لا احد يستطيع ان يتهم الاكاديمي الامريكي, البروفيسور بيتر نوفيك بمعاداة السامية بمعنى كراهية اليهود او الحقد عليهم. الرجل استاذ وباحث جامعي مرموق . وله مؤلفات في غاية الاهمية والموضوعية حول تاريخ الحرب العالمية الثانية وقي مقدمتها كتابه الهام بعنوان(تطهير المتعاونين(مع العدو)في فرنسا المحررة),بل ان الاستاذ نوفيك يعد من ابرز اساتذة جامعة شيكاغو الامريكية وهو زيادة على هذا كله مؤسس برنامج الدراسات اليهودية في تلك الجامعة العريقة. من هنا فعندما يصدر اكاديمي كبير في حجم ومكانة الدكتور نوفيك كتابه الذي اشرنا اليه في الجزء الاول من هذه الدراسة ـ وعنوانه كما ألمحنا هو (الهولوكوست في امريكا) فلا احد يزايد على الرجل فليس له ثأر بايت ـ كما يقولون ـ لا مع اليهود ولا مع اسرائيل ولا مع الحركة الصهيونية بشكل عام, ولكن يبدو من خلال منظورنا التحليلي ان الرجل شأنه في ذلك شأن كثرة من الانتلجنسيا الامريكية ـ وأن المواطنين الامريكيين العاديين قد طفح بهم الكيل وبلغت ارواحهم التراقي وهم يرزحون, هم وسائر مواطنيهم تحت وطأة الضغط الذي يمارسه اليهود من داخل امريكا ومن اسرائيل ومن شتى اركان المعمورة وهم يدقون على ادمغة الناس ليل نهار وبواسطة آلة دعاية شبه جهنمية لا تكل عن الدوران ولا تمل من انتاج واعادة انتاج حكاية الستة ملايين يهودي الذي راحوا ضحية هتلر في معسكرات الاعتقال في محارق الهولوكوست كما اصطلحوا على تسميتها وليس هناك من يندب نفسه في زماننا لكي يدافع عن العنصرية, النازية التي شابت نظام هتلر وليس هذا من شأننا في كل حال, ولكن لابد وان يكون هناك من يقف الى حوار المنطق والذوق السليم ورفض التفكير بواسطة الخرافة... في عصر لم يعد فيه مكان للخرافات ولقد استرعى انظارنا مثلا المنطلق الاساسي الذي يصدر عنه البروفيسور نوفيك حين اقام دعواه بصدد الهولوكوست, حتى لا نقول دعواه ضد الهولوكوست, على اساس الهجوم على فئة من المتكسبين, المتربحين, جمعيات المنتفعين بالانتهازية والابتزاز بمقولات الهولوكوست وقد اطلق عليهم تعبيرا اكاديميا ورصينا يقول في دقة بالغة الدلالة ما يلي: اليهود في قيادة الميديا انهم محترفو التذكير بالهولوكوست, ثم يسترسل المفكر الامريكي في هذا الصدد ليقول ان مسألة الامعان إلى حد الالحاح في عزف وتكرار عزف مقطوعات الهولوكوست, اضطهاد اليهود, لم تعد امرا نافعا على حد قوله, ولا هي تحمل, في رأيه دروسا مستفادة يعتد بها بل هي, في رأي الاستاذ الامريكي, وهذا امر له اهميته البالغة, تكاد تكون في معظمها من صنع عناصر من اليهود الذين يحتلون, كما يضيف البروفيسور نوفيك بالحرف, مواقع استراتيجية في الماس ـ ميديا ـ اجهزة الاعلام والاتصال الجماهيرية, في الولايات المتحدة, لا عجب ان الكتاب مازال موضعا لانتقادات بعضها ممرور وبعضها لاذع وبعضها يكاد يلطم الخدود ويشق الجيوب ويدعو على المؤلف الاكاديمي بدعاء الجاهلية, ولعل ابرز ما بين ايدينا من التحليلات النقدية, الانتقادية دراستان كتب الاولى ناقد النيويورك تايمز ادوارد رونستاين ونعى فيها على المؤلف نوفيك انه يتهم حكاية الهولوكوست بالمبالغة والغلو ويتهمه هو شخصيا بعدم التعمق في دراسة الاحداث والمسارعة أو التسرع في تفسيراتها ونشرت الدراسة الثانية ايضا في نيويورك تايمز بقلم هتشكو كاكو تاني الذي توسع في التحليل واستطاع في لماحية مشهودة, ان يربط بين هذا المنحى الذي اتجه اليه البروفيسور نوفيك وبين ما اصطلحنا نحن على تسميته في الجزء الاول من هذا الموضوع انه المدرسة التنقيحية في التاريخ المعاصر لليهود وللصهيونية ولاسرائيل هذه المدرسة التي استكملت ادواتها التحليلية مع عقد الثمانينات وبدأت في مباشرة مهماتها الراهنة في تبديد غشاوات الوهم وفي محاولة اسقاط أو الغاء الاساطير التي رافقت المشروع الاستيطاني الاستعماري الصهيوني في اسرائيل واحاطته منذ ايامه الاولى في منتصف الاربعينات بالعديد من الخرافات سواء التي استمدوها من كتب التوراة (المحرفة) التي بين ايديهم او من التلمود الذي ينسبونه إلى احبارهم أو ببساطة إلى رؤاهم ومنظوراتهم شديدة الاختلال والتحامل والافتراء على الواقع والحقيقة وصحيح التاريخ. والحاصل ان هذا الاتجاه إلى مراجعة الرواية التاريخية وتنقيح الرؤية التاريخية ومن ثم محاولة تصحيح الاختلالات شديدة الاستفزاز للعقل وشديدة المجافاة للمنطق, كل هذا بدأ يتخذ طريقه إلى المؤسسة التعليمية داخل اسرائيل. كتب اسرائيلية جديدة وعلى سبيل المثال, فالمقارنة بين الكتب المدرسية التي كانوا يلقنونها لتلاميذ مدارسهم في اولى صفوف المرحلة الثانوية تأتي بنتائج لها أكثر من دلالة. كان لديهم كتاب بعنوان (ليس على طبق من فضة) مطبوع عام 1948 ويحكي عن الصراعات الدموية المسلحة بين اسرائيل والعرب, وفيه يقارن مؤلفه واسمه (جوزيف أوفيك) بين الأربعين مليون عربي عام 1948 وبين اليهود (المساكين) البالغ عددهم 650 ألف نسمة فقط ليس إلا (وهي طبعا مقارنة تنطوي على مغالطة واضحة بين أكثر من نصف مليون يهودي متأهب تحت السلاح ومشحون إلى أقصى حدود التوتر العصبي بمقولات الوطن القومي وفرصة النجاة التاريخية وانشاء دولة تلم الشمل, والتلمظ الطامع في منطقة فلسطين بكل مواردها وموقعها الاستراتيجي وبين شعوب عربية كان معظمها رازحا تحت الاحتلال الاجنبي أو راسغا في أغلال التخلف الشديد أو يعاني استبداد أنظمة الحكم المطلق الاوتوقراطية أو يواجه كل صنوف الأدواء والعلل مجتمعة على صعيد واحد. محاولات للمراجعة المهم ان الكتاب الاسرائيلي يمضي ليصور للطالب المتعلم وهو على عتبات سن المراهقة كيف ان (فرص النجاح كان مشكوكا بها وان الجماعة اليهودية كان عليها ان تجند كل مقاتل يهب للدفاع عن كيانها) ..الخ. من الناحية الأخرى يحاول الكتاب الجديد (المطبوع عام 1999) وهو بقلم ايال نافي ان يضع الأمور في نصابها حين يقول: ـ على جميع جبهات القتال تقريبا وفي كل معركة تقريبا كان للجانب اليهودي ميزة على العرب سواء من ناحية التخطيط أو التنظيم أو العمليات أو المعدات وكذلك في عدد المقاتلين المدربين الذين شاركوا في المعارك. وعلى نفس المنهج, يمضي الكتاب الأول المطبوع من 15 سنة ليزعم ان السكان العرب في مدينتي اللد والرملة في فلسطين قد لاذوا بالفرار أمام زحف القوات اليهودية, ويعارضه في ذلك كتاب جديد مطبوع عام 1999 بعنوان (رحلة إلى الماضي) حين يقول على سبيل اعتراف متأخر بطبيعة الحال ان السكان العرب في اللد والرملة قد تم طردهم من ديارهم وان هذا الطرد تم بناء على أداء أو تفويض من جانب القيادة السياسية (الصهيونية). وفي كل هذا ما يتعارض مثلا مع المقولات ـ الترهات التي فاهت بها يوما جولدا مائير حين اطلقت عبارتها الشهيرة (عندما جئت إلى فلسطين وجدت أرضا بغير شعب, لم يكن هناك شيء اسمه فلسطينيون) (وعلينا ألا ننسى ان مائير جاءت إلى أرض فلسطين العربية من روسيا) في الأسابيع القليلة المقبلة يصبح مضمون هذه الكتب الجديدة معروفا بين سكان اسرائيل. ويتوقع المراقبون المهتمون بهذه القضايا ان تثير الكتب جدلا محموما واختلافات شديدة الوطأة بالغة الحدة. انتقادات بألسنة حداد وربما جاءت بشائر هذه الانتقادات الحادة من واقع العبارات التي أطلقها هارون ميجيد الذي يصفونه بأنه روائي يسلق مدرسة التاريخ الاسرائيلية بألسنة حداد, كيف لا وقد وصف هذا التيار مراجعة التاريخ الاسرائيلية ومحاولة تخليصه ـ كما سبق وألمحنا من الأساطير السياسية والخرافات فقال: (هذا عمل من أعمال الانتحار المعنوي انه سيحرم أولادنا من كل شيء يحمل على الفخر والاعتزاز باسرائيل) . ثم يمضي صاحبنا الصهيوني في انتقاداته إلى حد ان يقول: ( إذا كانوا قد أوغلوا إلى هذا الحد فلماذا لا يخلصونا ويترجمون الكتب الفلسطينية ويدفعون بها إلى أبنائنا؟!) اللافت للنظر في هذه المتغيرات عن معسكر العدو.. هو ان مؤرخيه الجدد قد ادركوا ان لا أحد يستطيع ان يعيش بالاسطورة الى الابد, ولا أحد يمكن ان يقتات بالخرافات السياسية والتلفيقات أو الافتراءات التاريخية بغير مراجعة ان هذه الخرافات والاساطير السياسية تؤدي الى تكوين نفسية السوبرمان الذي لايقهر.. والحال أصبح على خلاف ذلك في اسرائيل.. السوبرمان الصهيوني جاء ليمحو الغريم الفلسطيني من الوجود.. بل لينكر وجوده في الاصل وفي الاساس راجع مقولة أو أكذوبة جولدا مائير لكن هاهو الفلسطيني يطلع لهم من كل حرب وحرب مؤكدا وجوده, فارضا هويته.. وكم استقوى الكيان الصهيوني بكل ترسانات السلاح وكل حصون التكنولوجيا في هضبات الغرب.. لكن لا الارادة العربية هانت رغم الهزيمة في 1967 مثلا ولا الجيوش العربية استقالت من ساحة المواجهة التي ما لبثت ان اشتعلت على جبهتين في الشمال من اسرائيل والى جنوبها عام ,1973 ثم تواصلت المواجهة ولو بالحجارة داخل الارض المحتلة.. والى ان عرفت المواجهة كيف تكبد العدو افدح خسائره الشرية في جنوب لبنان.. هكذا كان على السوبرمان ان ينزل الى أرض الواقع وان يبدأ عملية تغيير في رؤيته لذاته ويواجه ما يطرحه هذا الواقع من حقائق على الارض ويعبر عن هذا الاتجاه الجديد مسؤولو وزارة التربية الاسرائيلية حين يقولون: نحن نتطلع الى بدء حقبة جديدة من تدريس التاريخ نقول فيها للطلاب ان الامور ليست أبيض وأسود فقط ـ ومن ثم عمدنا الى ادخال المنظور الفلسطيني ضمن مناهجنا الدراسية. ولقد درجنا سنوات طوالا على تدريس تاريخ اليهود وحدهم.. وتاريخ الهولوكوست (ويستغرق الهولوكوست عاما كاملاً في مناهج الدراسة) وبعد ذلك يدرس للطلاب تاريخ العالم بشكل عام. وهانحن قد الغينا هذا الاتجاه لصالح يدرس تاريخ اليهود ضمن سياق التاريخ العالمي في ضوء هذه كله سوف يدرس الصهاينة الصغار مذبحة ارتكبها آباؤهم أو اجدادهم بحق الشعب الفلسطيني في قرية كانت وادعة اسمها (دير ياسين) .. وفي هذا السياق يعلق مسؤولو المناهج الجديدة في اسرائيل قائلين: عليهم ان يعرفوا ان كان هنا شعب آخر يعيش حياة كانت مستقرة في هذا المكان. غروب اسطورة السوبرمان وداعا اذن لاسطورة الصهيوني ـ السوبرمان ـ وهو وداع يستمد اصالته من الدعوة الى التخلي ايضا عن مقولة اليهودي ـ المضطهد ـ التائه المغلوب على أمره.. واذا كانت الادبيات السياسية الفلسطينية المعاصرة تطرح حلولا حضارية ـ واقعية ـ بشأن قضية فلسطين على أساس ارض وشعبين.. فقد آن الأوان لان يقوم السلام أو محاولات التعايش بينهما على أساس من العدل (للشعب الفلسطيني بالذات), وهو ليس عدلا في المطلق او بالمعنى المثالي ولكن بالمعنى السياسي الذي يترجم الى إعمال اصيل لحق تقرير المصير وإقرار مضمون دوليا لحقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف وفي مقدمتها حقه في اقامة دولته المستقلة ومن ثم اخراج أو فلتقل تحرير بنية الاقتصاد الفلسطيني من السيطرة أو الوصاية (الهيمنة الاسرائيلية). ولقد خطا الفلسطينيون عدة خطوات على هذا الطريق انطلاقا من شعورهم بالمسؤولية ازاء السلام والاستقرار في الشرق الاوسط. واوضح السوريون موقفهم ازاء المطلب العادل لتحرير كامل المرتفعات السورية في الجولان وبقي على القيادة الاسرائيلية الراهنة ان تغتنم هذه الفرصة التاريخية.. فتتعامل مع الحق العربي بمنطق التفاعل الايجابي والفعل الحضاري الناجز.. ساعتها لن يكونوا بحاجة الى ان يترجموا الكتب الفلسطينية في مادة التاريخ. * كاتب سياسي من مصر