غاية المنى في النظم الديمقراطية ان يمارس الجميع السياسة بروح رياضية.. فيتقبلون الهزيمة ولايسكرهم الانتصار, ويحاولون في كل صراعاتهم ان يلتزموا بقواعد اللعب النظيف . عندنا ـ وكالعادة ـ نقلب الاوضاع, ونمارس الرياضة بكل روح, سياسية! وهكذا تصبح الهزيمة في مباراة عارا وطنيا يعلن من اجله الحداد, وتنكس الاعلام, وتنشغل الدولة به, وتجتمع لجان وزارية واخرى برلمانية لمواجهة اثاره, وهكذا ايضا يصبح الانتصار في مباراة عيدا يتبادل فيه المسؤولون برقيات التهاني, وتقام الافراح والليالي الملاح حتى ينهزم نفس الفريق في مباراة اخرى, فتتوقف الاحتفالات, ويطالب البعض بمحاكمة اللاعبين والمدربين, بينما يحاول البعض الآخر اختلاق الاعذار وتبرير الهزيمة بدعوى انحياز الحكام او سوء الحظ او نقص الاوكسجين! ومع ان الرياضة تتحول يوما بعد آخر الى تجارة ومشروعات استثمارية, فانها مازالت ـ حتى الآن على الاقل ـ مجالا للفخر الوطني, كما انها منذ استخدام مباريات كرة الطاولة التي فتحت الابواب المغلقة بين امريكا والصين.. مازالت تستخدم من جانب الحكومات في الخارج لاداء مهام دبلوماسية كما حدث في استخدام المصارعة لفتح الحوار بين امريكا وايران قبل سنوات. عندنا تختلف الاوضاع وتفرض السياسة احكامها, والسياسة العربية لاتثبت على حال, وتتحول فيها المنافسة الى صراع, ويغيب فيهاالعقل كثيرا امام اعتبارات الثأر او سوء التعرف او الجهل بالحقائق او التعامي عنها وغير ذلك من الاعتبارات التي تنتقل عندنا من دنيا السياسية الى عالم الرياضة, فثبت فيه فسادا.. ولنأخذ ما حدث في الدورة العربية مثالا على ما نقول. في البداية كانت المشكلة هي مشاركة العراق بعد طول غياب منذ مأساة غزو الكويت ومع قرار مشاركة (الاشقاء) والعراقيين اعلن (الاشقاء) في الكويت عن عدم مشاركتهم في الدورة, وكاد الفشل ان يعصف بالدورة قبل ان تبدأ لولا القرار الحكيم من باقي دول الخليج بالمشاركة, وهو الامر الذي فتح باب الامل مرة اخرى في تحسين الاجواء بين العراق ودول الخليج, حتى وان تأجل الموقف مع الكويت بعض الوقت. ومع الاستعدادات لبدء الدورة انفجرت مشكلة اخرى بدأت في القاهرة حين اكتشف المسؤولون في اتحاد رفع الاثقال هروب بعض اللاعبين المصريين الى الدوحة وحصولهم على الجنسية القطرية تمهيدا للمشاركة الدولية باسم قطر. وفي التحقيقات تكشفت الكثير من الحقائق.. اولها عن الفساد في الادارة الرياضية حيث تبين ان المسؤول عن الفريق هو الذي كان وراء تهريب اللاعبين, وثانيها ان كرة القدم تستحوذ على كل الاهتمام ويبقى اللاعبون المميزون في باقي اللعبات يعيشون دون المستوى وهو ما دفع اللاعبين للهجرة, وثالثها ـ وهو الادهى ـ ان المبرر الذي ساقه المسؤول عما حدث انه سمح للاعبين المصريين بالسفر حتى يمنع الاشقاء وفي قطر من الاستعانة بلاعبين اجانب.. وهو ما كشفت الاحداث عنه بعد ذلك, وبعد تسوية موقف اللاعبين المصريين مؤقتا حيث لم يشاركوا في الدورة لاسباب قانونية, ولكن المسؤولين عن الدورة فوجئوا بان فريق قطر لرفع الاثقال معظمه من اللاعبين البلغار الذين تم استقدامهم وحصلوا على الجنسية وتطورت الازمة حين هددت باقي الفرق بالانسحاب اذا شارك اللاعبون البلغار, وفي النهاية تم استبعادهم بعد ان كشفوا احدى السلبيات في عالمنا العربي, وهي تفضيل الحصول على كل شيء جاهزا مادمنا نملك ثمنه دون النظر الى العواقب على المدى الطويل. نحن نشترى السلاح ولا نصنعه الا فيما ندر فتبقى ارادتنا مقيدة, ونحن نشترى المصانع كاملة او (تسليم مفتاح) كما يقولون.. فتكون النتيجة ألا نتقدم علميا, وانما نترك هذه المهمة الصعبة للآخرين ونكتفي بشراء ما ينتجونه.. اي نشترى منجزات التكنولوجيا ونترك العلم للآخرين.. وهكذا وحتى الآن لانعرف كيف نصنع سيارة عربية ونكتفي بصناعات التجميع للتلفزيون وغيره من الاجهزة في احسن الاحوال, ثم ها نحن ننتقل من التكنولوجيا الى البشر, وبدلا من الجهد ووجع القلب والدماغ من اجل التفوق الرياضي, نشترى اللاعبين جاهزين و(تسليم مفتاح) وهو امر قد يصلح للاندية اما تعميمه في المنتخبات والفرق الوطنية فمعناه اشهار افلاس الرياضة المحلية وقتل الشعور الجميل عند اللاعب عندما يلعب باسم وطنه ويضحي من اجل ذلك بالكثير. حدث آخر شد الانتباه قبل انطلاق نشاطات الدورة, وهو استقالة وزير الشباب الاردني الذي اشرف على استعدادات الدورة, وقام بالاتصالات بالدول العربية للمشاركة فيها, ورغم ما قيل في الكواليس عن الاسباب التي ادت لاستقالة الوزير وما قاله البعض عن تجاوزه الموضوع بسرقة, ومضوا في طريقهم من اجل توفير وسائل انجاح هذه الدورة التي حملت اسم العاهل الاردني الراحل الملك حسين, وهو امر تم استغلاله جيدا في اقناع الاشقاء بالمشاركة الواسعة من اجل انجاح الدورة ومن اجل تكريم الملك الاردني الراحل, ومساندة الحكم الجديد في اول نشاط من هذا النوع تشهده العاصمة الاردنية بعد رحيل الحسين وبعد تولي الملك عبدالله الذي اضفى هو واخوته على الدورة روحا شابة لفتت الانظار الى الجيل الجديد الذي يندفع الى مواقع القيادة في اكثر من مكان في العالم العربي. والملاحظات ـ بعد ذلك ـ على فعاليات الدورة كثيرة, ومنها: * مشاركة العراق رغم ضخامة البعثة التى مثلته ـ كانت تعكس الاحوال التي يعيشها, ووطأة الحصار المفروض عليه, وقلة الامكانيات المتوفرة للرياضة في هذه الظروف ولكن المهم هنا ان العراق عاد للمشاركة, وان اواصر المودة لن تنقطع بين الاشقاء, وان شباب العراق سيشعر انه ليس بعيدا عن امته العربية, وان امته العربية لن تتخلى عنه, وان خلافات الحكام الى زوال, واخطاؤهم لاينبغي ان تتحمل الشعوب نتائجها الى مالانهاية. * اذا كان تواضع الارقام المسجلة في معظم اللعبات يكشف قضية المستوى الرياضي العربي باستثناءات قليلة في السباحة والعاب القوى, فان النتائج التي حققها فريق فلسطين ثم فريق لبنان في كرة القدم تعطي مؤشرا على ان الامكانيات المادية ليست كل شيء فهذان فريقان يلعبان بأقل الامكانيات امام فرق يتوفر لها كل شيء, ومع ذلك كانت هذه النتائج الجيدة, وهو امر يجعلنا نعيد النظر في امور كثيرة منها هذا الفيض من اللاعبين الاجانب في الدول العربية وتأثيرهم السلبي على