تجديد الخرطوم مطالبتها بتحقيق دولي حول قصف(مصنع الشفاء)السوداني من شأنه إحراج الادارة الامريكية. ودخول السودان نادي الدول المصدرة للنفط يقلقها . اما نجاح المبادرة الليبية المصرية المشتركة في تحقيق تصالح بين الحكومة السودانية والمعارضة, اذا نجحت فعلا, فانه احتمال تنظر اليه واشنطن بغير قليل من الرعب. ان اي تحقيق دولي محايد في ملابسات تدمير مصنع الادوية السوداني بواسطة صواريخ امريكية في اغسطس العام الماضي لابد ان ينتهي الى ادانة ادارة كلينتون. فالاسباب التي تتعلل بها الادارة الامريكية ـ ان المصنع ينتج مادة تستخدم في صنع اسلحة كيمياوية وانها ممولة من اسامة بن لادن ـ هي من نسج خيال استخباراتي لن يصمد امام التحقيق النزيه. ولان الادارة الامريكية تعرف ذلك اكثر من غيرها فانها ظلت حتى هذه اللحظة تعارض بعناد فاضح ادراج الطلب السوداني بالتحقيق في جدول اعمال مجلس الامن الدولي. ومن ناحية اخرى اعترفت الادارة الامريكية ضمنا بأنه لا تتوافر لديها ادلة قانونية لتبرير قصف المصنع عندما ابرم محاموها اتفاقا في واشنطن مع محامي الملياردير السوداني صاحب المصنع صلاح ادريس للتسوية خارج المحكمة... مما يعتبر تمهيدا لتعويض السيد صلاح. لكن هذا الاعتراف الضمني لا يرقى الى مستوى الاعتراف السياسي الصريح, وبالتالي تقديم اعتذار رسمي الى الحكومة السودانية. من هنا جددت الخرطوم الآن شكواها الى الامم المتحدة بالاصرار على اجراء التحقيق الدولي... مما يضع الولايات المتحدة في حرج لا فكاك منه. ومن هنا ايضا تحقد واشنطن على الخرطوم. ويأتي انضمام السودان عمليا الى نادي منتجي ومصدري النفط الخام في العالم ليكون سببا اضافيا للحقد الامريكي. فواشنطن تخشى من ان العائدات النفطية سوف تساعد في تثبيت وترسيخ قوائم النظام الحاكم مع تحسن اوضاع الاقتصاد الوطني مما يؤدي تلقائيا الى تحسن الجدارة الائتمانية للسودان في اسواق المال العالمية, خاصة في شرق اسيا حيث ان الصين وماليزيا اكبر شريكين في (الكونسوريتوم) الدولي الذي يتولى مع الحكومة السودانية عملية انتاج وتسويق الخام النفطي. ويعني ذلك بالضرورة انه متاح للسودان ان يمارس سياسة اكثر استقلالية تجاه الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا. وهذا بالطبع مما يسبب لواشنطن قلقا متناميا. على ان ما يقلق واشنطن اكثر ما يجري من خطوات متلاحقة لتحقيق تصالح بين الحكومة السودانية والمعارضة. بالطبع لا يستطيع احد ام يجزم في هذه المرحلة بأن الحكومة والمعارضة سوف تتوصلان الى صيغة وفاقيه نهائية... لكن المساعي المصرية الليبية تكسب في كل يوم ارضا جديدة. فقد بدأت العملية بمسعى مبدئي من كل من القاهرة وطرابلس ثم تحولت الى مشروع مشترك بين العاصمتين ثم تم الاتفاق بين الوسيطين والحكومة والمعارضة على تكوين لجنة تحضيرية للتجهيز لمؤتمر الحوار الوطني... وهكذا تتواصل مسيرة الجهود دون عراقيل تذكر. ولا شك ان واشنطن ترصد كل ذلك في هذه الاثناء بعين غير راضية. فقوام الاستراتيجية الامريكية تجاه النظام السوداني الراهن هو تصويره للعالم بأنه نظام معزول داخليا واقليميا. وبالتالي فانه اذا ما تبلور وفاق قومي بصورة او بأخرى بين النظام واقطاب المعارضة, خاصة (حزب الامة) و(الحزب الاتحادي الديمقراطي) فان الحجة الامريكية سوف تسقط تلقائيا. لابد اذن, من وجهة النظر الامريكية, (فرملة) مسيرة الوفاق واجهاضها. وارى ان هذه المهمة هي على رأس اجندة (المبعوث الخاص) الامريكي الذي اعلن تعيينه هذا الاسبوع... فمن الصعب الاقتناع بأن تزامن هذه الخطوة مع بلوغ مساعي الوفاق ذروتها هو مجرد صدفة اعتباطية.