رؤيتان للنخبة العربية تجاه السلام، بقلم: فاطمة شعبان

بحكم المخاطر التي شكلتها اسرائيل على المنطقة العربية, والتي تجاوزت حدود فلسطين الى الدول المجاورة, وحتى الى الدول البعيدة, شكل الصراع العربي ـ الاسرائيلي معطى اساسيا للواقع العربي الراهن ودخل الصراع في تكوين كافة مستويات الحياة العربية, مما جعل القضية الفلسطينية ثابتا من الثوابت العربية . مع مفاوضات السلام العربية ـ الاسرائيلية التي انطلقت من مدريد, يجري تفكيك القضية الفلسطينية واستئصالها من الواقع العربي, وبالتالي تفكيك الصراع العربي ـ الاسرائيلي, وتحويل اسرائىل الى دولة طبيعية في المنطقة. وامام هذا المشروع لتفكيك الصراع العربي ـ الاسرائيلي, تنقسم النخبة العربية بين اتجاهين لتحديد الموقف مما يجري من مفاوضات تسعى لتفكيك الصراع: الاتجاه الاول: يعتبر ان ما يجري فرصة لتحرير الواقع العربي من ضغوط الصراع العربي ـ الاسرائيلي وانعكاساته السلبية, التي اسرت الواقع العربي تحت ضغط الصراع خلال الاعوام الخمسين الماضية. ويعتبر هذا الاتجاه, ان الفرصة مواتية, رغم حالة الضعف التي تخترق العالم العربي. وان العرب يستطيعون من خلال السلام ان يحققوا مالم يستطيعوا تحقيقه في الحرب, على فرض ان الحرب كان خيارا جديا عند العرب. فمن خلال المفاوضات يستعيد العرب اراضيهم المحتلة, وتقوم الدولة الفلسطينية المستقلة, وهو ما يجري على ارض الواقع الآن, بما يكرس تراجع المشروع الصهيوني الذي يقوم على آليات التوسع, فرغم اعتبار اسرائىل نفسها منتصرة في الصراع, الا انها في اطار تفكيك الصراع, عليها ان تدفع ثمن السلام من خلال الانسحاب من الاراضي المحتلة. واذا كان الحل يشوبه عدم العدالة, الا ان مايمكن تحقيقه من خلال السلام افضل بما لايقاس من بقاء حالة اللاسلم واللاحرب. في سياق عملية السلام جرى الاعتراف من قبل اسرائيل بالشعب الفلسطيني, وهو مايتناقض مع جوهر المشروع الصهيوني الذي يقوم على نفي وانكار وجود هذا الشعب. ولايقتصر نتاج السلام, على الصراع العربي ـ الاسرائيلي, وتراجع المشروع الصهيوني, بل سيكون لها انعكاسات داخلية على الدول العربية. ففي الوقت الذي تقوم فيه الدولة الفلسطينية وتعاد الاراضي الى الدول العربية التي تحتل اسرائيل اراضيها, فان الصراع سيوضع خارج النطاق الميداني وبالتالي ستطرح بالتدريج اسئلة واشكاليات جديدة تواجه العمل السياسي الداخلي في كل دولة عربية بعيدا عن ذريعة الصراع العربي ـ الاسرائيلي وهذا مايدفع الى اعادة النظر في القضية الفلسطينية كمكون من مكونات السياسة الداخلية في الدول العربية, وعندما يتم انجاز التسوية, التي ستنجز رغم الصعوبات العلمية القائمة فان العديد من التحديات التي كان يحجبها الصراع, ستعود للظهور, مثل الحجج التي تستند الى الصراع, لفرض قوانين الطوارىء في بعض الدول العربية. وبذلك فان السلام الذي يعاني من العيوب, وهو افضل من حالة الشلل التي تعيشها المنطقة. وبالتالي ان عملية السلام, تنعكس ايجابيا, على المنطقة, وستدفعها دفعا لمواجهة تحديات