دونالد بيترسون سفير الولايات المتحدة الاسبق لدى السودان القى في عام 1992 محاضرة في الخرطوم عن العلاقات الامريكية السودانية ـ ماضيها وحاضرها ومستقبلها . كان الحضور مقصورا على الدبلوماسيين السودانيين, وكنت احدهم انذاك, باتفاق بين (الجمعية الدبلوماسية السودانية) والسفارة الامريكية. (سجل حقوق الانسان في السودان) في ظل الحكم الراهن كان المحور الابرز في محاضرة السفير بيترسون. وفي هذا الصدد وجه السفير انتقادات حادة وصريحة الى الحكومة معطيا انطباعا للحضور بأن خروقات حقوق الانسان في السودان تكاد تكون بلا نظير. وفي الفترة المخصصة للاسئلة والتعقيبات نهض احد الدبلوماسيين السودانيين المخضرمين وسأل السفير الامريكي ان كان يدرك ان هناك دولا عربية يحفل سجلها, وفقا لتقارير (منظمة العفو الدولية) ومقرها لندن و(منظمة ميدل ايست ووتش) , ومقرها نيويورك, بما يحسب بالألوف او عشرات الالوف من حالات الاعتقال السياسي دون محاكمة او حتى توجيه اتهام لسنين متصلة مع استخدام احدث اساليب التعذيب, بينما بلغ عدد المعتقلين السياسيين في السجون السودانية آنذاك 12 شخصا فقط. ومع ذلك, قال الدبلوماسي, لم نسمع على الاطلاق اي مسؤول امريكي يوجه اي انتقاد, ولو بالتلميح, الى حكومات تلك الدول. وتساءل: لماذا الانتقائية؟ وفي رده قال السفير بيترسون موجها الحديث الى الدبلوماسي السوداني: لعلك تقصد بالتحديد حكومات كذا وكذا وكذا.. وسمى الدول العربية الثلاث بأسمائها. وبينما التزم الدبلوماسي السوداني السكوت (من باب الحرص المهني على علاقات السودان مع تلك الدول) استطرد السفير الامريكي في رده قائلا ان تلك الدول الثلاث مصنفة كدول (صديقة) للولايات المتحدة. ثم قال: (ليس معنى ذلك اننا لا ننبه حكوماتها الى خروقات حقوق الانسان.. اذا وجدت. لكننا نتحدث اليهم بلغة الاصدقاء.. فنهمس في آذانهم فقط) ! الان وبعد مضي سبع سنوات على السفير دونالد بيترسون تعلن واشنطن تعيين (مبعوث امريكي خاص الى السودان) . وعلى رأس المهام الثلاث المكلف بها هذا المبعوث, وفقا لبيان البيت الابيض في هذا الصدد ان المبعوث (سيركز الاهتمام الدولي على الوضع المروع لحقوق الانسان في السودان..) والمغزى وراء عبارة (الوضع المروع) لا يخفى.. فإنه يعني شيئين تحديدا: اولا: ان موقف العداء الراسخ لواشنطن تجاه النظام القائم في السودان لم يتغير. ثانيا: ان واشنطن, بتعيين مسؤول امريكي على مستوى رفيع ليتفرغ للشأن السوداني, تنوي تصعيد ذلك الموقف العدائي الى اعلى درجة ممكنة. والسؤال الذي يجب ان يطرح هو: هل الموقف الامريكي على هذا النحو الواضح موقف مبرر موضوعيا ام ان هناك دوافع امريكية ذاتية تستحي واشنطن من اعلانها على العالم؟ لنتوقف اولا عند التوقيت. فبالرغم من ان واشنطن اعلنت قبل شهر اعتزامها تعيين المبعوث الخاص الا ان الملاحظ ان اعلان الاعتزام مع اعلان القرار بعد بضعة اسابيع يتزامنان مع ثلاثة تطورات هامة على الصعيد السوداني هي: اولا: ان الحكومة السودانية اعادت, بمناسبة الذكرى الاولى لقصف (مصنع الشفاء) للأدوية رفع شكوى رسمية الى (مجلس الامن الدولي) تطالب وتلح في الطلب على اجراء تحقيق دولي. ثانيا: ا التجهيزات النهائية اكتملت تماما لبدء تصدير النفط الخام السوداني بمعدل 150 الف برميل يوميا كخطوة اولى. ثالثا: ان الاستعدادات اكتملت لعقد اللقاء الرسمي بين الحكومة والمعارضة لغرض تحقيق وفاق قومي تحت مظلة وساطة مصرية ليبية. التطور الاول يحرج الولايات المتحدة, والثاني يقلقها, والثالث يرعبها.