الان لنطرح السؤال المباشر: ما الذي نتوقع ان يفعله المبعوث الخاص الامريكي الى السودان على صعيد التطبيق العملي؟ان السجل الشخصي للمبعوث نفسه يغنينا عن البحث عن اجابة . هاري جونستون الذي شغل لسنين منصب رئيس اللجنة الفرعية لمجلس النواب الامريكي ظل الصوت الاعلى المعبر عن حركة قرنق في اجهزة السلطة ووسائل الاعلام الامريكية منذ مطلع التسعينات. وهو هكذا حتى يومنا هذا. في عام 1993 بادرت وزارة الخارجية الامريكية الى عقد (ندوة) عرفت لاحقا باسم (ندوة واشنطن) بغرض معالجة الانشقاقات التي بدأت تظهر آنذاك بين قيادات (الحركة الشعبية لتحرير السودان) وانتهت الندوة التي كان من ابرز المشاركين فيها دبلوماسيون امريكيون كبار وممثلو جمعيات كنسية وجماعات (اغاثة) غربية, الى حمل القادة المنشقين على جون قرنق, وابرزهما ريك مشار واروك انطون, الى التصالح معه لكي لا تتمكن الحكومة السودانية من استغلال هذا الشقاق في مسار المفاوضات بين الحكومة والحركة. كان العقل المدبر لترتيب هذه الندوة هو هاري جونستون الذي صار الآن مبعوثا امريكيا خاصا متفرغا. وقبل ذلك وبعده ظل جونستون وراء كل حملة اعلامية ضد الحكومة ولصالح الحركة بما في ذلك ترويجه لفرية (تجارة الرقيق) . وبعد, فان هاري جونستون ايضا يهودي. ما نتوقعه على الصعيد التطبيقي اذن من المبعوث الامريكي الخاص الى السودان هو تقنين رسمي لنشاط عدواني قائم فعلا. واذا كان من الواضح ان حركة قرنق والحرب في جنوب السودان سوف تكون المدخل الثابت لعمل جونستون فانه ليس من الصعب تصور الاجندة التالية في برنامجه. على رأس هذه الاجندة مسألة عاجلة تتطلب تحركا فوريا... وهي نسف المشروع الليبي المصري للمصالحة بين الحكومة السودانية والمعارضة. وابادر الى القول هنا ان عملية النسف بدأت بالفعل. فالبيان الرسمي الصادر عن حركة قرنق برفضها الصريح لمشروع المصالحة يمكن ان يعتبر الطلقة الاستهلاكية في هذا الاتجاه. ان المشروع الليبي المصري للمصالحة يتعارض رأسيا في اهدافه مع الرؤية الاستراتيجية الامريكية لمستقبل السودان. فبينما يهدف المشروع الى وضع نهاية للحرب في الجنوب السوداني على طريق تحقيق استقرار سياسي وفاقي في السودان, فان الهدف الاكبر الثابت للاستراتيجية الامريكية هو تعطيل اي دور حضاري للسودان العربي الاسلامي في القارة الافريقية جنوب الصحراء... وفي منطقة القرن الافريقي (بغض النظر عمن يحكم السودان) . ومن هذا المنظور الامريكي فان السودان يجب ان يكون على الدوام في حالة شلل جزئي او كلي... وذلك عن طريق تشجيع استمرار حالة الحرب في الجنوب. هذه الاستراتيجية ليست امرا مستحدثا... ففي عهد النظام الديمقراطي الاخير لم تكتف الولايات المتحدة برفض طلب حكومة الصادق المهدي بتزويدها بامدادات اسلحة, بل حرضت دول الاتحاد الاوروبي على الامتناع ايضاً. وما كان للحكومة آنذاك ان تتمكن من تحرير مدينة (الكرمك) في الجنوب الشرقي من قوات قرنق لولا دعم عسكري عاجل أتى من العراق. تأسيسا على ذلك فان المبعوث الامريكي, اذ يضطلع بمهمة نسف مشروع المصالحة السودانية, عن طريق تحريك قرنق, فانه على صعيد موازٍ يبرمج قطعا لتصعيد القتال في الجنوب. يجب ان نتوقع ان قوات قرنق سوف تتلقى مزيدا من الدعم العسكري الامريكي... عن طريق يوغندا. ولكن يبقى سؤال اخير: الى اي مدى يمكن ان ينجح المبعوث الامريكي في مهمته؟