لم أجد وقتا كافيا لكي أبحث في مكتبتي عن مرجع يكشف لي عن أصل المثل الشعبي الشائع (سأله : ايش ناقصك يا عريان؟ قال له: الخاتم يا مولاي السلطان) , لكن الظاهر من النص ان وراءه قصة فيها عريان غلبان جوعان ألقت به المقادير إلى مجلس السلطان الذي أبدى استعداده لكي يستجيب لمطالبه, وسأله عما ينقصه, فإذا بالرجل الذي لا يجد ما يستر جسمه أو يسد رمقه, يهتم بالمظهر دون الجوهر, ويعتني بتزيين أصابعه أكثر من اعتنائه بملء معدته, وستر عورته, فيطلب خاتما وليس رداءً أو طعاماً. والمثل يشير عادة إلى من يهمل احتياجاته الأساسية والأكثر إلحاحاً لكي يبحث عما لا يحتاجه, أو على الأقل عما ليس في حاجة ماسة إليه في هذا الوقت بالذات, فيتحول إلى مسخ يدعو للسخرية, ويكفي ان تتخيل عريانا يمشي في الشارع بلبوصا وهو يحيط رقبته برباط عنق فاخر, ويضع في اصبعه خاتما ثمينا لكي تسخسخ على روحك من الضحك. وذلك ما فعلته أيضا وأنا أقرأ في الصحف خبرا يقول ان فريقا من الناصريين في مصر يسعى لتشكيل حزب جديد باسم ( حزب الانقاذ القومي) وانه سيقدم أوراق تأسيسه إلى لجنة الاحزاب خلال أسابيع, فكان طبيعيا ان يقفز إلى ذهني هذا المثل الذي لا أعرف أصله, وان تغير النص لكي يلائم مقتضى الحال فيصبح (سألتها: ايش ناقصك يا ديمقراطية؟ قالت له: حزب الانقاذ يا مولاي) ! ومع انني سخسخت على روحي وأنا أقرأ الخبر, وأفعل ذلك وأنا أنقله إليك, إلا أنني لم أتسخسخ ـ معاذ الله ـ على سبيل السخرية من أصدقائنا الناصريين في مصر والوطن العربي, أو من السادة الأفاضل الذين ينشطون لتأسيس هذا الانقاذ, الذي سيرفع عدد الأحزاب المصرية ـ في حالة موافقة اللجنة على الترخيص له بالنشاط ـ إلى 15 حزبا في عين العدو الذي لم يعد أحد يعرف له مكانا على خريطة الشرق الأوسط, وسوف يرفع عدد المجموعات الناصرية, التي تتجمع في أحزاب أو في مشروعات أحزاب إلى ثلاثة على الأقل, فضلا عن مجموعات أخرى تعمل تحت لافتات غير حزبية كدور النشر ومراكز الأبحاث وشركات الصحف, وعن شخصيات ناصرية مستقلة يعتبر كل منها نفسه حزبا في حد ذاته! وحتى لا يزعل مني أصدقائي الناصريون, فقد أصابتني نفس الحالة من السخسخة, بعد أقل من أسبوع على نشر خبر الشروع في تأسيس (حزب الانقاذ الوطني) عندما قرأت خبراً يقول ان فريقا من المنتمين إلى تنظيم (الجهاد الاسلامي) و (الجماعة الاسلامية) ينوون التقدم بطلب لتأسيس حزب جديد باسم (حزب الشريعة) , وبذلك يرتفع عدد الأحزاب المصرية إلى 16 حزبا, ويرتفع عدد الأحزاب ومشروعات الأحزاب التي تعبر عن التيار الاسلامي إلى ثلاثة فضلا عن المجموعات الأخرى التي تعمل تحت لافتات غير حزبية, طبقا للمذكور أعلاه! ولكي لا يزعل مني الطرفان, أؤكد لهما ان هذه الحالة قد أصابتني منذ تدفقت قبل شهرين, الأخبار التي تتحدث عن مشروع لتأسيس حزب باسم (حزب المستقبل) يقال ان جهات حكومية مصرية تفكر في اشهاره, لكي يكون حزبا موازيا للحزب الوطني الديمقراطي الحاكم, يتبنى نفس رؤاه وسياساته, ولكن بقيادات مختلفة, وأساليب خاصة في التعبير عن هذه الرؤى والسياسات, بحيث يشكل نوعا من التحدي والمنافسة للحزب القائم, تبعث فيه الحيوية, على أمل ان يتنافس الحزبان في الانتخابات العامة, فيحكم أحدهما ويعارض الآخر. وكل ما أخشاه ان يرتفع عدد الأحزاب المصرية بين كتابتي لهذا المقال, وقراءتك له, إلى 18 حزبا, فيسخسخ كلانا على روحه حتى يقطع النفس ويموت من فرط الضحك. ولأنني حريص على رضاء الناصريين والحكومة والمعارضة, وعلى نشر هذا المقال, فانني اعتذر عن كل ما سبق وأؤكد للجميع أنني لا أقصد ـ والعياذ بالله ـ شد المسخرة عليهم, وانه لا علاقة لحالة السخسخة التي اصابتني باحزابهم أو أفكارهم, إذ الواقع أنني كلما نظرت إلى خريطة الامة العربية الواحدة, ذات الرسالة الخالدة, كلما وجدت نفسي امام خيارين لاثالث لهما: ان أموت كمداً أو أن أموت ضحكا. واظنك تتفق معي على أن الشاعر الذي قال: (إذا لم يكن من الموت بدُّ, فمن الحمق ان تموت زعلانا) , كان شاعرا حكيما وابن نكته اي ابن عرب. فإذا جئنا للجد, وحتى لايزعل مني أحد, فانني أحب أن أؤكد لك انني مع التعددية الحزبية الى آخر مدى, ومع حق كل مواطن في ان يشكل حزبا سياسيا, حتى لو اقتضت عضويته عليه وحده, هو وزوجته واولاده القصر وبواب العمارة التي يقطن بها.. لان قانون الاحزاب المعمول به في بلدنا يشترط أن يكون نصف الذين يؤسسون الحزب من العمال والفلاحين, وبذلك يفرض على كل ساكن يرغب في ارتكاب هذا العمل الشائن أن يأخذ معه البواب وزوجته وأولاده القصر, والعكس صحيح. وبناء عليه فليس لدي أي أعتراض على أن يشكل الناصريون خمسة أو ستة أحزاب, وان يشكل التيار الاسلامي مثلها, فكله خير وبركة وكل واحد حرّ في أن ينام على الجانب الذي يريحه, ويشكل حزبا مع البواب الذي يفضل التعامل معه, وكل ناخب حرّ في أن يعطي صوته للحزب الذي يعتقد أنه الاقدر على الدفاع عن المصالح العامة, وعن مصلحة الفئة الاجتماعية التي ينتمي اليها, وتلك هي المصيبة التي تسمى الديمقراطية, التي ابتلانا بها الغرب الذي لا يأتي منه شيء يسر القلب, ما عدا الثلاجات والغسالات والانترنت والكمبيوتر والسينما والتلفزيون والفياجرا. والحقيقة انني وجدت تفكير شخصيات تنتمي تاريخيا الى جماعة الجهاد الاسلامي و(الجماعة الاسلامية) في تشكيل حزب سياسي, ظاهرة ايجابية, على الرغم انني سوف أعارض هذا الحزب بعد تأسيسه وليس قبل ذلك. اذ لا معنى له إلاّ ان هؤلاء قد عدلوا عن الاتجاه الذي كانوا يتبنونه من قبل, وهو انهم (جماعة المسلمين) التي لا تتعامل مع من يخالفها أو يعاديها أو يخرج عنها الا بالسيف, وانهم حزب الله الذي لايجوز ان يوجد الى جواره حزب أو أحزاب أخرى> لانها في هذه الحالة ستكون احزاب الشيطان, التي لاتستحق البقاء لان الديمقراطية بدعة, وكل بدعة ضلالة, وكل ضلالة في النار.. ولا معنى لاتجاه هؤلاء القياديون السابقون الى تشكيل حزب إلاّ أنهم عدلوا عن اسلوب العنف الذي كانوا يعتمدونه, وقبلوا منطق أنهم (جماعة من المسلمين) يجوز لنا ان نختلف معهم, من دون ان نموت كمدا أو ضحكا, أو نذهب الى جهنم وبئس المصير, وانهم يقبلون من حيث المبدأ ان يحتكموا الى جمهور الناخبين في الانتخابات العامة, وهذا بالفعل خبر سار مع انني لن اعطي صوتي لهم في أية انتخابات عامة. وبالمثل فإذا صح الخبر الذي يقول ان هناك مشاورات جادة لتأسيس حزب المستقبل ليكون للحكومة حزبان, يتبنيان نفس السياسات ويختلفان في اسلوب تطبيقها, وفي شخصيات الذين يتولون الدعوة اليها وتنفيذها, فهو خبر سار.. فقد كان السلف الصالح يقول عن اختلاف أئمة المذاهب الاسلامية: اختلافهم رحمة.. فالمسلم الذي قد يشق عليه الاخذ بقول لابن حنبل, يستطيع أن يلجأ لأبي حنيفة, ولمالك رضي الله عنهم جميعا.. وإذا لم يكن من الحزب الحاكم بد, فمن الرحمة بالبلاد والعباد ان يكون من حق المواطن منا, ان يختار بين الحكومة والحكومة, وفضلا عن ان الفكرة قد تبعث نوعا من الحيوية في الحياة السياسية, التي اصابها الركود, فانصرف الناس عن السياسة, وانشغل