أشد الناس عداوة، بقلم: د. مصطفى محمود

ذكرت صحيفة (فريميا) الروسية ان جهاز الاستخبارات الاسرائيلي(الموساد)سوف يعاون روسيا في قتالها مع ثوار الداغستان المسلمين في شمال القوقاز وان اسرائيل تعهدت بتقديم مساعدات لوجستية ومعلوماتية وعسكرية للمقاتلين الروس في حربهم للمتمردين المسلمين . ونذكر جيدا ايام مذابح المسلمين في البوسنة ان المدد الصهيوني بالمال والخبرة العسكرية والعتاد لم يتخلف عن مساندة السفاح كارادتش والجزار ملادتش في عمليات القتل والاغتصاب وحفر المقابر الجماعية للآلاف... وفي المذابح الاخيرة في كوسوفو كانت الخبرة الاسرائيلية تعمل يدا بيد مع المجرمين الصرب في استئصال شأفة الوجود الاسلامي من اخر معقل له في اوروبا... وحيثما كانت هناك حرب مع المسلمين كنا نجد الصهيونية بأموالها وخيلها ورجلها في طليعة المساهمين... وصدق الله العظيم. (لتجدن اشد الناس عداوة للذين امنوا اليهود والذين اشركوا) . (المائدة ـ 82) ان الله المطلع على قلوب خلقه... وعلى السر واخفى.. اي على اخفى ما يخفيه هؤلاء الناس في قلوبهم... يقول انهم يضمرون لنا ألد الخصام ويبطنون اشد العداوة. وهذا كلام الله الذي خلقهم وليس كلامنا وماذا كان عقاب الله على هذه العداوة؟!! لقد كان العقاب من جنس العمل... عاقبهم على العداوة بالعداوة وعلى البغضاء بالبغضاء... فقال عز من قائل (والقينا بينهم العداوة والبغضاء الى يوم القيامة كلما اوقدوا نارا للحرب اطفأها الله ويسعون في الارض فسادا والله لا يحب المفسدين) (المائدة ـ 64) فتركهم فريسة سهلة للاضطهاد والتعذيب ايام النازية... وتخلى عنهم وتركهم لنفوسهم الامارة والى ان تقوم القيامة لا يبقى لهم صديق وينقلب عليهم كل من يحالفهم فلا امان لهم ولا امان معهم... وفي النهاية ينقلب الحليف الامريكي حينما يكتشف سوء طويتهم. ويتخلى عنهم الكل فينفرد بهم اعداؤهم وهذه طبيعتهم التي يستحيل معها اي تطبيع واي تطبيع مع هذه الطبيعة هو تطبيع ضد نواميس الطبيعة ذاتها فكيف تصاحب الغدر وكيف تطمئن الى الخديعة والذين يسألون... كيف ينتصر المسلمون على اسرائيل وهم بهذه الحال من التفرق لا تجتمع لهم كلمة ولا يجتمع لهم عزم... وما هذا الانتصار الذي يتكلم عنه القرآن والذي يدخل فيه المسلمون القدس كما دخلوها اول مرة ويدمرون كل ما بنت اسرائيل وكل ما عمرت... كيف يحدث هذا وهم الاضعف سلاحا والاضعف ناصرا. وانا اسأل... ماذا يتبقى من اسرائيل اذا تخلت عنها امريكا؟!! سوى الرعب والفزع وسوء المصير. اننا نعيش على ارض تدور... ولا شيء فيها يبقى على حاله ان الله يتكلم في القرآن بعلمه الشامل ويرى بمنظور الزمن كله من مبدأ الازل الى منتهى الابد ونحن ننظر من منظور اللحظة المحدودة التي نعيشها ولا نرى الا برهة قصيرة من بضعة ايام او شهور ولا نشهد الا هذا الحبل الذي يضيق شيئا فشيئا على رقبتنا والقلوب المؤمنة هي وحدها التي تدرك ان الله قادر على كل شيء, وانه فعال لما يريد. وقد غاب عنا الايمان واغفلناه من الحساب وهو قادر على صنع المعجزات والله نسيناه ولم نشهد الا زنزانة الواقع والحركة المحدودة التي نتحرك فيها. ولم نعد نذكر من الدين الا الطقوس والشعائر واللحى والمسابح ورحلات العمر. واختلت في نظرنا الموازين واضطربت الاحكام, والواقع امامنا يقدما لنا مشهدا بليغا يوقظ الموتى من قبورهم. الشيشان تنتصر على روسيا وهم الاقل عددا والاقل سلاحا... بما لا يقاس... والتنكولوجيا المتقدمة بلا حيلة امام الشجاعة والايمان والارادة الصلبة والثبات على الحق. والثوار الداغستان في التحام اسطوري في حرب جبال وعرة مع الدبابات الروسية... والدبابات تتراجع ويسقط من القتلى الروس اضعاف ما يسقط من قتلى الثوار. ونرى الكثرة عاجزة مشلولة امام القلة المؤمنة والصواريخ عاجزة امام القنابل اليدوية, والمدافع عاجزة امام الرشاشات البدائية... ولو ان هؤلاء الثوار حاربوا بمنطق الحسابات الواقعية لما حاربوا... ولو انهم حسبوا كم عدد الشعب الروسي وكم عدد مقاتليهم لما اطلقوا رصاصة, ولكن الايمان له حساب اخر في الحروب... الله وحده هو الذي يضع مقداره وهو الناصر حينما يشاء بأهون الاسباب وهذا (الحس الغيبي) امر جوهري في الدين بل هو جوهر الدين كله... ولهذا جعله الله اول صفات المتقين. (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون) (البقرة 1-2-3) فجعل الايمان بالغيب مقدما على الصلاة وعلى الانفاق... وذلك لان الغيب هو جوهر الدين... فالله غيب والاخرة غيب والحساب غيب والجنة غيب والنار غيب والملائكة غيب والشيطان غيب والجن غيب والسماوات السبع غيب والعرض غيب والكرسي غيب وما بعد الموت غيب وما قبل الميلاد غيب والقيامة غيب ومعظم مشاهد القرآن العظيمة غيبيات. وهذه الغيبيات هي الطاقة التي تشحن القلب وتوقظ الوجدان وتثير العقل وتشعل الخيال وتصنع جملة المشاعر والاشواق المحفزة التي نسميها الايمان والحنين الذي يعمر القلب ويملأ الوجدان. واهل الحسابات العقلية مثل التجار ورجال الاعمال واصحاب البنوك والمرابون والصيارفة هم اهل الواقع واهل الدنيا وشواغلهم هي كل ما يدور حول المنافع والمصالح والمكاسب والخسائر المادية البحتة. ولاحظ لهم في هذا الجانب الغيبي بحكم تعلقهم بالمحسوس والملموس والواقعي... وكلما غرقوا في هذا الملموس والمحسوس كلما ابتعدوا عن الدين وغيبياته وكلما امتلكتهم الدنيا بزخرفها وخلبتهم ببريقها. وللدنيا عشاق بالفطرة... وهكذا ولدوا وللغيب عشاق بالفطرة... وهكذا ولدوا وكان هذا العشق من كل منا اختيارا منذ الازل... لم يكرهنا ربنا على شيء ولم يخلقنا على فطرة مضادة لمزاجنا الاصلي... بل خلقنا على وفق اختيارنا... الذي احب الدنيا خلقه للدنيا واعطاه الدنيا... والذي شغف بالاخرة خلقه للاخرة وهيأه للاخرة... يقول الشيخ الاكبر ابن عربي في التفاتة ملهمة... ان الله يقول لاهل النار في الاخرة... ما حكمنا عليكم ولكن هكذا كنتم. اي انكم كنتم من الازل من اهل النار بحكم اختياراتكم فما اكرمناكم على شيء بل يسرنا لكل منكم اختياره... يسرناكم للعسرى لانكم اخترتموها من البداية... ولو اخترتم اليسرى ليسرناكم لها... ولكن هواكم كان في هذه المشقة من اول الامر. وهذا المشهد القديم في الازل لا يصل اليه الا العارفون الاكابر من امثال ابن عربي وتقوم فلسفة ابن عربي كلها على هذا الاساس... على اساس ان الانسان حر مختار ومسؤول عن اختياره وان قضاء الله عدل كله. وقد اختار الله لكل منا الجسم والصلاحيات الجسمانية التي تلائم نفسه وهواياته... وكان هذا شأنه تعالى مع كل مخلوق فخلق ابليس من نار لان النار تلائم (الكبر) والعلو (النار كلما اشتعلت تعلو وترتفع) وفي النار الحرارة والاندفاع والحدة التي في الشيطان... وخلق للمغني عاشق الغناء الحنجرة التي تطاوع مهارته... ولهاوي الرياضة العضلات التي تلائم رياضاته. كان هناك دائما ذلك التطابق المذهل بين الجسم والوظائف المنتظرة منه في اطار الانشطة التي سوف يختارها صاحب هذا الجسم... ولم يكن هذا التطابق مصادفة بل تقديرا وتدبيرا مقصودا من الخالق جل شأنه... وهذه صورة اخرى من صور العدل في التمكين والعدل في التيسير مصداقا للحديث النبوي... اعملوا فكل ميسر لما خلق له. هل اي منا له حنجرة مغني الاوبرا؟؟ استحالة... وانما هي خلق خاص اختص الله به امثال دومنجو وبافاروتي... لان الله قد علم ان كلاً منهما قد اختار لنفسه هذا الغناء الاوبرالي الذي سوف يحتاج الى هذه الضخامة في الصوت والرنين المدوي في الصدى... ومثل هذا الاداء سوف يحتاج الى تجويف صدري ضخم مثل الطبلة ليكون هذا الرنين المدوي.. وهذه الفحولة في الصوت هي الموهبة الخارقة التي سوف يصفق لها الملايين. وان كل مرحلة في الحق تمت بتدبير وعلم وحكمة ومواهبنا كانت اختيارات لنا من البداية يسرها الله بكرمه وحكمته. لقد ابدع الله خطة خاصة لكل مخلوق خلقة تطابق الوظائف التي سوف يختارها هذا المخلوق لنفسه.. فهو خلق على مقتضى علم سابق وعلى مقتضى عدل كامل وتدبير محكم لا مكان فيه لاي صدفة او عشوائية... وهو خلق على مقتضى الصورة الباطنية للنفس... تكامل مذهل لا يملك الانسان الا ان يهتف مسبحا... تعاليت يا ربنا وتقدست... هذا الحوت الذي يتهادى سابحا في الاعماق... وقد خلقه الله في هيئة اشبه بالغواصة وصوره في صورة انسيابية مذهلة ليطابق مقتضيات وظيفته..!!! وهذا النسر وهذا الصقر... وهذا النمر... وهذا الاسد... وهذا الفيل... وهذا الديناصور... وهذا المتحف الطبيعي البديع المذهل الذي لا تتكرر فيه الصورة الواحدة مرتين... وانما انت حيثما وجهت نظرك رأيت ابداعا متصلا يفوق الخيال. كيف تتصور بعد كل هذا ان الله سوف يضيعك وانت ارفع مخلوقاته واعظم مصنوعاته شأنا... وانت المستخلف منه على رعاية كل هذا... كيف تتصور ان يفلت ظالم بجريمته كيف تتصور ان يفلت مذنب دون عقاب وكيف تتصور ان يتساوى عند الله محسن ومسيء وكيف يمكن ان يذهب كل هذا الخلق والابداع هباء بل اكاد ارى في هذا الخلق قرآنا اخر واكاد اطالع كلما وجهت بصري ايات وسورا كاملة ونماذج من الاعجاز والاتقان... واعلم الان علم يقين ان الله لن يضيعنا... واننا سوف ندخل القدس كما دخلناها اول مرة كما قال ربنا لا تسألوني كيف... انظروا حولكم وانظروا داخل نفوسكم... وانظروا في هذا المتحف المذهل تأملوا هذا الاعجاز وستعلمون كيف... انظروا في السماوات السبع فوقكم وفي النجوم بلا عدد وبعضها اكبر من شمسنا بملايين المرات... وفي المجرات المعلقة في الفضاء تسبح في مدارتها منذ اباد من الزمن قبل آدم هذا الملك في الزمان والمكان بلا حدود... فماذا يكون شأن المالك الذي يدبر كل هذا...؟!!! ايعجز مثل هذا المالك ان يقيم العدل في مملكته وان يستأصل الشر وان يعيد كفة الميزان الى استوائها ما لكم كيف تحكمون... ان ساعة اليد في معصمك لا تخطىء فكيف يجوز الخطأ على صانع الموازين والمواقيت كلها وعلى مالك الاكوان. الذي خلق الزمن الكوني كله لقد وعدنا الله يا سادة ولن يخلف وعده ولا تسألوني كيف... ولا تسألوني متى... فان غدا لناظره قريب واني لواثق من ربي ثقتي بوجودي واكبر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات