نادرا ما رأيت فرنسا بهذا الشكل وبهذه المشاكل, فرنسا التي اعيش فيها منذ عهد بعيد واعرف فيها وداعة الناس وتمسكهم بما يشبه الحكمة في تعاملهم مع بعضهم ومعنا نحن كذلك. فرنسا دخلت منذ بداية الصيف في(حرب اهلية اقتصادية)مصارف كبرى تريد ابتلاع مصارف صغرى وشركة نفط عملاقة تريد هضم شركة نفط اقل عملقة . مزارعون غاضبون يهجمون على مطاعم ماكدونالد ويهشمون زجاجها ويسدون منافذها بالطماطم والبطاطس والباذنجان ولحم البقر الفرنسي والتفاح والكمثرى والبطيخ! ماذا جرى في فرنسا؟ الخبراء يكتبون في الصحف والمجلات ويعللون ذلك بمفعول العولمة! ونقابة المصارف والموظفين تحتج ضد عملية القرصنة التي جربتها احدى المؤسسات المالية الكبرى وهي (بنك باريس الوطني) ضد بنك (الشركة العامة) وبنك (باريبا). وقد ظهر مصرف (بنك باريس الوطني) كأنه حوت عملاق يتحرك في مياه المحيط الاطلسي يبحث عن اسماك صغيرة شاردة لافتراسها دون رحمة. فقد خصص هذا المصرف عشرات الاعلانات على صفحات كاملة لاكبر الصحف اليومية والمجلات الاسبوعية وساعات من الاعلانات التلفزيونية لينادي اصحاب الاسهم في المصارف الاخرى حتى يحولوا اسهمهم في ارصدته وحساباته بدعوى انه يريد ان يصبح المصرف الاوروبي رقم 1. وشبع المجتمع الفرنسي نداءات وجداول وارقاما تسيل لعاب المستثمرين والموفرين وتدعوهم للالتحاق بالعملاق المنتظر. وهبت نقابة موظفي المصارف لتعلن هي الاخرى في الصحف ان حياة الموظفين وعائلاتهم واطفالهم ليست للبيع او المزايدة وانه يجب على ادارة هذه المصارف اخذ رأيهم ومراعاة مصالحهم قبل البت في مصير المصارف وزيادة ربحها على حساب الانسان وسعادته. وانتهت هذه القرصنة برفض مجلس المصارف لتلك العملية, ففرنسا تبقى وطن المؤسسات ودولة القانون ومجتمع التوازن الحي الذكي بين شراهة رأس المال وقوة حقوق الانسان. وعلى صعيد آخر وفي نفس هذا الصيف هبت شركة (ألف) النفطية العملاقة لابتلاع شركة (فينا) و(توتال) بنفس المنطق كذلك اي لتصبح اقوى شركة نفط في العالم بعد (اكسون الامريكية) واستعملت (الف) نفس الطرق باعلانات مغرية في الصحف والمجلات وشاشات التلفزيون. وهنا ايضا تحرك العمال والمهندسون والموظفون ليطالبوا بحقهم في القرار الاخير وحماية مواقع شغلهم وضمان مستقبلهم, كما تحرك الصحفيون والكتاب والمفكرون ليطالبوا بوضع حد لما سماه احدهم (حربا اهلية اقتصادية فرنسية) . اما المزارعون فقد شعروا ان السياسة الامريكية تعاقبهم بوضع ضرائب على انتاجهم من لحم وجبن وفواكه, ردا على رفض المجموعة الاوروبية توريد اللحوم الامريكية المعالجة بالهرمونات. فقام المزارعون بمظاهرات ـ عنيفة احيانا ـ ضد محلات (ماكدونالدز) التي اتخذوها اعلانا ورموزا لما سماه زعيم نقابة المزارعين الفرنسيين (غزوا زراعيا امريكيا) وجاءت المقالات الفكرية مؤيدة لتوجه المزارع الفرنسي حيث عتب الصحفيون والمثقفون على حكومتهم لسماحها بتحويل شوارع المدن الفرنسية الجميلة وحتى شارع الشانزيليزيه الشهير في باريس الى معرض لمطاعم (ماكدونالدز) التي تشوه عادات فرنسا العريقة في التغذية ومطاعمها التقليدية المعروفة وطريقة عيش الفرنسيين المسماه بكيفية العيش او مستوى الحياة الرفيعة بفضل اسلوب للاكل والتغذية اصبح اشهر اسلوب في العالم فنظرا لفنون الطبخ الفرنسي واهتمام المواطن منا بتشجيع انتاج المزارع الفرنسية وكراهيته للغزو الامريكي المتهور, فالحلف الاطلسي في فرنسا يقف عند حد تنسيق الدفاع المشترك ولا يمس الاكل والملبس والعادات والتقاليد. لقد هبت أولى رياح الخريف الباردة وبدأت تلك الحرب الاقتصادية تضع اوزارها. ومن يدري لعل ثلوج الشتاء تحركها من جديد مع مطلع عام 2000 الذي تفصلنا عنه مائة وعشرون يوما.