاسرائيل والولايات المتحدة كخطوة استباقية لما سيكشفه الزلزال خلال الايام المقبلة من ويلات على الشعب التركي بأكمله, وعلى الجوار الجغرافي المسلم الذي سيعلن موقف الاحتجاج والتأنيب بل والرفض للجار التركي وما خلفه بتحالفه مع اسرائيل على مستوى اسلحة التدمير الشامل وصناعتها, من ويلات على مستقبل البشر وعلى الوضع الصحي والبيئي بشكل عام, وقد عملت الحكومة التركية بتوجيهات اسرائيلية امريكية على تعطيل مهمات الفرق التي بقيت في تركيا, وفي هذا الشأن بالذات قال رئيس فريق الانقاذ المكسيكي خوسيه ليون غاراي في جولجوك احدى اكثر المناطق تأثرا بالزلزال: لا نعرف منطقة الكارثة, ومن ثم نحن في حاجة إلى معلومات, لكن اكثر المعلومات التي نحصل عليها تضللنا. * كاتب سوري