ربما يتعين على حكومة السودان ان تتوقع الأسوأ بعد أن اضفت الولايات المتحدة على موقفها العدائي الراسخ طابعا رسميا بتعيين (مبعوث خاص) متفرغ تماما للشأن السوداني. لكن واشنطن, التي اشتهرت بأن حساباتها السياسية ليست في مستوى رصانة احابيلها الامنية, غالبا ما سوف تكتشف ان الامر لن يخلو من تعقيدات . (الأسوأ) الذي يتعين على الحكومة السودانية ان تتوقعه كاحتمال قوي هو ان تعمد واشنطن الى تصعيد الوضع الحربي في جنوب السودان الى مستوى اقامة (منطقة حظر جوي) فوق اراضي الجنوب (على غرار منطقتي الحظر الجوي فوق العراق) اعمالا لتوصية صادرة بهذا المعنى من الكونجرس الامريكي في وقت سابق. وفي هذه الحالة يكون الهدف الامريكي ثلاثيا: عزل الجنوب عن السلطة المركزية في الشمال, ومنع وصول الامدادات الى القوات المسلحة الحكومية في أنحاء الجنوب, واستدراج الحكومة السودانية الى مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة يمكن ان تحدث اذا حاولت القوات السودانية اسقاط الطائرات الحربية الامريكية التي تحلق فوق الجنوب تنفيذا للحظر الجوي. ومن الواضح ان مشروع الحظر الجوي الامريكي على هذا النحو سوف يؤدي عند نهاية المطاف الى انفصال جنوب السودان. هذا التطور قد يفرضه التدخل الامريكي فرضا كهدف سياسي نهائي لهذا التدخل او تفرضه الحكومة السودانية عمليا بسحب قواتها المسلحة وتصفية وجودها العسكري نهائيا في الجنوب. فالحكومة على اية حال, تتبنى فصل الجنوب كاستراتيجية, رغم انها تأمل ان يتحقق ذلك بمبادرة جنوبية عن طريق استفتاء شعبي بين اهل الجنوب. ولكن.. هل تستطيع الولايات المتحدة فعلا الاقدام على تنفيذ مشروع الحظر الجوي؟ اذا كانت حرب الخليج الثانية ضد العراق وتداعياتها الجارية حتى الان يمكن ان تمثل مدلولا في هذا السياق فان الولايات المتحدة تفضل قبل الدخول في مغامرة خارجية خطيرة ان تحتاط مقدما لردود الفعل عن طريق بناء غطاء سياسي على مستوى دولي.. او على الاقل, مستوى غربي, وقصف يوغسلافيا الصربية هو السابقة الثانية بعد سابقة الحرب ضد العراق: غطاء دولي في الاولى, وغطاء غربي في الثانية (حلف الاطلسي). غير ان بناء غطاء سياسي بحده الادنى ـ اي استقطاب الحلفاء الغربيين ـ ضد السودان قد لا يكون متاحا للولايات المتحدة بالنظر الى ان دول (الاتحاد الاوروبي) تتخذ موقفا مناقضا تماما للموقف الامريكي تجاه النظام السوداني وقضية جنوب السودان معا. هذا الموقف الاوروبي الجماعي الذي اخذ في التبلور في الشهور الاخيرة تتزعمه كل من فرنسا وايطاليا.. وتعكسه عدة شواهد ابرزها ما يلي: * اعلن وزير التعاون الدولي الفرنسي شارل جوسلان قبل شهرين ان (الوقت قد حان لعودة السودان بشكل كامل الى صفوف المجموعة الدولية) . وقال: (نحن متفقون في إطار الاتحاد الأوروبي على قيام فرنسا بجهد لتعزيز العلاقات بين أوروبا والسودان) . * قبل ذلك, وفي شهر ابريل, وقعت مواجهة حادة بين الولايات المتحدة ودول (الاتحاد الاوروبي) في اجتماع لجنة حقوق الانسان التابعة للأمم المتحدة المنعقد في جنيف حول وضع حقوق الانسان في السودان حيث عارضت الدول الاوروبية ـ لأول مرة ـ مشروع القرار الامريكي السنوي التقليدي الذي يدعو الى ادانة السودان. وعوضا عن ذلك قدمت مجموعة (الاتحاد الاوروبي) مشروع قرار مضاد يشيد بوضع حقوق الانسان في السودان.. (آخذا في الاعتبار الانجازات السياسية التي حققها السودان في تبنى دستور جديد واتاحة التعددية الحزبية) . وفاز مشروع القرار الاوروبي بالاغلبية. * بينما لاذت واشنطن بصمت اصدرت رئاسة الاتحاد الاوروبي بيانا الشهر الماضي ينتقد حركة قرنق على عدم تجاوبها مع قرار وقف اطلاق النار الشامل الذي اصدرته الحكومة السودانية. وبعد.. يتبقى ان ننتظر لنرى.