يمكن القول, في نهاية المطاف, ان شركة برجر كينج, صاحبة سلسلة المطاعم الشهيرة, قد فعلت الشيء الصواب, وهذه الشركة المعروفة في الولايات المتحدة اختصارا بالحرفين (بي. كي) هي شركة متعددة الجنسيات عرفت بشطائر الهمبورجر التي تقدمها لرواد مطاعمها, ولها حوالي عشرة آلاف مطعم تعمل بطريق منح الامتياز لوكيل محلي في مختلف الدول, ومن بين هذه المطاعم العشرة آلاف يوجد في الشرق الاوسط 130 مطعما, منها 46 مطعما في اسرائيل و84 مطعما في دول عربية. وقد طورت الشركة في الولايات المتحدة منهاجا لمنح الامتياز, يتيح فرص الملكية والادارة لعدد من الاقليات العرقية بمن في ذلك الامريكيون من اصل عربي. وقبل ما يزيد قليلا عن شهر, اصبحت شركة برجر كينج طرفا في قضية مثيرة للجدل, عندما اصر تحالف مؤلف من عدد من الامريكيين من اصل عربي والمسلمين الامريكيين على ان تقوم الشركة باغلاق مطعمها القائم في مستوطنة (معاليه ادوميم) وهي مستوطنة اسرائيلية مقامة في الضفة الغربية المحتلة, حيث دعا هذا التحالف جموع الامريكيين من اصل عربي والمسلمين الامريكيين إلى الاحتجاج على جود المطعم في هذه المستوطنة. وقد توقف البعض بالفعل عن تناول الطعام في سلسلة مطاعم برجر كينج, ونظم البعض الاخر مظاهرات امام مطاعم برجر كينج في الولايات المتحدة, وقام اخرون بتنظيم احتجاج واسع النطاق تمثل في كتابة رسائل الاحتجاج والاعتراض إلى المقر الرئيسي للشركة. وهناك ايضا اولئك الذين بالغوا في ابداء رد الفعل, حيث دعت بعض المنظمات وكذلك بعض كتاب المقالات الافتتاحية العرب إلى مقاطعة شاملة لشركة برجر كينج, بل ووجهت الدعوة إلى جامعة الدول العربية وبعض الدول العربية للتحرك باتجاه فرض عقوبات ضد الشركة, وتم كل هذا من دون ادراك للحقيقة القائلة ان من شأن الاستجابة لهذه الدعوة ان تنزل العقاب بالملاك العرب لمطاعم برجر كينج والعاملين فيها وحدهم, حيث سيكونون الطرف الاكثر تضررا من جراء مثل هذه المقاطعة, اما الشركة الاسرائيلية التي فتحت مطعما في مستوطنة (معاليه ادوميم) فلن تتأثر على الاطلاق. وكان الأمر الاكثر اثارة للقلق هو تلك الاحتجاجات التي قامت بها بعض المنظمات اليهودية الامريكية والتي استنكرت جهود الامريكيين من اصل عربي والامريكيين المسلمين وقد كنت شخصيا ممن استهدفتهم هذه الحملة, التي تصدرت لقيادتها جماعة بارزة ادانتني في بيانات صحافية, وذلك: نظرا للعودة إلى مرحلة المقاطعة العربية لاسرائيل والشركات التي تقوم بنشاط اعمال فيها, وهي المقاطعة التي ترجع إلى مرحلة ما قبل اتفاق اوسلو, ومضت هذه الجماعة إلى ما هو اكثر من ذلك فانتقدت معارضتي لمطعم برجر كينج في (معاليه ادوميم) وقالت ان موقفي لا يناسب مجموعة تؤيد عملية السلام. وقد ادهشني انهم في بيانهم الصحافي, وفي غمار مهجامتهم لاعتراضي على مطعم برجر كينج في (معاليه ادوميم) قد اشاروا إلى هذه المستوطنة باعتبارها قائمة في ضاحية من ضواحي القدس, ووصفت مجموعة اخرى متطرفة في تأييدها لاسرائيل في الولايات المتحدة هذه المستوطنة بانها جزء من اسرائيل وذكرت انها من المقرر ان تصبح جزءا من الاراضي التابعة لبلدية القدس في المستقبل القريب. وقد كان الرد الذي اصدرته على هذه الهجمات ردا واضحا وصريحا, حيث اشرت إلى ان الاحتجاج على مطعم برجر كينج في (معاليه ادوميم) لم يكن متعلقا