عادت قضية المطالبة بالغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر لتتصدر المشهد الصحفي.. المصري والعربي, بعد ان أدانت محكمة جنايات القاهرة, رئيس تحرير جريدة(الشعب)، لسان حال حزب العمل المعارض،واثنين من زملائه بتهمة قذف وسب الدكتور يوسف والي نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الزراعة الأمين العام للحزب الحاكم وحكمت عليهم بأقصى عقوبة, وهي الحبس عامين وغرامة عشرين ألف جنيه لكل منهم. واذا كان من الضروري الفصل بين الحكم الذي صدر في هذه القضية ـ وهو حكم قضائي يتوجب على الجميع احترامه ـ وبين المطالبة بالغاء تلك العقوبات, وهي مطالبة لا تتعلق بقضية بذاتها, بل تتعلق بموقف من حرية الصحافة, وهي احدى الحريات والحقوق العامة التي تكلفها الدساتير الديمقراطية للمواطنين جميعا وليس للصحفيين وحدهم.. فمن الصعب الفصل التام بين المسألتين, لأن الحكم الذي سلب الصحفيين الثلاثة حريتهم, صدر استنادا الى مواد قانونية, هي من بين المواد المطلوب استبدال عقوبة الحبس التي تنص عليها, بعقوبات أخف كالغرامة أو العقوبات التأديبية.. فمن الطبيعي ـ والأمر كذلك ـ ان تشمل المطالبة بالغاء هذه العقوبة, المطالبة بالبحث عن حلول قانونية تقصر مدة بقاء الصحفيين الثلاثة في محبسهم الذي دخلوه تطبيقا لمواد يطلب الجميع تخفيف العقوبة عليها. وفضلا عن ان الحيثيات التي استند اليها هذا الحكم, هي تفسير قضائي لتلك المواد, يتوجب الوقوف عنده, قبل ان يتحول الى (فقه) يأخذ به غيره من الاحكام, اذا أيدته (محكمة النقض) فإن هذا التفسير يدعم ـ في حد ذاته ـ مطالبة الصحفيين وغيرهم من أصحاب الرأي بالغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر. وأسوأ ما يمكن ان يحدث في معالجة هذا الموضوع الشائك, هو ان يتصرف أحد, أو يتصور أحد, ان المطالبة بالغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر, أو المطالبة بالبحث عن حل قانوني يوقف تنفيذ العقوبة بحق الصحفيين الثلاثة, تعني تأييد الحملة التي شنتها جريدة (الشعب) ضد الوزير, أو الانضمام اليها فيما وجهته اليه من أوصاف اعتبرتها المحكمة قذفا وسبا في حقه.. فالحقائق تقول ان المطالبة بالغاء العقوبات السالبة للحرية في قضايا النشر, قد بدأت عام 1995 وقبل أربع سنوات من تلك الحملة.. والواقع يقول إن من بين الذين يكررون هذه المطالبة الآن من لا يتفقون مع جريدة (الشعب) أو مع الحزب الذي تنطق بلسانه في كل أو بعض اجتهاداته.. ومن بينهم من أعترض على الحملة التي شنتها على الوزير جملة وتفصيلا.. ومن بينهم من اعترضوا على ما استخدمته من توصيفات استندت اليها المحكمة في اصدار حكمها على الصحفيين الثلاثة, وخاصة عبارات الاتهام بالخيانة الوطنية والعمالة لاسرائيل, بل ان بينهم من وجهت اليهم صحف اخرى هذه الأوصاف ذاتها لكنهم لم يحتكموا للقضاء. اما المهم فهو ان الانطلاق من تصور كهذا, يؤدي عمليا الى انكماش الجبهة الداعية, لطلب الغاء العقوبات السالبة في جرائم النشر, ويقلص الجبهة الداعمة لمطلب البحث عن حل قانوني يخرج الصحفيين الثلاثة من محبسهم, الى مدى بعيد, بحيث تقتصر هذه الجبهة على محرري (الشعب) وأعضاء (حزب العمل) .. وهو ما يضعفها بل ويلاشي تأثيرها.. أما الأهم, فإن هذين المطلبين, لا يمكن ـ عمليا ـ تحقيقهما من دون حوار مع الحكومة, ومع الحزب الحاكم الذي يحوز أغلبية مقاعد مجلس الشعب, ومن السذاجة ان يتصور أحد ان الاثنين يمكن ان يدخلا في حوار يقوم على تسليمهما بصحة الاوصاف التي وجهتها جريدة (الشعب) لنائب رئيس الوزراء والأمين العام للحزب الحاكم.. فذلك تحميل للحكومات فوق ما تطيق, وللأحزاب فوق ما تحتمل! والحقيقة ان جرائم القذف والسب, تكاد تكون العقبة التي تقف أمام منشار المطالبة بالغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر.. صحيح ان هذه العقوبات تشمل طائفة كبيرة من الافعال المؤثمة منها جرائم التحريض والتحبيذ والاغراء والعيب والاهانة والاخلال بالمقام ونشر الاخبار الكاذبة, بل ونشر الاخبار الصحيحة المحظور نشرها.. وصحيح ان العقوبات السالبة للحرية, بل وحتى الغرامات المالية, على بعض هذه الجرائم تزيد على ما يناظرها في حالة السب والقذف.. ولكن من الصحيح كذلك, ان اقامة الدعوى العمومية ضد الصحفيين أو أصحاب الرأي, الذين قد يرتكبون هذه الجرائم ـ وهي في معظمها جرائم ضد السلطة العامة ـ تظل في الغالب معلقة على ارادة الحكومة, اذا شاءت ابلغت النيابة ضد الصحفي.. واذا شاءت غضت الطرف عنه. وعلى سبيل المثال.. فإن تحريك الدعوى العمومية في جرائم مثل العيب في حق ملك أو رئيس أو سفير دولة اجنبية لا يتم الا بعد شكوى يتقدم بها وزير العدل.. والنيابة العامة لا تستطيع التحقيق مع صحفي بتهمة اهانة أو سب احدى الهيئات النظامية مثل البرلمان أو الجيش أو السلطات العامة, الا اذا تقدم رئيس هذه الهيئة النظامية بشكوى ضده.. ولو ان وزير العدل أبلغ النيابة العامة ضد الصحفيين الذين يتناولون في كتاباتهم رؤساء الدول الاجنبية من (كلينتون) الى (باراك) ومن (عرفات) الى (ميلوسيفيتش) لدخل نصف الذين يكتبون في الصحف ـ سواء كانوا صحفيين أم كتابا أم محررين في أبواب البريد ـ السجن.. ولو ان رئيس (مجلس الشعب) استجاب لالحاح النواب, الذين يطالبونه بالابلاغ ضد الصحف التي تندد بالمجلس لتغير اسم (رابطة الصحفيين البرلمانيين) الى (رابطة الصحفيين المسجونين) .. ولو ان النيابة العامة قد حركت ما يدخل في سلطتها من دعاوى عمومية في بقية جرائم النشر, ومنها جرائم نشر الاخبار الكاذبة.. والصحيحة, والصور التي تسيىء الى سمعة البلاد, وتبرز مظاهر غير لائقة, حتى لو كانت صحيحة.. لاستراح الناس من الصحافة والصحفيين. ومع ان عزوف الحكومة عن تحريك الدعوى العمومية, في معظم جرائم النشر التي تتعلق بالنظام العام, فضل ينبغي ان يذكره الصحفيون وأصحاب الرأي فيشكرونه لها ويبوسون كفيها الكريمتين على ما تعطفت به عليهم, الا ان اصرارها على الاحتفاظ بالمواد القانونية التي تؤثم هذه الافعال بما تتضمنه من عقوبات سالبة للحرية.. أمر يدعو للريبة.. وقد يدفع البعض للظن ـ وليس كل الظن إثم ـ انها تحتفظ بها لكي تستخدمها بشكل انتقائي على خصومها دون انصارها, وعلى صحف المعارضة دون صحفها, ثم من الذي يضمن لنا ألا تستقيل هذه الحكومة ـ بعد عمر طويل ان شاء الله ـ لتأتي حكومة اخرى لا تتمتع بما تتمتع به من ديمقراطية وسعة صدر, تبعث هذه المواد الميتة من رقادها.. فتطبقها ـ وتطربقها ـ على رأس الجميع, لمجرد ان خالها الطيب قد زارها في المنام, وأوحى لها ان تفضها سيرة, وبلا ديمقراطية.. بلا وجع دماغ. الأساس في الدولة الديمقراطية, هو انها (دولة القانون) التي تضمن الحقوق العامة والواجبات العامة, فلا تعاقب مواطنا لأنه يمارس حقا ولا تتهاون معه ـ مهما سما مركزه ـ اذا أخل بواجب, أو أهدر حقوق غيره, وبالتالي فهي لا تعرف بدعة القانون الذي يصدر لكي يوضع في الثلاجة, أو لكي يطبق حسب التساهيل.. فالقانون الذي لا يلغى ولا يطبق يضعف هيبة كل القوانين.. ويشجع الناس على عدم الانقياد اليها.. ووجود مواد في القانون تعاقب المواطنين على ممارسة حق من حقوقهم العامة, كالحق في التعبير عن آرائهم, هو عدوان على كل حقوقهم.. وبقاءها مع عدم تطبيقها, لا معنى له الا الاصرار على رفض الاعتراف بحقوق المواطنة والحرص على تصوير هذه الحقوق باعتبارها منحا وهبات وعطايا تتفضل بها الحكومة على الشعب الذي تحكمه..!! خلاصة الكلام ان القسم الأعظم من المواد التي تعاقب بالحبس على جرائم النشر, التي تقع في حق السلطة العامة, لا تطبق, ولا يجوز تطبيقها لأنها تصادر حرية المواطنين في التعبير عن أنفسهم والدفاع عن مصالحهم, وليس المطلوب إلغاء العقوبات السالبة للحرية في هذه المواد واستبدالها بعقوبات اخرى, كالغرامة مثلا, بل المطلوب هو إلغاء المواد نفسها ومحوها محوا أبديا, وبما أنها مواد ميتة لا تطبق فالمطلوب هو دفنها لأن إكرام الميت دفنه.. ولأن مجرد وجودها في القانون المصري ـ وفي قوانين البلاد العربية التي أخذتها عنه ـ هو عار لا يليق ببلد ـ أو أمة ـ متحضرة تبحث عن مكان لها على خريطة العالم في الألفية الثالثة.. اذ الواقع ان المصدر التشريعي الأصلي لمعظم جرائم النشر في حق السلطة العامة, هو خليط من الكناسة التشريعية للديكتاتوريات التي شهدها العالم منذ أواخر القرن الماضي.. من ديكتاتورية (لويس بونابرت) الى فاشية (موسوليني) ومن نازية (هتلر) الى انقلابات (زيور) و(اسماعيل صدقي) ومن سبقهم.. ومن تلاهم وتنسل عنهم. وعلى العكس من جرائم النشر التي تقع في حق السلطة العامة, فإن جريمتي القذف والسب تكادان تكونان الجريمتين الوحيدتين اللتين تؤثمهما القوانين حتى في أعتى البلاد الديمقراطية.. لأنهما ـ في حالة ثبوتهما ـ تمثلان عدوانا على حقوق آخرين, وإضرارا بمصالحهم وخدشا لشرفهم واعتبارهم ومدعاة لاحتقارهم بين أهل وطنهم.. والقانون المصري والعربي, يؤثم السبّ والقذف في حق آحاد الناس على الاطلاق, سواء حدث ذلك في مشاجرة بين امرأتين في الشارع العام, أو حدث على صفحات صحيفة, أو وزّع في منشور. ويتصور كثيرون خطأ ان القانون يبيح سب وقذف ما يسمونه بـ (الشخصيات العامة) .. وهم يدرجون فيها كل الشخصيات المشهورة, من الفنانين الى لاعبي الكرة.. ومن رجال الأعمال الى رجال الاجرام.. وهو وهم يمكن ان يقود هؤلاء جميعا ـ وخاصة بعض محرري الصحف والمجلات الفنية ـ الى السجن لمدة تصل الى سنة, لو ان المتضررين من النشر أقاموا ضدهم دعوى مباشرة.. حتى لو كانت الوقائع التي نشروها صحيحة. والحقيقة ان قوانين النشر لا تعرف شيئا اسمه (الشخصية العامة) .. ولكنها تعرف فقط (الموظف العام والمكلف بخدمة عامة والشخص ذي الصفة النيابية العامة) فهذه الفئات الثلاث وحدها, هي التي يجيز القانون الطعن على أعمالهم, أو بمعنى آخر القذف في حقهم, بشرط ان يتم ذلك بحسن نية, وان يقيم القاذف الدليل على صحة كل فعل نسبه للمقذوف في حقه, وإلا يتعدى القذف حدود الوظيفة التي يقوم بها. ومنطق القانون في التفرقة بين القذف في حق آحاد الناس, وبين القذف في حق الموظف العام, وإدانته الأول بشكل مطلق وإباحته للثاني ضمن شروط محددة.. منطق مقبول واتجاه مستنير, يوازن بين حق المواطن العادي في حماية حرية حياته الخاصة من التشهير.. وبين حق الرأي العام في الرقابة على اعمال الذين يتولون السلطة العامة, حتى لو ادى ذلك الى التدخل في حياتهم الشخصية. والصحفيون وأصحاب الرأي لا يطالبون بإلغاء الحبس في جريمة القذف في حق آحاد الناس, لأن في ذلك اهدارا لحق الخصوصية لا يرضونه, لكنهم يطالبون ـ بشكل محدد وعلى سبيل التخصيص ـ بإلغاء عقوبة الحبس في حالة محددة من حالات القذف, هي (القذف في حق الموظفين العموميين وذوي الصفة النيابية العامة والمكلفين بخدمة عامة) .. لأن في ذلك توسيع لحق النقد, وضمان للرقابة الشعبية على اداء السلطة العامة وسد لأبواب ومنافذ يتسرب منها الفساد, ولأن الغرامة تكفي اذا ثبتت التهمة. ولا محل للادعاء بأن مطلب إلغاء عقوبة الحبس في جريمة القذف في حق الموظف العام, مطلب غير دستوري بدعوى انه يخل بمبدأ المساواة امام القانون, أو يميز الصحفيين عن غيرهم من المواطنين ففضلا عن ان الامتياز المطلوب هو للصحافة, التي هي للصحفيين كما هي لغيرهم من المواطنين.. فإن احدا لم يطلب قصر هذا الامتياز على الصحافة وحدها, اذ من البديهي ان تلغى العقوبة السالبة للحرية على جريمة قذف الموظف العام ـ وأقصاها سنتان حبس ـ سواء كان الذي ارتكبها كاتبا في صحيفة.. أو كان خطيبا في محفل سياسي, اكتفاء بالغرامة المعقولة في حالة الادانة.. وبذلك يتساوى الجميع أمام القانون. المهم الآن.. ألا تتداخل قضية الصحفيين المحبوسين بقضية إلغاء العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر بصورة قد تفسد كلا منهما.. وألا تستقلا بصورة قد نخسر فيها كلاهما.. وأن يتضاغط الجميع: صحفيين وحكومة ومحبوسين ووزراء.. بحثا عن مزيد من الحرية.. وتوسيعا لنطاق حق النقد.. وضمانا لمزيد من الرقابة الشعبية على أداء السلطة العامة.. لأن القضية بالفعل ـ على صعيدها الشخصي والعام ـ قضية هامة.. وحيوية لا تحتمل المزايدة ـ كما لا تحتمل المناقصة.