شهد السودان منذ ايام قليلة واحدا من ابرز تحولاته وهو دخوله عالم انتاج النفط والذي تقول ارقامه المبدئية ان الانتاج اليومي يصل الى150الف برميل, وان السودان بدأ بالفعل بالتصدير في حفل حضره الرئيس عمر البشير واركان الدولة, وفي خلاله تم تسفير اول دفعة من النفط السوداني على ناقلة سعتها600ألف برميل من ميناء بور سودان . وقد عقب الرئيس البشير على تصدير اول شحنة من نفط السودان, بالقول ان عائد النفط سيلعب دورا مهما في تنمية السودان, وامر كهذا يبدو ممكنا في ضوء ان عائدات السودان النفطية ـ حسب تقديرات الانتاج والاسعار اليوم ـ ستصل سنويا قرابة مليار دولار, وهو مبلغ كبير بالنسبة الى بلد مثل السودان لديه مشكلات اقتصادية واجتماعية وسياسية كبيرة وكثيرة. غير انه لابد من التدقيق في امكانية مساهمة النفط في تنمية السودان, وذلك من خلال امرين الاول فيهما, ان وجود النفط وتصديره امر لايمكن اعتباره كافيا من اجل التنمية او انه سوف يلعب دورا مهما في تنمية البلد, ولدينا في العالم, كما في البلدان العربية نماذج من الدول والبلدان التي كان انتاج النفط وتصديره وللعائدات النفطية دورا سلبيا في التنمية, وذلك بسبب سوء استخدام تلك العائدات, والتصرف بها بطريقة لاتتناسب واتجاهات التنمية, ولعل ابرز مثال عن الاثر السلبي للنفط وعائداته يقدمه من العالم العربي هو العراق الذي قاد الاستخدام السيئ فيه لموارد النفط الى دمار العراق وخرابه. وبطبيعة الحال, فان هناك نماذج مختلفة من الدول التي لعب النفط وعائداته دورا مهما في التنمية ليس الاقتصادية فقط, وانما الاجتماعية والثقافية, مما انعكس تحولات جوهرية في حياة تلك الدول وسكانها وفي حياة من اتصل بها من الدول والشعوب, وربما كان نموذج دولة الامارات العربية مثالا مناسبا من البلدان العربية. اما الامر الثاني في موضوع تنمية السودان, فهو يتصل بامكانيات ذلك البلد, واذا كان النفط بين تلك الامكانيات, فان في هذا البلد امكانيات اخرى, قد تكون اهم, خاصة لجهة تمييز السودان وتفرده بها, في حين انه لاينفرد بامتلاك واستخراج النفط عربيا وافريقيا. ان بين ما يملكه السودان من امكانيات هامة, مساحات هائلة وخصبة من اجود الاراضي الزراعية في العالم, وتبلغ مساحة الاراضي الصالحة للاستثمار 84 مليون هكتار, تساوي نحو ثلث مساحة السودان, يتم استثمار نحو 10 ملايين هكتار منها حاليا, كما يملك السودان كمية هائلة من المياه, وحصته من مياه النيل وحده تصل 18 مليار متر مكعب سنويا, باستثناء مياه الامطار التي يصل معدلها السنوي في الجنوب الى اكثر من الف ميلمتر, وفي اغلب انحاء السودان الى اكثر من 200 ميلمتر, ولدى السودان ثروة حيوانية هائلة, تنتج لحوما وحليبا وجلودا, ويملك السودان الى ما سبق, كميات كبيرة من منتجات زراعية بينها القطن طويل التيلة, والفول السوداني, والسمسم, والصمغ العربي, والحبوب بأنواعها, وجميعها ذات كميات اقتصادية. غير ان اهم ما يملكه السودان من ثروة هو سكانه الذين يتجاوزون حاليا ثلاثين مليون نسمة, ورغم انهم لا يشكلون كثافة عالية في السودان الذي تزيد مساحته عن مليوني كيلو متر مربع, فان عددا كهذا, يمكن ان ينهض بالسودان, ويتقدم به الى مستقبل افضل مما هو عليه الان بعشرات المرات. لقد جعلت تلك الامكانيات ذات الطابع البشري والزراعي والحيواني من السودان بلدا مرشحا لأن يكون (سلة غذاء العالم العربي) على نحو ما اشيع منذ بداية الستينات, بل ويمكن ان يعول عليه في دعم الاحتياجات المائية للبلدان العربية القريبة في ضوء التردي الواضح في واقع المياه العربية. غير ان وقائع العقود الثلاثة الاخيرة من حياة السودان, اثبتت ان النتائج خلاف تلك المراهنات, حيث عانى السودان من مجاعات واسعة ولا سيما في جنوبه, وعانت عاصمته القائمة على نقطة التقاء النيلين من عطش وقلة في مياه الشرب في مرات اخرى. واذا كانت حالة السودان على هذا النحو في ظل ثرواته البشرية والزراعية والحيوانية, فان السؤال عن حقيقة تأثير النفط وعائداته في التنمية الاقتصادية يبدو مشروعا بل ان الجواب قد يكون غير مشجع على الاطلاق. ان مشكلة السودان وتنمية السودان, لا تتعلق بالموارد والامكانيات بمقدار ما تتصل بالسياسات والارادات التي تتابعها الحكومات السودانية أساسا, وبدرجة اخرى بما تقوم وتمارسه قوى المعارضة سواء المعارضة السياسية او المعارضة المسلحة في الجنوب التي تتابع فصولا من الحرب الأهلية, تسمح للقوى الاقليمية والدولية في التدخل بشؤون السودان, وفي تغذية النزعات الانفصالية, وفي استثمار الانقسامات العرقية والدينية من أجل استنزاف خيرات السودان وامكانياته, وسد افاق التنمية الاقتصادية والاجتماعية, ومنع تحقيق رفاه الانسان السوداني. ان القول بامكانية التنمية في السودان, ينبغي ان يعتمد على اعادة ترتيب سياسة السودان الداخلية وبخاصة في معالجة واقع الانقسامات والاختلافات, وفتح صفحة جديدة في العلاقات الوطنية مع قوى المعارضة, والاستفادة من أجواء الوساطات الاقليمية والدولية من اجل وقف الحرب الاهلية في الجنوب التي تكلف اسبوعيا اكثر من مليون دولار, ومن تلك النقطة يمكن الانطلاق بعملية تنمية شاملة للسودان, تخرج به وبشعبه من واقع التردي الذي يعانيه, ويعيش في ظلاله, وعندها يمكن ان يساهم النفط في تنمية السودان.