كان البعض يفضل ان تبقى محجوبة بالصراع العربي ـ الاسرائيلي. الاتجاه الثاني: يعتقد ان مايجري ماهو الا تصفية للصراع العربي ـ الاسرائيلي يخدم القوة الاسرائيلية الصاعدة في المنطقة. ولان التسوية تقوم على اساس ميزان القوى, فانها ستكون مختلة لصالح اسرائىل, بما يعني ان على العرب ان يدفعوا فاتورة السلام كاملة. بحيث يؤدي توقيع اتفاقات السلام مع اسرائىل الى تعزيز هيمنتها على المنطقة, وبذلك يكون على العالم العربي الدخول في مراحل ضعف جديدة في مواجهة المشروع الصهيوني, ومن هنا فان التسوية الجارية التي تقوم على اسر العالم العربي, هي تسوية مجحفة وغير عادلة بحق العرب وبحق الفلسطينيين, وما يجري ماهو الا مرحلة من مراحل الصراع مع اسرائيل. وهذا لن ينهي الصراع العربي مع الصهيونية ومن المتوقع ان تمارس الشعوب العربية دورا اكبر في الصراع, لتعديل الاجحاف ولكسر العنجهية الصهيونية. كما ان هذه التسوية تسعى الى تعزيز الانقسام في العالم العربي, من خلال دخول اسرائيل على الصراعات العربية من موقع الدول الطبيعية في المنطقة, بحيث تسعى اسرائيل لان تلعب دور الحكم بين الدول العربية بعد انجاز التسوية. ومن هنا فان مخاطر اسرائيل تزداد مع التسوية ولاتنقص, لان هذه التسوية هي عنوان الاقرار العربي بتفوق اسرائيل وهيمنتها في المنطقة. فاضافة دولة جديدة الى العالم العربي مثل الدولة الفلسطينية لاجدوى منه, لان القضية الفلسطينية ترتبط ارتباطا وثيقا بمشروع التقدم العربي وبالوحدة العربية, وهي رافعة لهذا التقدم, ولذلك تعتبر القضية الفلسطينية هي الموقع الذي يتحدد به مصير ومستقبل العالم العربي. ولان مايجري في فلسطين من خلال التسوية هو اعادة تنظيم الاحتلال الاسرائيلي, فان ما يجري من اتفاقات مع العرب هو وسيلة لتمديد هذا الاحتلال ولذلك على العرب ان لايضعوا انفسهم تحت رحمة اسرائىل, لان الحقوق العادلة التي تجد الشعوب التي تطالب بها لابد ان تتحقق, حتى لو كانت في هذه اللحظة او تلك تعاني من الضعف, وبذلك فان الصراع العربي الاسرائيلي صراع مفتوح على الزمن. يقع بين وجهتي النظر السابقتين طيف من وجهات النظر, ولكنها جميعها يمكن تصنيفها تحت هذه او تلك. وتعكس وجهات النظر القائمة بين النخبة العربية الارتباك الذي اصبح عمره مايقارب العقد من الزمن منذ طرحت فكرة مفاوضات السلام, وبالتالي هذا يعكس الارتباك الحاصل في السياسات العربية, وكيفية التعامل مع عملية السلام وما بعدها من تحديات. فعلى مدى السنوات الماضية من عمر التفاوض مع اسرائيل لانستطيع ان نقرأ في السياسات العربية استراتيجية تفاوضية مع اسرائيل, على عكس ما يمكن قراءته في السياسة الاسرائىلية, وان كل ماتعتمد عليه السياسات العربية هو انتظار الانفراج من السياسة الاسرائىلية. وما لم يضع العرب استراتيجية سياسية واضحة للتعامل مع عملية السلام وما بعدها, فان حالة الارتباك ستبقى سائدة, مما يعني هدر المزيد من الطاقات العربية مجانا. كاتبة فلسطينية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات