الشرق شرق والغرب غرب ، تلك المقولة القديمة التي أطلقها الشاعر الإنجليزي استعماري النزعة"رديارد كيلنج"كانت تعني في وقتها شيئا محددا, أن الشرق الذي كان يشكل المستعمرات والغرب الذي يسيطر على تلك المستعمرات أعداء, ليس فقط بسبب طبيعة النزعة الاستعمارية , بل لأن الاستعمار كان ولا يزال يخطط للبقاء سيدا حتى لو تحررت تلك المستعمرات من تحت يديه كرها, لذلك فانهما "لا يلتقيان" لا جغرافيا, ولا يلتقيان ثقافيا أو اقتصاديا, لأن أحدهما يريد أن يظل مسيطرا على مقدرات الآخر بلا مقابل, وعلى الآخر أن يقبل بالعبودية الأبدية, منذ أن دانت السيطرة للغرب بنى رفاهيته على حساب الشرق, ورغم تغير الظروف إلا أن الغرب ليس على استعداد للتخلي عن تلك الرفاهية حتى لو مات الشرق جوعا, وعلى الشرق أن يظل مصدر المواد الأولية التي تعيش عليها شعوب الغرب, لأن الشرق في نظر الغرب مصدر من مصادر رفاهيته ليس إلا. لكن تلك المقولة "الشرق شرق والغرب غرب" رغم أنها كانت تعني في زمنها أيضا أن الشرق كله واحد, أي عالم متخلف مسلوب الارادة, والغرب كله واحد, عالم متقدم مسيطر, وأن الشرق كله مستعمرات للغرب, وكانت تعني أن الشرق مناجم لمواد أولية يحتاجها الغرب لبناء صناعته, إلا أن الوضع تغير منذ النصف الثاني لهذا القرن الذي يوشك على الرحيل, وأصبح الشرق أكثر من شرق, وكذلك تحول الغرب إلى أكثر من غرب واحد. إلا أن بعض قيادات الطبقة المثقفة في الشرق العربي ظلت تتبع المقولة دون بحث أو تمحيص لمعرفة ما حل من تغييرات منذ أن تحولت هذه المقولة إلى شعار, وظلت تلك القيادات تبيعنا "نظريات" مؤيدة للغرب تحاو ل أن تجمل من شكل هذا الغرب في عيوننا باعتبار أن الغرب صاحب حضارة اليوم, وأي أمل في التقدم لن يكون إلا به ومن خلاله, لكن هؤلاء لم يقولوا لنا أي غرب يقصدون, وعن أي غرب يتحدثون, هل هو الغرب الأوروبي أم الغرب الأمريكي؟, وذلك لسبب بسيط وهو وان كانا يشكلان غربا واحدا, إلا أنهما يقومان على أسس مختلفة. غرب اليوم مختلف عن غرب الأمس وان كانت ممارسات الغرب كله بشقيه الأوروبي والأمريكي تكاد تكون واحدة "إستراتيجيا" تجاه الشرق العربي بالتحديد, لأن الغرب على العكس من موقفنا منه لا يتعامل مع الشرق على أنه شرق واحد, لأن الشرق لم يعد شرقا واحدا بالنسبة للغرب. بالنسبة للغرب بشكل عام الأوروبي والأمريكي -الأكثر وعيا في تعامله معنا- الشرق اليوم منقسم إلى شرق لا يزال يلعب دور منجم المواد الأولية, ليس للغرب وحده بل لبعض الشرق أيضا مثل اليابان, الشرق منقسم على نفسه لا يعرف مدى القوة التي يتمتع بها, وهي قوى أولية تماما كالمواد الأولية التي ينتجها, أي أنها قوى بدائية في حاجة إلى التوجيه والاستغلال الأمثل, حتى تستطيع تلك القوة الأولية أن تصبح قوة حقيقية, تستطيع أن توفر لشعوب ذلك الشرق إمكانية الخروج من تخلفه وبناء مستقبل أفضل, مستقبل يسمح له بالانتقال من ركنه القصي والوقوف في مكانه الحقيقي تحت الشمس, من هنا اتفق الغربان على أن يظل شرقنا العربي في مكانه, اتفقا فقط على أن يظل مصدرا للمواد الأولية وسوقا لبضائع الغربين "الأوروبي والأمريكي", لكن لكل غرب منهما طريقته في تعامله معنا, وأيضا في طريقة بيعه لبضاعته. من هنا كان على مثقف الشرق العربي أن يعي حقيقة انقسام الشرق إلى شرقين, تماما كما عليه أن يعي أن الغرب أيضا لم يعد غربا واحدا, بل أكثر من غرب, الغرب القديم المتمثل في أوروبا على الرغم من تعلقه بماضيه الاستعماري واستمراره في استغلال شعوب الشرق المتخلفة, إلا أنه غرب له نظمه وقواعده وأيديولوجيته التي فيها بعض المناطق المضيئة التي تختلف عن الغرب الجديد "الولايات المتحدة الأمريكية" التي لم يكن لها وجود عندما انطلقت مقولة "الشرق شرق والغرب غرب", وهذا الغرب الجديد يقوم على قواعد مختلفة عن قواعد الغرب القديم. هناك خلاف كبير بين أوروبا كغرب وبين الولايات المتحدة كغرب, وبناء على هذا الاختلاف لكل منهما نظرته تجاه الآخر, وينعكس هذا الاختلاف على تعاملهما مع المناطق التي تعتبر خارج إطار أوروبا الغربية التي يقع فيها شرقنا. أوروبا الغربية عند ما تتعامل مع الغير فهي "تبيعه" أيديولوجية تقف على قاعدة من إقامة مجتمع اكثر عدالة وأكثر تضامنا, من خلال نظام لتوزيع العمل والثروة بين اكبر عدد ممكن من أفراد هذا المجتمع, وهذا يقلل من حجم المنافسة الفردية بين أفراد مجتمعات أوروبا الغربية, رغم أن انخفاض مستوى حجم المنافسة بين الأفراد يقلل من وجود المبادأة الفردية والمغامرة في تلك المجتمعات, إلا أنه يقلل أيضا من حجم التهميش الاجتماعي, وان كان لا يقضي عليه تماما, ولكنه تهميش محدود, إضافة إلى و جود نظام كفالة اجتماعية لحماية غير القادرين من خلال توفير خدمات أساسية مثل التعليم والصحة والمواصلات بأسعار مقبولة وفي متناول يد الجميع, وحماية البيئة وحماية الفرد كمستهلك, وما يرافق ذلك من زيادة في حجم الإنفاق الحكومي الذي يعني بالتالي زيادة الضرائب على الشريحة الاجتماعية ذات الدخول الأعلى. أما الولايات المتحدة فإنها في تعاملها مع الغير "تبيعه" ثقافة مصطنعة, ثقافة استهلاكية لا قيمة حقيقية فيها, سوى أنها تقوم على ألوان زاهية بلا مضمون, ثقافة الهامبورجر والكوكاكولا, ثقافة الطعام السريع, لأنه لا وقت للأمريكي للاستمتاع بالحياة في مجتمع قائم على الصراع الدائم الأبدي لتحقيق الذاتية الفردية قبل تحقيق مصالح المجتمع. مجتمع الولايات المتحدة إذا أمكن أن نطلق عليه لقب مجتمع يفتقد إلى الكثير من الأسس التي تقوم عليها المجتمعات الأخرى من قيم سواء في الشرق أو حتى في الغرب, ذلك الغرب الذي نبع منه هذا التشكيل الأمريكي, المجتمع الأمريكي عبارة عن تجمعات قامت منذ البداية كقوة مكونة من أفراد لهم طموحاتهم الشخصية, مقومات نجاح هؤلاء الأفراد يمكن تقييمها بما يستطيعون تحصيله من أموال, وانتماء هؤلاء الأفراد إلى جماعة من الجماعات الاجتماعية لا هدف من ورائه سوى تحقيق الطموحات الفردية. الولايات المتحدة ليست أمة بالمعنى الحقيقي, بل أرض مفتوحة محكومة بالفردية التي لا قواعد لها, فردية لا قلب لها ولا تعرف العواطف البشرية, الفردية فوق كل شئ, فردية تسمح بارتكاب كل الجرائم من اجل الحصول ما يطمح إليه الفرد, فردية لا تعرف حدودا للطموح, بل ترى البطولة في حجم ما أمكن تدميره من بشر وجماد من أجل الحصول على ما كانت تطمح إليه هذه الفردية, لذلك يعتبر النظام الاجتماعي الأمريكي نظاما اكثر تهميشا للأفراد, لا حماية فيه لأحد. لذلك عندما نتحدث عن الغرب, أو عن الحضارة الغربية ونموذجها, خاصة إذا أردنا أن نتبع نموذجها أو حتى نقتدي ببعض ما حقق من نتائج إيجابية في مسائل معينة كالاقتصاد الذي فرضوه علينا لنكون جزءا من اقتصاد السوق, حينها علينا أن نحدد أي غرب نقصد, هل نقصد الغرب الأوروبي, أي أوروبا الغربية, أم نقصد الغرب الأمريكي, أي الولايات المتحدة, هل يصلح لنا النموذج الاقتصادي الغربي الأوروبي, أم النموذج الغربي الأمريكي. لكن في النهاية للمثقف العربي عذره في الخلط ما بين الغربين, لأنه خلط غير مقصود وناتج عن غياب التحديد في اللغة الذي يعتبر سمة المثقفين في هذا العصر, أو أنه خلط لأسباب خارجة عن إرادة الذهن العربي الذي يسقط فريسة للدعاية الأمريكية التي تقدم ثقافتها على أنها الثقافة الغربية, وهو أمر لا يعترف به مثقفو أوروبا الغربية, لأنهم يعتبرون أنفسهم ضحايا لتلك الدعاية, وينتقدون بلادهم لأنها لا تحاول أن تلعب دورا اكثر تحديدا حتى لا يختلط الأمر على الشعوب الأخرى وتتعامل مع أوروبا الغربية على أنها جزء من الثقافة الأمريكية, المثقفون الغربيون يؤكدون أيضا على أنه "لا الشرق شرق ولا الغرب غرب", ويرون على عكس ما يرى السياسيون في بلادهم أنه يمكنهما أن يلتقيا, لكن تحت شروط معينة يعترفون باستحالة تحقيقها في الزمن الحالي. * كاتب مصري مقيم في اسبانيا.