تسعى الجامعة العربية لاقناع الدول الاعضاء فيها ان تقوم بغداد برئاسة الدورة المقبلة لمجلس الجامعة, وهي بذلك توقع العمل السياسي الاقليمي في ورطة وربما من غير قصد, فمن جهة فان بغداد يفرض عليها المجتمع الدولي عقوبات جراء ما اقترفته من جريمة سياسية وعسكرية بالغة الخطورة , ولم تتقدم خطوة للاعتراف بهذه الخطيئة, بل انها متى سنحت الفرصة تؤكد ان ما قامت به تجاه الكويت من عدوان واحتلال ونهب وتدمير للبيئة والانسان يمكن ان تكرره, ولو قدر لها لعاودته من جديد. والدول العربية قاطبة ملتزمة بقرارات مجلس الامن التي يفترض ان تساهم في العقوبات الدولية, ووضع بغداد في صدارة اجتماع اقليمي مهم مثل اجتماع الجامعة العربية, سيقوم ببحث قضاياتهم العرب دولياً, هو اعتراف ضمني بتأهيل نظام بغداد اقليميا تمهيداً لتأهيله عالمياً, اما القول بان هذا الاجتماع هو فقط للعرب وبالتالي لا يهم من يرأسه, فانه يضع العمل العربي المشترك موضع الدونية, وبالتالي يفقد العمل الجماعي ضمن الجامعة العربية مصداقيته. هناك بالطبع موظفون يريدون فقط ان يتم الاجتماع دون ان يقدموا اية ضمانات لسلوك (الرئاسة) العراقية, والتي من المتوقع ان يبعث النظام لها اشرس من يتوخى فيهم العناد والمكابرة, لاستخدام المناسبة استخداما سياسيا, وبالتالي وضع العمل العربي تجاه المسؤوليات الدولية في موضع الشك والارتياب. النظام العراقي يصر على ان يرأس الاجتماع المقبل لانه يعرف ان العد التنازلي الدولي للتسامح معه قد وصل الى نهايته, خاصة بعد ان زرع المضادات الارضية بين الاحياء المختلفة في المدن العراقية المكتظة بالسكان من اجل تحقيق اكبر اصابات في المدنيين, في حالة رد طيران الحلفاء على استفزازاته ويستخدم الاجتماع المقبل كنافذة للاطلال على المؤسسات الاقليمية والدولية. يحدث ذلك في الوقت الذي يحاصر فيه المجتمع الدولي النظام العراقي من اجل انتزاع حقوق مدنية وانسانية للشعب العراقي, وكان آخر شواهد هذا الحصار هو هروب نائب الرئيس العراقي عزت ابراهيم الدوري من النمسا وبسرعة كبيرة بعد ان لاحقته جمعيات حقوق الانسان بتهمة الابادة البشرية وجرائم الحرب, وهو مقدمة لما يمكن ان يتم في المستقبل بالنسبة لعدد من القياديين في النظام العراقي الحالي, فكيف يمكن ان يتهم نظام بهذه التهم الدولية وتستضيف الجامعة العربية شخصيات لها ضلع بجرائم حرب يعاقب عليها القانون الدولي ويتابع مرتكبيها بشكل حثيث, ثم تقوم هذه الشخصيات او مثيلها بترؤس اجتماع اقليمي تحضره شخصيات مدافعة عن حقوق الانسان والعدالة ولها تاريخ ناصع, بل وفيهم ضحايا للتعسف والصلف النابع من النظام العراقي. تلك معادلة من ضمن المعادلات التي تقف الجامعة العربية امامها دون تقديم حلول مرضية, والكويت التي تقف اليوم كما كانت دائماً مع السلام واستتباب الامن في المنطقة, وتمد جسوراً صلبة مع محبي السلام والساعين لتعزيز الاخوة العربية والاسلامية وتستضيف موفدين من الاردن وايران, كما تنسق العلاقات المتينة مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج, سوف ترى ولا شك التناقض الواضح في سلوك وعمل النظام العراقي, حيث من جهة يصر على ترؤس اجتماع اهم منظمة اقليمية في الوقت الذي يحتجز في سجونه مواطنين عربا وكويتيين لهم ابناء وازواج واقرباء لا يعرفون مصيرهم, ولمدة تسع سنوات الان دون ان يقرر النظام العراقي اين هم وكيف يمكن الحصول على المعلومات عنهم, في الوقت الذي اقر بعض منفذيه السابقين مثل حسين كامل صهر الرئيس صدام حسين انهم هناك في سجون العراق, كيف يمكن لمثل هذا النظام الذي يحتجز مواطنين عرباً دون ذنب جنوه ان يرأس اجتماعاً بهذه الاهمية في هذا الوقت الحرج. واذا كان البعض لا يزال يرى ان النظام العراقي هو من قصف اسرائيل في سنة 1990 بصواريخ سكود, فقد يهمه ان يعلم بأن النظام العراقي قد وافق اخيراً على تعويض كل المتضررين من ذلك القصف, من خلال لجنة التعويضات التابعة للامم المتحدة, وهي خطوة لها معناها الحالي والمستقبلي, فلن يكون هناك عزاء للجماهير المضللة التي طافت بعض العواصم العربية ابتهاجاً, لان القصف ادى الى دفع هذا المال واولى به من حيث المنطق ان يصرف على التنمية في العراق. امام الجامعة العربية العديد من القضايا المشكلة التي تستحق النقاش في جو هادىء وبعيداً عن المزايدات, امامها مثلاً النتائج المحتملة للوفاق الفلسطيني الاسرائيلي الوشيك, خاصة موضوع توطين اللاجئين الفلسطينيين اينما كانوا, وهناك دولتان عربيتان على الاقل معنيتان مباشرة بالموضوع, هما الاردن ولبنان, فهناك عدد كبير من المهجرين الفلسطينيين في هذين البلدين, ولموضوع التوطين نتائج سلبية داخلية فيهما, ففي لبنان مثلاً تنادت القيادات الروحية لرفض فكرة التوطين, كما ان الشرخ السياسي في بلد صغير مثل الاردن قد يتسع بسبب هذه القضية, بل ان هناك من المؤشرات على عدم الراحة والقلق منذ فترة غير وجيزة, كما ان الجميع يعلم ان اسرائيل لن ترضى بعودة اللاجئين الفلسطينيين لا الى اراضيهم داخل اسرائيل ولا الى الارض التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية, وبالتالي فان حدة التوتر التي يمكن ان يخلقها مثل هذا الموضوع قد تفجر بعض البراكين الخامدة حتى الان في داخل بعض البلاد العربية. من بين امور اخرى فان الجامعة العربية تعاني من نقص في التمويل المالي, وهي منذ سنوات تعيش على الاستدانة, وموضوع كهذا يجدر به ان يعالج جذرياً وربما قبل الدخول في الحديث عن انجازات او اخفاقات هذه المؤسسة. القضية في ان العمل العربي غير قادر على تقديم حلول للمشكلات الحقيقية التي تواجه العرب. وفي كل المنظمات الاقليمية تأتي مرحلة يكون هناك فاصل بين النظام القديم والنظام الجديد, الا ان الحلول الوسطى هي شيمة الجامعة , ففي العلاقات مع اسرائيل يتذبذب البندول من اقصاه إلى أقصاه, فيسمح لمن لهم علاقات بها بالاستمرار, ومن ليس له علاقة بالقطيعة, ولعل المثال هو قضية محطة التلفزيون في لبنان التي قابل مندوبها وزير الخارجية الاسرائيلي في عمان, او بطولة كرة اليد في الدوحة, وقد اختصر ما كان يسمى بالصراع العربي الاسرائيلي في هاتين الحادثتين. النظام العراقي اقل ما يقال فيه انه مصنع تجارب على الانسان العراقي في ارض من المقابر, وان كنا سوف نحكم على كل القيم من خلال النظام العربي القديم فاننا لن نتحرك الى الامام قيد انملة, ولعله من الاوفق القول ان النظام العربي القديم بمجاملاته وتسويفه للقضايا العالقة قد سقط منذ بداية هذا العقد, ووجب بناء نظام جديد حيث كانت محاولة اعلان دمشق بذرة صغيرة فيه, باختصار القضية المطروحة هي ليست من يترأس اجتماع الجامعة العربية المقبل, القضية الاساس هي أية علاقة مستقبلية نتوخاها بيننا كعرب, وهل سيظل المد والجزر في القضايا العربية خاضعاً للمجاملات والمصالح الضيقة, ام ان هناك نظاماً عربياً جديداً يساير النظام العالمي الجديد ويتناغم مع معطياته القائمة على قيم الحرية والعدالة؟ تلك هي المسألة, فالجامعة العربية وما هو مطلوب منها من ملاقاة استحقاقات السلام بين العرب واسرائيل اولى بها ان تواجه استحقاقات السلام العربي العربي, وتعزل عن حق من يريد اللعب بهذا السلام.