اللاعبين المواطنين وعلى المنتخبات الوطنية. * بعض الشغب في المنافسات الرياضية اصبح امرا محتملا في العالم كله, وعلينا ان نكون قادرين على مواجهتها لكن المرفوض وما يجب ادانته بكل حسم ان نرى المسلحين بالمسدسات في الملاعب, او ان نبالغ في رد الفعل فتتحول المشاغبات الصغيرة المعتادة الى معارك, ثم تتحول المعارك الى سبب اضافي لافساد العلاقات العربية (وكأن هذا ما ينقصنا). الحسم مطلوب, ومحاصرة ما حدث من تجاوزات امر واجب, ودور الاعلام هنا هام وضروري, والسياسة اذا لم تستطع الاستفادة من المنافسات الرياضية.. فعليها ـ على الاقل ـ الا تحاول افسادها. * رغم كل شيء.. فتجمع الشباب العربي جميل والتواجد العربي في الاردن هذه الايام مفيد, وسحابات الصيف ستنتهي, وما بين الاشقاء من مودة ومحبة هو الابقى. وبعيداً عن عمان كانت عواصم اخرى تساهم في اعطاء المشهد (الرياضي ـ السياسي) بعض ملامحه. وكانت احداث أخرى تشتبك مع الرياضة العربية في نفس الوقت وفي اكثر من اتجاه. من لندن ـ ومع مشاركة العراق في الدورة العربية ـ جاء الحديث المنسوب الى لاعب عراقي في كرة القدم هرب من بغداد قبل سنوات, والذي يحكي فيه عن العقوبات التي وقعت ـ حسب زعمه ـ على اللاعبين العراقيين بسبب فشلهم في التأهل لكأس العالم, وكيف سجنوا وعذبوا. والقصة قديمة, ولكنها عادت هذه الايام بتفاصيل جديدة. ربما لتلقي بظلالها على المشاركة العراقية في الدورة العربية, أو لتكون لحنا مصاحبا للغارات الجوية المستمرة من جانب الطائرات الانجليزية الامريكية والتي اتسمت لتصيب المدنيين والمنشآت العراقية. وفي مواجهة هذه القصة, كان الإعلان عن دعوة امريكية لفريق كرة القدم العراق ليؤدي بعض المباريات في الولايات المتحدة الامريكية, وسواء كانت الدعوة رسمية كما قيل في البداية, أو أنها من هيئات عربية في امريكا, فإن الامر له مغزاه.. خاصة في هذا التوقيت! والمشهد التالي كان في الدوحة حيث جرى حدث سياسي ورياضي هام, ففي نفس الوقت الذي كانت عمان تشهد فعاليات الدورة العربية, كانت العاصمة القطرية تشهد بطولة العالم لكرة اليد للشباب.. وبمشاركة اسرائىل التي كان وجودها سببا في انسحاب عدة دول عربية, ومع ذلك, اعلنت قطر ان البطولة ستقام في موعدها, وانها تفرق بين السياسة والرياضة (!!) وشاركت في البطولة من الدول العربية مصر وتونس. وصحيح ان الجماهير استقبلت الفريق الاسرائىلي أسوأ استقبال, وأن اللاعبين العرب رفضوا مصافحة اللاعبين الاسرائيليين, وان التغطية الاعلامية لم تبرز المشاركة الاسرائىلية, ربما لدواعي الامن أو للحرص على محاصرة الآثار النفسية السلبية على المواطنين العرب في اضيق الحدود, ولكن الصحيح ايضا ان بابا انفتح للتطبيع مع اسرائىل وفي اكثر النشاطات جماهيرية, وان ذلك يتم والارض العربية مازالت تحت الاحتلال, وطائرات اسرائىل تدك جنوب لبنان, والقدس أسيرة, والسيد باراك يسير على نهج سلفه سيىء الذكر نتانياهو, ولكن بمهارة اكبر واستفزاز أقل. المهم أننا اكتشفنا اخيرا اننا نتمتع بالروح الرياضية.. فلنهنىء انفسنا!! * نائب رئيس تحرير (اخبار اليوم)