بمقاطعة اسرائيل, فالقضية لا تثار حول اي من المطاعم الموجودة في اسرائيل ذاتها, وانما الاحتجاج متعلق بالقاء الضوء على الحقوق الاقتصادية الفلسطينية والعدالة السياسية ودعم عملية السلام في الشرق الاوسط. وقد اشرت إلى أن (معاليه ادوميم) ليست ضاحية من ضواحي القدس, فهي تقع على بعد اميال خارج الحدود الموسعة من طرف واحد للقدس الشرقية التي ضمتها اسرائيل وقد تمت معارضة محاولتين من قبل حكومة نتانياهو لجعل (معاليه ادوميم) جزءاً من اسرائيل, ولم تجيء هذه المعارضة من قبل المجتمع الدولي وحده وإنما رفض الاسرائيليون كذلك هاتين المحاولتين. وقيام الشريك الاسرائيلي لبرجر كينج بفتح مطعم في هذه المستوطنة أو أي مستوطنة اخرى في الضفة الغربية يرقى الى مرتبة توسيع السيطرة الاقتصادية الاسرائيلية لتمتد الى الضفة الغربية. واذا لم يتم التصدي لهذا التوسيع فإنه سيحسم عمليا وبشكل مسبق وضع (معاليه ادوميم) لصالح اسرائيل, ويترك اثرا سلبيا على الفرص الاقتصادية التي ستتاح لرجال الأعمال الفلسطينيين مستقبلا. ولأننا ساندنا عملية السلام, فقد عارضنا هذا التوسع من جانب واحد. وقد حملت شركة برجر كينج التي ضغط عليها العرب الذين يعملون معها أو لهم مصالح فيها, حملت الموقف على محمل الجد التام, وأدى قيامها بالتحقيق في الأمر الى اتخاذ خطوة قد تكون فيها مخاطر على الصعيد السياسي, غير انها خطوة مسؤولة. فقد اعلنت الشركة في 26 أغسطس الحالي انها قد ألغت حقوق الشريك الاسرائيلي الحاصل على امتياز تشغيل مطعم برجر كينج في (معاليه ادوميم) بالضفة الغربية. وطلبت منه ازالة علامة برجر كينج التجارية من هذا الموقع فورا. وقامت شركة برجر كينج في بيان صحافي علني مطول بايضاح موقفها, حيث قالت ان الاسباب التي دعتها الى القيام بهذه الخطوة هي مخالفة عقد الامتياز واساءة تمثيل الشركة, وبصفة خاصة قيام صاحب الامتياز الاسرائيلي بتقديم معلومات غير صحيحة لبرجر كينج مفادها ان مقر المطعم سيكون في اسرائيل. وقد فهم الطرفان بجلاء ان برجر كينج لن توافق على قيام الطرف الاسرائيلي الحاصل على الامتياز بافتتاح مطاعم في الضفة الغربية في هذا الوقت الحساس من مسيرة عملية السلام. وقد أجرت شركة برجر كينج مناقشات ومشاورات مطولة خلال الاسابيع الماضية, مع الشريك الحاصل على الامتياز الاسرائيلي, وأكد احد كبار حملة أسهم الشركة الاسرائيلية حاملة الامتياز مرتين لبرجر كينج ان هذا المطعم سيتم اغلاقه, ولكنه ظل مفتوحا. وقد جاء الغاء حق حامل الامتياز الاسرائيلي في استخدام الاسم التجاري للشركة في تشغيل هذا المطعم ردا على استمرار الشركة حاملة الامتياز في فتح المطعم. وهو الأمر الذي ينهي أية مشاركة للاسم التجاري لبرجر كينج في تشغيل هذا المطعم في الوقت الحالي. وقد اتخذت شركة برجر كينج هذا القرار على أساس تجاري محض, ولصالح مئات الآلاف من الناس الذين يعتمدون على سمعة برجر كينج في كسب معاشهم. وهي غير معنية بالانحياز الى صف دون آخر في عملية السلام العربية ـ الاسرائيلية, باستثناء الترحيب بنتيجتها المبكرة التي يقبلها الطرفان. والأمر الأكثر دلالة ان متحدثا باسم برجر كينج قد أبلغ الصحافيين بقوله (لقد كذبوا علينا وأساءوا طرح الحقائق, وقد وثقنا بحامل الامتياز في عملية تقديم تحديد دقيق لموقع المطعم, ولو اننا كنا نعلم موقعه على وجه الدقة لما وافقنا أبدا على هذا الموقع. وأشارت شركة برجر كينج الى انها قد ابلغت شريكها الاسرائيلي (قبل ما يزيد على العام بأن الشركة تؤيد مطعما في الضفة الغربية, بينما مفاوضات السلام لاتزال مستمرة, وقد كانوا يعرفون بوضوح شعورنا حيال هذا الأمر) . ولا شك في ان بعض الجماعات المتطرفة المؤيدة لاسرائيل سوف تحتج على هذه الخطوة, وقد أشار بعضها بالفعل الى انها ستدعو الى مقاطعة دولية لمطاعم برجر كينج. وأشار بعضها الآخر الى انها قد تسعى الى تحرك من جانب الكونجرس الامريكي ضد الشركة. ولاشك في ان برجر كينج يتعين عليها ان تقلق ازاء النتائج السلبية المحتملة لقرارها المؤسسي المسؤول. ولكن مما يدعو للقلق من جانب الشركة بشكل مماثل عمليات التفاخر غير المسؤولة والضارة من جانب بعض الجماعات الامريكية العربية والاسلامية الامريكية التي اثارت ضجة بالحديث عن نجاحها في ارغام برجر كينج على ادخال هذا التغيير, بل ان احدى هذه الجماعات مضت الى حد التهديد بأنها ستواصل رصد سلوك برجر كينج الى ان يتم رفع جميع علاماتها التجارية في معظم (معاليه أدوميم) , وهددت جماعة اخرى باتخاذ تحركات مماثلة ضد اهداف اخرى. وبينما كانت الجهود التي قام بها الامريكيون من اصل عربي والمسلمون الامريكيون مهمة في لفت الانتباه الى المشكلة, فإن من الحكمة بالنسبة لكل من شاركوا في هذه الجهد الا يبالغوا وألا يتورطوا في عمليات تفاخر جوفاء. فمثل هذه العمليات هي شيء يفتقر الى المسؤولية ولا يمكن ان تؤدي الا لرد فعل سلبي وإطالة امد المواجهة الحافلة بالمشكلات. لقد تصرفت شركة برجر كينج بشكل مسؤول ومهني, ولابد من الاشادة بجهدها السريع لتصحيح موقف لم يهدد سمعتها كمؤسسة تجارية فحسب, وانما هدد عملية السلام كذلك. ورد الفعل المناسب بالنسبة لكل من العرب والاسرائيليين ينبغي ان يكون استخدام خطوة برجر كينج كمثل يحتذى. ولكي تنجح عملية السلام ينبغي ان تقوم على اساس الحقوق المتساوية والشرعية والعدل. واذا اقيمت على هذا الاساس فإن الطرفين كليهما سوف يستفيدان, وبالفعل فإن وجود برجر كينج في كل من اسرائيل والعالم العربي يشير الى احدى النتائج الثانوية الايجابية المبكرة لعملية السلام, ولكن فوائد السلام ينبغي ان تمتد الى الفلسطينيين كذلك. ان الاسرائيليين الذين يحملون الامتيازات الناجمة عن اتفاقات مع شركات امريكية ومتعددة الجنسيات لا يمكنهم الاصرار على ان هذه الاتفاقات تمنحهم السيطرة على الضفة الغربية وغزة. ولكي تنجج عملية السلام, فإن الفلسطينيين ينبغي ألا يحققوا السيادة السياسية فحسب وانما السيادة الاقتصادية كذلك. واذا ظلت الضفة والقطاع منطقتين تابعتين اقتصاديا يخضعان للمصالح الاسرائيلية, فإن السلام سيبقى حلما بعيد المنال. لقد اتخذت برجر كينج خطوة ايجابية, ويتعين الآن ان تمضي قدما فتجد شركاء فلسطينيين, وعندما يمكن للفلسطينيين ان يقوموا بالتصدير والاستيراد بمزيد من الحرية وأن يؤسسوا فروعا لشركات عالمية بحصولهم على حقوق الامتياز منها, فإن الاستقلال الفلسطيني الحقيقي سيكون شيئا ممكنا ومكونا اساسيا في عملية السلام. لقد سارعت شركة برجر كينج بإزاحة عقبة صغيرة من الطريق الى مثل هذا السلام, ساعدت في ارشادنا الى الطريق الذي ينبغي ان نسلكه بلا تفاخر وبلا تهديدات وبلا استفزازات. رئيس المعهد العربي الامريكي