الشباب بـ (محمد هنيدي) و(البانجو) فقد يفتح الله على أحزاب المعارضة الاخرى, فتجد في هذا التنافس, فرصة لكي تحصل على عدد أكبر من المقاعد البرلمانية, وقد تقع الطوبة في المعطوبة, فينتهي التنافس بين الحزبين الحكوميين في الانتخابات الى سقوط كليهما, وحصول حزب أو أكثر من احزاب المعارضة على أغلبية مقاعد البرلمان, وبذلك تحصل المعجزة, ويرى المعارضون حلمة آذانهم, ويتولون الحكم.. ولاشيء يكثر على الله عز وجل! والفكرة ليست جديدة, فهي مسجلة في المراجع التاريخية باسم الزعيم التركي (كمال اتاتورك) .. وهو أحد المنابع الفكرية التي استقت منها ثورة 23 يوليو 1952 في مصر كثيرا من افكارها, خاصة ما يتعلق منها بنظام الحكم, وهي ذاتها الافكار التي انتقلت من مصر الناصرية الى اقطار عربية كثيرة, بما في ذلك تلك التي تعادي الناصرية.. فقد أخذ أتاتورك في البداية بفكرة الحزب الواحد, ثم مالبث أن لاحظ ان هذا الحزب لا يفعل شيئا, وان أعضاءه لا يبذلون أي جهد سياسي, لأن فوزهم في الانتخابات مضمون ومقاعد الحكم في جيوبهم, فلما خشي (أتاتورك) من آثار الركود السياسي على استقرار حكمه, دفع أحد نوابه للخروج من الحكومة لكي يؤسس حزبا آخر.. ينافسه ويحفزه على النشاط.. وهو اتجاه كان الرئيس (عبدالناصر) يفكر في الأخذ به عندما لاحظ ان (الاتحاد الاشتراكي) قد تحول الى منظمة بيروقراطية تفتقد لأي تأثير سياسي.. حتى انه فكر في عام ,1963 وبعد اختلافه الشهير مع (عبداللطيف البغدادي) و(كمال الدين حسين) ان يدعوهما لتشكيل حزب آخر يحفز وجوده الاتحاد الاشتراكي على النشاط, على ان يعمل الحزبان في ظل الانتماء لمفاهيم الثورة, ويشكلان ما يمكن اعتباره جناحين للاتحاد الاشتراكي, أحدهما يميل يمينا, ويجنح الآخر الى اليسار.. وهي الفكرة ذاتها ـ مع بعض التطويرات ـ التي دفعت الرئيس (السادات) للتفكير في نوع من التعددية الحزبية, هو الذي أصبح يعرف الآن بالتعددية الحزبية المقيدة, أو الحزب الواحد في قالب تعددي! لا مشكلة اذن في تعدد الاحزاب, فكله خير وبركة باذن واحد أحد, ولكن المشكلة ان الاحزاب كلها غير موجودة, وما سيضاف اليها سيكون غير موجود, اذ الواقع انها أحزاب تؤسس لمعارضة أحزاب تنتمي لنفس تيارها.. فالاحزاب الناصرية تعارض بعضها البعض, وأحزاب التيار الاسلامي تتنافس فيما بينها, وحزب الحكومة يفكر في ان يعارض نفسه, بطريقة زيتنا في دقيقنا, ومعارضتنا منا فينا, والعروسة ـ التي هي الحكومة ـ للعريس الذي هو الحزب الحاكم والجري للمتاعيس الذين هم في أحزاب المعارضة. ولا يمكن ان تكون هناك تعددية حزبية حقيقية, أو ديمقراطية فعلية, من دون ان تكون هناك أوضاع دستورية وقانونية واجرائية تكفل تداول السلطة بين الاحزاب, فالحزب الذي لا أمل له في ان يلي الحكم, لن يستطيع ان يعيش أو ان يكبر, أو حتى ان يطرح شعارات مسؤولة ومعقولة, والناس تنضم الى الاحزاب على أمل انها ستتولى الحكم يوما فتدافع عن مصالحها, فاذا فقدت الأمل في ذلك, هجرتها الى نوادي الكرة لعلها تحصل على الكأس أو الدوري, وما لم يحدث اصلاح سياسي جذري, فإن الحديث عن تناسل الاحزاب كالارانب لا يمكن الا ان يذكرنا بذلك المثل الفلسفي العميق الذي لم يجد فيه العريان ما يطلبه من السلطان, الا الخاتم.. والغالب انه عريان من النوع الخبيث.. لأن خاتم السلطان, هو رمز السلطة, ومطالبته به, هي قلة أدب وتطاول, ولذلك لم يدهشني انه طرد الى الشارع, حيث لايزال عريانا حتى الآن, ينتظر تشكيل (حزب الانقاذ الوطني) لكي ينضم اليه.