يبدو ان مدينة غزة, ذات التاريخ العريق الذي يربطها بهاشم بن عبد مناف جد الرسول العربي عليه السلام حيث تحتضن قبره, وتنتسب اليه, وبالإمام الشافعي رضي الله عنه حيث ولد فيها وترعرع وبشمشون (الجبار) صاحب الاسطورة المعروفة الذي تنتصب قبة مدفنه على احد تلالها, ارادت, رغم همومها الكبيرة ان تقلد اخواتها العربيات وان تؤكد انها لا تقل عنهن اهتماماً بالطرب وأهله, فقد اقامت في شهر اغسطس الجاري, وشقيقتها رام الله, وبعض الشقيقات الاخريات من مدن الضفة, مهرجانات للطرب والليالي الملاح, استقدمت لها اسماء عربية يطلق عليها, تجاوزاً, لقب فنانين او مغنين. لا اناقش حق غزة واخواتها في الفرح, فمن حق الشعب الفلسطيني, والشعب العربي كله ان يفرح, وان يسري عن نفسه من العذاب الذي قاساه ويقاسيه, وربما سيظل يقاسيه لسنوات طويلة, لكن حجم البؤس والفقر والتخلف الذي تعاني منه غزة خصوصاً, والمدن الفلسطينية عموماً, لا تنفع في درئه, او التخفيف منه, كل المهرجانات, ولا كل المطربين حتى لو كانوا من النخب الاولى, او كانت مواويلهم تستغرق الليل بطوله, ففي الصباح تذهب السكرة وتأتي الفكرة ويكتشف الناس ان ما امسوا فيه قد اصبحوا عليه. هذه المهرجانات تثير العديد من المسائل في غاية الاهمية, فإن كان هدفها التأكيد على ان المجتمع الفلسطيني يتمتع بالاستقرار والطمأنينة بحيث انجز اولوياته, وانتقل الى مرحلة التعبير عن حالته الجديدة, فذلك لا يخدع احداً فالاحتلال الصهيوني ما زال يقبع في حوالي 90% من اراضي الضفة والقطاع, ويقبض على انفاس الناس ـ ان لم يقبض ارواحهم ـ بحيث لا يترك لهم من هذه الانفاس ما يكفي لاطلاقها في صرخات الألم وآهاته وبمعنى آخر, فإن قضية التحرر الوطني من الاحتلال وهي اولى الاولويات, وام الضرورات لم تنجز بعد.. وكل الجهود يجب ان تنصب باتجاهها, ولا يجوز صرف الانتباه عنها, او التلهي بغيرها من الاهتمامات. وما يصرف على هذه المهرجانات ومن يدعى اليها من (سقط المتاع) الفني العربي من اموال, هناك من الفقراء من يستحقها اكثر, ومن المشروعات التي تهم حياة الناس ومتطلباتهم الاولية ما يحتاجها اكثر ولو كانت هذه الجهود والاموال تصرف في بناء ثقافة وطنية وقومية تعزز من الصمود الوطني وتحصن الاجيال الجديدة في وجه ثقافة الاستسلام والتطبيع وتجميل الوجه القبيح للعدو, وتحمي الذاكرة الوطنية والقومية من محاولات التزييف والمسح الجارية التي امتدت الى المؤسسات التربوية, وكتب الدراسة الرسمية فصارت الخرائط الجغرافية غير الخرائط التي تعلمناها ورسمناها, ورواية التاريخ تجري اعادة صياغتها بحيث تتجاهل ما ربينا وربينا اجيالنا اللاحقة عليه, والتربية الوطنية الرسمية ما عادت تسمح بالحديث عن الجرائم الصهيونية التي ارتكبت في حق العرب والفلسطينيين والا اعتبر ذلك اثارة للأحقاد ونوعاً من التحريض. لو كانت المهرجانات تمضي في هذا الاتجاه وتهدف الى بناء الانسان الذي يصمد امام تحديات الثقافة السطحية والاستهلاكية لاستقبلت بكل الاحترام والتقدير والشكر لمن يقوم عليها, لكنها على العكس تسهم في افساد الذوق العام, بما تضخه من اغان واصوات لا علاقة لها بالطرب, ولا يسمع منها غير اصوات الطبول التي تثير الغرائز اكثر مما تثير النشوة والفرح. وما افرزته هذه المهرجانات من ظواهر, يثير قلقاً كبيراً على الاجيال الجديدة, ويكشف مدى الخطر الذي جلبته اجهزة الاعلام المرئية على تربية هذه الاجيال وتشكيل ذوقها فقد روى الذين تابعوا ما جرى في مهرجانات غزة والضفة ذلك التهافت الجماهيري الشبابي الذي تجاوز عشرات الالوف لحضور أمسيات مغني الدرجة الخامسة او السابعة او قل ما شئت من الدرجات, وتدافعهم الى حد الاختناق وسقوط الجرحى, والبكاء والعويل والصراخ والرقص الذي يهد الاجسام. ويتساءل هؤلاء المتابعون ان كان هذا هو جيل الانتفاضة الذي دوخ الاحتلال, ومدى قدرته على استعادة روحه النضالية والقتالية اذا دعت الحاجة لذلك ام ان انصرافه بهذا الاتجاه هو تعبير عن حالة الاحباط نتيجة اعتقاده ان تضحياته لم تثمر ما كان يرجوه, وانها جيرت لطبقة من المستفيدين تزداد غنى وفساداً وافساداً!! ام ان المطلوب هو صرفه بهذا الاتجاه ام ان انفلات العواطف او الغرائز الذي تجلى في هذه المهرجانات هو تنفيس لطاقات مكبوتة اعتادت ان تفرغها في وجه الاحتلال فسدت في وجهها الطرق!! اياً كانت الاسباب, فإن هذه الظاهرة تثير القلق والخوف على جيل المستقبل وتدعو الى البحث في اسبابها, ومسؤولية اجهزة الاعلام والتوجيه والتربية العربية والفلسطينية في الوصول اليها, والخروج منها في الوقت نفسه. ويبقى السؤال مطروحاً: هل ظلمنا هذا الجيل حين قصرنا في حقه ولم نف بما وعدناه به؟ ام انه يظلمنا حين يسقط رهاننا عليه؟ عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية