كان للناصرية, ومازال مؤيدون وخصوم. ولكل من هؤلاء واولئك وجهات نظرهم وحججهم. فأين نحن من الرأيين المتباعدين... المؤيد منهما والمعارض لجمال عبدالناصر ؟ على الرغم من جميع الاخطاء التي ارتكبها الزعيم الراحل ـ رحمه الله ـ مثل اعتماد الحكم الفردي, واللجوء الى الاثارة الانفعالية للجماهير, وعدم تفعيل المؤسسات الدستورية, فإن له من الفضائل والمميزات ما يكسبه حقا لقب الزعيم العظيم. ولعل الفرق بين الزعيم العظيم والزعيم العادي, ان الأول يختار الطريق الصعبة في النضال, ويسلك مسلك الكفاح القاسي. اما الثاني فيسير في طريق وادعة آمنة مفروشة بالورود, فيسلم نفسه الى لذيذ الرقاد على اريكة الحكم, ويركن الى الحياة السياسية الهادئة المطمئنة. وجمال عبدالناصر آثر السير في احلك الدروب, واوعر الممرات, فركب الوعثاء وضرب في مفاوز الصراع مع الاعداء وامتطى صهوة النضال المرير. كان صاحب رسالة قومية سامية ومبادىء عربية اصيلة وتطلعات انسانية نبيلة... فبلغ من محبة الجماهير له شأوا لم يصله زعيم عربي من قبل, وتسنم في هرم الشعبية درجة لم يرق اليها قائد سواه. لم يكن زعيما تقليديا او سياسيا محترفا عاديا بل انساناً كبيرا وشخصية اخلاقية تهدر بالقيم الانسانية, وقائد امة من الطراز الاول, نذر نفسه للاعمال اللامعة وكرس نبضات قلبه للمنجزات العظيمة, وسلخ عمره في مقاومة اعداء امته الى ان غيبه الموت في يوم اسحم من ايام ايلول, فظل موته جرحا مزمنا ينغل في صدر الامة العربية وينخر في اوصالها. واذا قلنا ان عبدالناصر كان ماردا وعملاقا عربيا عظيما, فإننا لا نقيس عظمته هذه بمدى ما حققه فعلا من انجازات, وانما بما كان يطمح الى تحقيقه... ذلك ان قوى الاعداء استنفرت كل امكاناتها في مواجهته, وعملت مافي وسعها للحد من انطلاقاته وتضييق انتصاراته. لقد القت اسرائيل والصهيونية بكامل ثقلهما ضده... ساعدها في ذلك القوى العربية غير المخلصة التي عدت عبدالناصر نموذجا شعبيا يتهدد كيانها الارستقراطي, ويؤذن بسلب مواقعها الاستغلالية. وبقدر ما كان الزعيم العربي جبارا, بقدر ما ازدحمت في طريقه العقبات وكثرت التحديات: كان هاجس اسرائيل الوحيد ان تتربص به الدوائر, وهم الصهيونية العالمية الاول ان تحيك ضده الدسائس, ومطمح الاستعمار القديم الرئيسي ان يضيق عليه الخناق السياسي والعسكري ويشهر في وجهه سلاح الحرب النفسية, ويسلط على رقبته سيف الضغط الاقتصادي. لذلك لم تكن مسيرة عبدالناصر كلها انتصارات وافراح واشراقات شمس, بل كانت هناك ايضا اخفاقات ونكسات. لقد دبجت عن القائد الراحل الكثير من الكتابات حتى ليصعب ان نأتي للقارىء بجديد حول منجزاته واعماله. ومع ذلك دعنا نستذكر بعض مآثر هذا الرجل العظيم: فاذا تركنا جانبا انجازاته المبكرة كإجلاء القوات البريطانية عن مصر, وتأميم قناة السويس, وتسليح الجيش المصري بأسلحة حديثة, والاسهام في ثورة الجزائر, وبناء السد العالي, وغير ذلك من الانجازات التي كتب عنها باستفاضة واسهاب, فإن من المكاسب الاخرى العظيمة التي حققها عبدالناصر لمصر وللأمة العربية جمعاء: أ ـ لقد كان الزعيم الراحل يتمتع بشخصية ساحرة مهيمنة, فساد في مصر بفضل ذلك نوع من الاستقرار السياسي الداخلي لم يسبق له مثيل. كان انصاره في الداخل يفدونه بالمهج, ويعملون مافي وسعهم لدعم نظامه والحفاظ عليه, بينما كان خصومه واعداؤه يخشون سلطتنه ولا يجرؤون على الجهر بمعارضته. في مثل هذا الجو الهادىء المستقر الذي لم تعكره الاضطرابات الداخلية والصراعات الجانبية, والذي ارتكز على قوة عبدالناصر وجاذبيته الشخصية, انصرف القائد الى مهمة تدعيم القومية العربية. ب ـ كانت مصر قبل ثورة يوليو, تتأرجح بين الفرعونية والاقليمية والانعزالية والافريقية والعروبة, فجاء عبدالناصر ليجعل العروبة وحدها منهجا للبلاد وعقيدة تؤمن بها الجماهير ويقدسها أبناء النيل, وهكذا أضحى ارتباط مصر بباقي أجزاء الوطن العربي ارتباطا عضويا وتاريخيا عميق الجذور وحقيقة واقعة لا تقبل النكران, لقد كان هم الأعداء ومازال, عزل مصر عن الأمة العربية تارة ببعث الروح الفرعونية, وتارة أخرى بتشجيع الانتماء الأفريقي بشكل مبالغ فيه, وذلك بهدف الاستفراد بباقي الدول العربية بعد حرمانها من أكبر قوة بشرية عربية, وقد استطاع عبدالناصر احباط هذه الخطط. جـ ـ لقد كانت مواقفه الوطنية وجولاته النضالية المستمرة مع اسرائيل منارة استضاء بها العرب وحافزاً بعث الشعور القومي من مرقده, فاستفاقت الجماهير العربية من سباتها على دوي خطبه المجلجلة, واكتشفت نفسها من جديد ووعت حقيقة الامكانات الهائلة والموارد الضخمة للوطن العربي. ان التيار القومي العربي الجارف الذي خلقه عبدالناصر كان يمكن ان يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق الوحدة العربية الكبرى, بعد ان انتقل مفهوم الوحدة بوحدة سوريا ومصر من المجال النظري إلى المجال العملي, لولا ان القوى المعادية للعرب نشطت بشكل غير عادي للجم الانطلاقة الناصرية الجبارة, ومنعها من تحقيق اهدافها كاملة. لقد طوقت اسرائيل والصهيونية العالمية والدول المساندة لهما نظام عبدالناصر بشتى الضغوط وواجهته بمختلف التحديات وعملت على شن حرب معنوية ضخمة ضده لتشكيك العرب بأهدافه, فاتهمته تارة بالانطواء تحت لواء الشيوعية, وطوراً بالولاء الأمريكي, ومرة بمحاولة السيطرة على الوطن العربي. د ـ من أبرز الصفات التي امتاز بها الرئيس الراحل انه كان قوميا عربيا خالصا بكل معنى الكلمة, ولم يدن بالتبعية لأي من المعسكرين الكبيرين, لم يتمسح بأذيال الغرب, ولم يتعلق بأهداب الشرق, حارب اقصى اليمين المتطرف وأقصى اليسار على حد سواء, ووضع العملاء مهما كان وجههم في كفتين متساويتين من الميزان. هـ ـ لقد كانت خطته السياسية الداخلية ونهجه الاجتماعي يقومان على محاربة النزعات الاقليمية والقضاء على النعرات الدينية والطائفية التي تستنزف قوى الأمة وتزج بها في معارك جانبية لا طائل من ورائها, وهذه مكرمة لا يستهان بها. و ـ كان عبدالناصر زعيما عالميا وانسانيا, إلى جانب كونه قائدا مصريا, فلم يكتف بالخروج من النطاق المصري إلى النطاق العربي, بل تجاوز ذلك إلى النطاق العالمي الشامل, فتزعم سياسة الحياد الايجابي التي شكلت عنصرا ملطفا في السياسة الدولية, وناضل في الساحة الافريقية, وآزر حركات التحرر في كل مكان من العالم, وأقام صداقات شخصية كبيرة مع أبرز زعماء العالم أمثال تيتو ونهرو وسيكوتوري وخروتشوف وسوكارنو ونكروما, وجميع هؤلاء أصبحوا الآن في ذمة التاريخ, بعد ان غيّبهم الردى, وكان لهذه الصداقات العالمية دور كبير في كسب التأييد للقضية العربية. وبعد.. فإن ما أتينا على ذكره هنا لا يمثل بطبيعة الحال جميع المكاسب التي حققها عبدالناصر للشعب العربي, فهناك غيرها كثير مما يصعب الاحاطة به في مقال واحد. هل كان لعبد الناصر اخطاء؟ ليس هناك زعيم, في الماضي أو الحاضر, يمكن ان تخلو ممارساته السياسية من أخطاء, فالخطأ من طبيعة الحكم والسياسة, وبقدر ما تتعاظم مسؤولية القائد وتتعقد المهام الملقاة على عاتقه, تزداد امكانية ارتكاب الأخطاء السياسية في نظامه, ولكن هناك فرقا جوهريا بين الخطأ والانحراف, بين سوء التقدير واهمال مصلحة الوطن. وقد حاول أعداء عبدالناصر ان يضخموا اخطاءه ويصوروها على انها انحرافات ويشوهوا سوء تقديره في بعض المواقف, فيظهروه وكأنه خروج على الخط القومي والعربي. لقد فرضت الظروف على جمال عبدالناصر نهجاً معينا في الحكم يقوم على الفردية والانفعالية, ونتيجة لذلك, حدثت لمصر وللعرب اضرار جسيمة لا يمكن نكرانها, إلا ان هذا كله كان من قبيل الخطأ والأمر الواقع المفروض لا الانحراف, وهو لا يمس الاهداف الوطنية والقومية للرجل, كما لا يؤثر في استقامته ونزاهته. نهاية القائد: لقد كانت محنة الانفصال, وبعدها هزيمة حرب حزيران قمينتين بقصم ظهور أصلب الرجال, ومع ذلك خرج عبدالناصر من المحنتين رابط الجأش ماضي العزيمة, ولم يفقد شعبيته المتنامية. والدليل على ذلك انه عندما قدم استقالته المشهورة بعد حرب يونيو, هبت الملايين من الجماهير في مصر والبلاد العربية الأخرى تطالبه بالعودة عن استقالته والرجوع إلى سدة الحكم, فعاد الرجل وتسلم الرسالة من جديد, وبدأ معركة البناء العسكري, وشن ضد اسرائيل حرب استنزاف لا هوادة فيها, وعندما احتدمت الخلافات العربية تأثر عبدالناصر تأثراً غير عادي, فعجز قلبه الرؤوم عن الصمود أمام مآسي الاختصام بين الأخوة العرب, وتوقف عن الخفقان, وليس هناك في العالم اليوم من يعرف ما إذا كان موت عبدالناصر طبيعيا أم مدبراً. لقد تخطف الموت الزعيم العربي العظيم, وهو يناضل في ساحة السياسة العربية, وترك ملايين العرب في حالة لا توصف من الأسى والألم, ولعل أكبر دليل على سمو المنزلة الرفيعة التي تبوأها عبدالناصر في القلوب, ان الجنازة التي أعدت له تعد من أكبر الجنازات في تاريخ البشرية الحديثة, ومع حلول شهر سبتمبر من كل عام يذكر ملايين العرب في كل رقعة عربية ان في أرض النيل الخالد يرقد مثوى رجل كان من أعظم الرجال في تاريخ العرب الحديث. كاتب سوري