يمكن اعتبار الضربات الامريكية البريطانية على العراق والتي بدأت توقع المزيد من الضحايا وسط المدنيين العراقيين, انها من بعض الوجوه نوع من تحضير الاجواء لعدوان امريكي قادم . وهو امر ليس مستبعدا في ضوء التحركات السياسية والاعلامية المحمومة التي تجريها واشنطن بالتعاون مع عملائها في المعارضة العراقية. والحديث المتزايد عن تحضيرات لعقد اجتماع موسع لهذه الاخيرة طال الحديث عنه, بغية وضع الخطط والترتيبات التي اقرتها الادارة الامريكية لزعزعة الاستقرار في العراق. الجديد في هذا الصدد هو موافقة المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق على الانخراط في المشاريع الامريكية الهادفة الى تغيير النظام في بغداد. وثمة انباء عن ان المجلس الاعلى ابدى استعداده لاجراء تدريبات مشتركة بين القوات الامريكية الموجودة في المنطقة وبين عناصر من فيلق بدر ـ الجناح العسكري للمجلس ـ بالقرب من الحدود العراقية, تمهيداً لزجها في اي هجوم امريكي ينطلق من جنوبي العراق. كما تشير هذه الانباء الى لقاءات جرت في وقت سابق من هذا العام بين مسؤولين في المخابرات الامريكية وزعيم المجلس محمد باقر الحكيم لدى زيارة هذا الاخير لاحدى دول المنطقة ويعتقد ان الامريكيين وعدوا الحكيم باعطائه ثقلاً سياسياً كبيراً في المرحلة المقبلة ووافقوا على طلبه الخاص بالتدريبات العسكرية المشتركة, في مقابل انضمامه الى الحملة الامريكية للتغيير في العراق. ولا يستبعد انطلاقاً من ذلك ان تحظى (قوات بدر) بدعم امريكي مالي وعسكري وبقواعد ومعسكرات تدريب ثابتة لها بالقرب من العراق. ان هذا هو الذي يفسر موافقة المجلس الاعلى وزعيمه على الانخراط في المشاريع الامريكية, بعدما ظل يرفضها طويلاً. والحال ان هذه التطورات مجتمعة تؤدي الى الاستنتاج بأن ثمة تحرك امريكي واسع قادم يهدف الى استثمار الحالة الناشئة بغية القيام بعمل عسكري كبير او صغير ضد بغداد, او الاكتفاء بممارسة المزيد من الضغوط على الحكومة العراقية. وان هذا التحرك الامريكي يستفيد من وجود تفاهم اقليمي على الاقل (او اتفاق اقليمي على الاكثر) حول الخطوط الاساسية للسياسة الامريكية تجاه العراق. وهو ما يدفع الادارة الامريكية حالياً الى توسيع نطاق واهداف عمليات القصف الجوي التي تقوم بها طائراتها وحليفتها البريطانية لجنوبي وشمالي العراق. وفي المدى القصير تبدو مثل هذه العمليات بمثابة بالونات اختبار لقياس ردود الفعل العراقية, ومدى تقبل الرأي العام في المنطقة والعالم للاثار الناتجة عنها. لكنها قد تتطور لاحقاً, لتشمل اهدافاً اخرى مختارة داخل العراق, بما يمهد لعمليات عسكرية واعتداءات امريكية جديدة ضد هذا البلد. والمؤسف ان ردود الفعل العربية وكذلك المجتمع الدولي على الغارات الامريكية والبريطانية, جاءت حتى الآن دون مستوى الحدث وخطورته. فعلى الرغم من اعتراف الامم المتحدة بعدم شرعية وقانونية مناطق حظر الطيران التي فرضتها الولايات المتحدة وبريطانيا على شمالي وجنوبي العراق, من طرف واحد, فإنها لم تحرك ساكناً لوقف اعتداءات هذين البلدين ضد سيادة ووحدة اراضي العراق, الذي هو بعد كل شيء دولة عضو في المنظمة الدولية. واظهرت الغارات الاخيرة وما خلفته من قتلى وجرحى في صفوف المدنيين العراقيين بعض الانزعاج والاستياء الفرنسي الروسي, لكن ذلك لم يترجم ايضاً الى مواقف عملية داخل مجلس الامن الدولي. اما العواصم العربية فتبدو هي الغائب الاكبر فيما يحدث وهي تتصرف كما لو ان الامر لا يعنيها في شيء وباستثناء احتجاجات خجولة من جانب الجامعة العربية, فإن تلك الاعتداءات لم تبحث قط في اي اجتماع للجامعة ولم يصدر بشأنها اي قرار او بيان, رغم انها تستهدف دولة عربية وشعب عربي. ان خطورة هذه المواقف السلبية تتمثل في كونها تشجع الادارة الامريكية على التمادي في سياساتها الحالية والتصرف بلا مبالاة تجاه مصير وحياة المواطنين العراقيين. كما تشجعها على ابقاء الملف العراقي بعيدا عن ايدي العرب, ما يسهل امكانية التعامل معه وفق منظور السياسة الامريكية البحتة. الواقع كذلك ان الولايات المتحدة استفادت من الموقف العربي السلبي, في تحييد الامم المتحدة واحراج اطراف دولية مثل فرنسا وروسيا والصين, حاولت مرات عدة بدء حركة احتجاج ضد السياسة الامريكية تجاه العراق والتشكيك في دوافعها القانونية والسياسية. لكن هذه الحركة كانت تفشل دائماً, ومن بين اهم اسباب فشلها غياب الدعم العربي لها, الذي يصل احياناً الى حد تأييد المشاريع الامريكية ومناهضة المحاولات الروسية او الفرنسية علناً. ان اكثر ما يخشى منه هو ان تمهد هذه المواقف والاجواء, لاعتداءات امريكية جديدة ضد العراق, بمباركة عربية وصمت دولي مطبق, يوازي التسليم غير المشروط بوضع هذا البلد ومصيره في يد واشنطن وسياسييها الاكثر يمينية وصهيونية. * كاتب بحريني