في أمريكا صراع فكري بين مؤيدي (نظرية الخلق) ومؤيدي (نظرية داروين) . وآخر الأخبار تفيد بأن فريق (نظرية الخلق) حقق في الاسبوع الماضي أول انتصاراته, فقد أسفرت ضغوطه المتصلة لمدى سنين عن النجاح في الغاء تدريس نظرية داروين في المدارس الحكومية في خمس ولايات أمريكية: ألباما ونيو مكسيكو ومسيسيبي ولويزيانا وجورجيا وجعلها مادة اختيارية - لا اجبارية كما كانت - في ولاية أخرى هي كنساس. في ظاهرها تبدو المعركة وكأنها بين المؤمنين بالله والالحاديين.. فهل هي كذلك فعلا؟ (نظرية الخلق) هو المصطلح الذي ابتدعته وسائل الاعلام الأمريكية كناية عن ان أصل البشر آدم عليه السلام. وفي هذا لا تختلف القصة الواردة في الانجيل بخطوطها العريضة عن مثيلتها الواردة في القرآن بشأن خلق آدم من تراب وخلق حواء من ضلعه ثم انزالهما من الجنة إلى الأرض ليبث من زواجهما البشر عن طريق التناسل. أما داروين, عالم الطبيعة الانجليزي, فإنه طلع على العالم في منتصف القرن المنصرم بنظرية أطلق عليها (نظرية التطور والترقي) تعيد أصل البشر إلى القرد.. أو بالأحرى نوعية من القرود ذات الدرجة العليا من الذكاء. في ذلك الحين ووجهت نظرية داروين, بعد نشرها في كتابه الشهير (أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي) بعاصفة نقدية من المؤسسات الكنسية المسيحية في أوروبا والولايات المتحدة. وبمرور السنين نسي الناس داروين ونظريته. فما الذي جد حتى تثار ضجة متجددة في الولايات المتحدة ذات طابع ديني ضد النظرية. هل هذه بوادر صحوة دينية في المجتمع الأمريكي للتحرر من المادية الرأسمالية وشعاراتها الانتهازية التي تنطلق من غرائز الاقتنائية الجشعة والأنانية الفردية؟ هناك بوادر يقظة دينية في الولايات المتحدة على صعيد الأغلبية المسيحية. والشواهد تبرز وتتعاظم يوما بعد يوم! وقد اتسع نطاق التأييد الشعبي المتنامي للجمعيات والجماعات المسيحية التي يتوالى انشاؤها تحت مسميات متنوعة إلى درجة انه صار لها جناح داخل (الحزب الجمهوري) أطلق عليه (اليمين المسيحي) ويتوقع أن يكون له نفوذ في اختيار مرشحي الحزب لانتخابات الكونجرس مستقبلا. مع ذلك فإن النغمة الغالبة لذلك المد المسيحي, إذا جاز التعبير, تبدو سياسية أكثر منها دينية. وعلى هذا النحو فإنها تبدو وكأنها صرخة انفجرت من تراكمات عبر عقود السنين لمشاعر عدائية مكتومة موجهة ضد النفوذ اليهودي الذي ينتظم قطاعات الحياة الأمريكية قاطبة. لقد صار النفوذ اليهودي, على الأقل في جانبه الاقتصادي المالي, رمزا لسيطرة أقلية عنصرية دينية تفرض نفسها كمجموعة متميزة تتملك المؤسسات المفتاحية في الاقتصاد الوطني والمرافق الثقافية و(الميديا) الاعلامية, الالكتروني منها والمطبوع. هذا الوضع مبني على أسطورة دينية تتضمنها مقولة (شعب الله المختار) .. وفي المحافظة عليه, يشهر في وجه الناقدين والمعترضين سلاح الاتهام بمعاداة السامية. ويبدو الآن ان الجماعات المسيحية الأمريكية الصاعدة تريد أن تفل الحديد بالحديد فتلجأ إلى سلاح الدين في مواجهة النفوذ اليهودي لتحبط مقدما الاتهام باستهداف (شعب الله المختار) ومعاداة السامية. ضمن هذا الاطار تدخل قضية (نظرية الخلق) لتكون مدخلا دينيا لحركة احتجاجية هي بالضرورة سياسية المضمون. والمغزى الضمني لمؤيدي (نظرية الخلق) هو ان العودة إلى الله تعني التحرر من الاستعباد البشري, وفي مقدمته, أمريكا والاستعباد اليهودي.