اعترف بان هذا الموضوع شديد التعقيد والحساسية في نفس الوقت, فالتعقيد ينجم من كثافة اراء فقهاء القانون حول هذا الموضوع وتباين الحجج التي تؤيد كل رأي ووجهاتها في نفس الوقت, اما الحساسية فهي وليدة مفهوم (السيادة) الذي اصبح في العديد من الحالات حقا يراد به باطل . النظر لهذا الموضوع ليس قانونيا فحسب كما درج المفكرون على تناوله, فابعاده السياسية والاجتماعية اشد خطورة من قواعد فقهية متسلسلة المنطق, فاذا تأملنا مثلا فكرة (الديمقراطية) التي تعني في ابسط تعريف لها حكم الشعب بالشعب ولمصلحته, فان ذلك يقضي منطقيا ان الدولة بكل اجهزتها ليست سوى تعبير تنظيمي لحكم الشعب, وهذا الشعب ليس كتلة مطلقة صماء, وانما يتكون من افراد, وبالتالي فان لكل فرد نصيب من هذا الحكم, يمنحه حقوقا ويحمله بواجبات. واذا كان الفرد قد تنازل عن بعض حريته للمجتمع, فهو لم يفعل ذلك طواعية الا للحصول على حرية اكبر بضمانات محددة, وتلك هي صيغة العقد الاجتماعي, وروح هذا العقد لا تنفي خصوصية الفرد كفرد, او تلاشيه في كتلة المجموع, كما ان القدر الذي تنازل عنه من حريته ليس الا ذلك القدر المحدود الذي يتيح تنظيم الحريات العامة للمجتمع ككل. فالدولة في النهاية هي جماع مصالح المجتمع ككل ولكل فرد من افراده فما هو الحال اذا اعتدت الدولة او احد اجهزتها على مصلحة قانونية للفرد؟ واذا افترضنا عجز القوانين المحلية عن استعادة حقوقه او تعويضه, فهل يمكن ان يجد الفرد حمايته في القانون الدولي؟ او بمعنى آخر هل يمكن للفرد ان يكتسب الشخصية الدولية التي تتيح له اللجوء الى واحدة من آليات حل النزاعات الدولية؟ الفرد ام الدولة؟ يرفض جانب كبير من الفقه الدولي ذلك بشكل قاطع, على اساس انه طالما ان المجتمع الدولي لايزال يتكون من دول, فانها وحدها التي تتمتع بالشخصية الدولية, وان القول بغير ذلك يعني سيادة نوع من الفوضى على المستوى العالمي. الا ان الواقع الدولي يكشف ان القانون الدولي يضع على عاتق الفرد مثل الدولة تماما العديد من الواجبات والمسؤوليات, ويمكن ان نشير هنا مثلا الى محاكمات نور مبرج بعد الحرب العالمية الثانية. ففيها نشأت المسؤولية الدولية لافراد عن جرائم الحرب باعتبارها خرقا للقانون الدولي, ولقد حاول المحامون تبرئة المتهمين بحجة ان الدولة الالمانية هي وحدها كشخص من اشخاص القانون الدولي تتحمل تلك المسؤولية, الا ان المحكمة قررت: ان الجرائم المرتكبة بالمخالفة للقانون الدولي قد ارتكبت بواسطة افراد, وليس بواسطة كيانات مجردة وانه لوضع قواعد القانون الدولي موضع التنفيذ فلابد من معاقبة هؤلاء الافراد على جرائمهم. ومن الواضح في المثال السابق, ان الفرد ـ شأنه شأن الدولة ـ يتحمل المسؤولية الدولية في واجب احترام قواعد القانون الدولي, وهو ما نراه ايضا في محاكمات مجرمي الحرب في البوسنة, وايضاً في المسؤولية الجنائية للأفراد عن خرقهم لقواعد القانون الدولي الخاصة بالقرصنة او تجارة الرقيق او جرائم الحرب. فإذا كان ذلك قد اصبح بمثابة مبدأ من مبادئ القانون الدولي, الا يعني ذلك بالقياس امكانية تمتع الفرد بالحقوق ـ كشخص دولي ـ مثل تحمله بالواجبات؟ واقع الامر ان لدينا امثلة تجيب على ذلك السؤال بالايجاب, ابرزها اعلان حقوق الانسان الصادر من الامم المتحدة, وعهد الامم المتحدة لحقوق الانسان السياسية والمدنية والثقافية والاقتصادية, وكذلك الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان, فهذه الوثائق الدولية توفر للفرد مجموعة من الحقوق التي تكسبه باعتراف العالم شخصية قانونية دولية للمطالبة بهذه الحقوق طبقاً للقانون الدولي. الا ان ذلك لا يعني بالضرورة اكتساب الفرد للشخصية القانونية الدولية, لأن القانون الدولي قد تأسس على الاعتراف فقط للدول بتلك الشخصية, لذلك فقد دأب الفقهاء على اعتبار الدول هم اشخاص القانون الدولي, اما الافراد فهم موضوعه, فضلاً عن ان مطالبة الفرد بحقوقه يمكنها ان تؤمن من خلال الجهاز القضائي داخل الدولة وطبقاً لقوانينها. ويلاحظ في هذا الصدد ان اعلان حقوق الانسان الصادر من الامم المتحدة لم يكن سوى مبادئ عامة ذات قيمة اخلاقية وليس وثيقة ذات التزامات قانونية محددة, ولقد حاولت الامم المتحدة ان تتقدم خطوة للأمام في هذا السبيل, لوضع ملامح قانونية لحقوق الفرد, فصدر عنها اعلان حول القضاء على كافة صور التمييز العنصري عام 1963 تحول الى اتفاقية عام ,1965 كما تم انشاء منظمات وجمعيات لحقوق الانسان على مستوى العالم ككل, الا ان تلك المحاولات وغيرها لا تزال حتى الآن فاقدة لاي اطار قانوني ملزم. ضرورة التطوير لا بد ان يتطور القانون الدولي في هذا الاتجاه, فليس من العدل ان يتحمل الفرد بالواجبات طبقاً لهذا القانون دون ان يتمتع بالحقوق الملزمة الزاماً قانونياً, ولقد خطت اوروبا خطوة في هذا الصدد حيث اتاحت الاتفاقية الاوروبية لحقوق الانسان للفرد داخل اطار الدول الخاضعة للاتفاقية ان يتقدم بطلب للجنة حقوق الانسان التي انشأتها الاتفاقية ضد انتهاكات الدول لحقوقه التي كفلتها, الا ان حدود فعالية تلك اللجنة لا يتجاوز دور المصالحة, واقصى ما يمكن ان تقوم به هو ان تبعث بتقريرها ورأيها الى المجلس الاوروبي والى الدولة المعنية. ان الانتهاكات الفادحة لحقوق الانسان في بعض الدول, تستلزم فقها دولياً جديداً لوضع تكييف جديد للشخصية الدولية, خاصة وقد تحول العالم بالفعل الى قرية كبيرة انحسر فيها مفهوم السيادة الى حد كبير ولم يعد لدولة ان تتدعي عزلتها او تكابر في حقوقها فيما يتعلق بسياستها الداخلية, لان اولى واجبات الدولة هي حماية حقوق الفرد, ولا ينبغي عليها ان تحتج على قواعد قانونية اتفاقية تضمن للفرد المزيد من الحماية. ولا يقدح في ذلك ان النظام الدولي الحالي يعاني من تفاوت كبير في تأمين حقوق الدول نفسها (ذات الشخصية الدولية المعترف بها) فلا شك ان البشرية تتطور ولا بد للقانون الدولي ان يتطور معها, وذلك يتطلب توفر الارادة السياسية للدول, ونمو المجتمعات, فضلاً عن ضرورة وضع ضمانات قانونية لعدم اساءة استخدام هذا الحق لأسباب سياسية بواسطة اطراف ثالثة. * كاتب مصري