كل الاطراف المنغمسين في قضية فلسطين منشغلين بحال منظمة التحرير الفلسطينية, الجميع يتطلع الى المنظمة, الاطار الجامع الجبهوي للعمل السياسي الفلسطيني والممثل الشرعي (الوحيد) للشعب الفلسطيني وقضيته , الفلسطينيون والعرب والاسرائيليون ورعاة عملية التسوية, انصار أوسلو وتوابعها ومعارضوهم. تبدو هذه الظاهرة محيرة بعض الشيء. اذ كيف يلتقي اصدقاء فلسطين واعداؤها على مطلب واحد؟.. وللتعامل مع هذه الاحجية تجدنا بحاجة الى التفاصيل. فكل طرف من هؤلاء لديه اجهزة سياسية خاصة واهداف مضمرة تجاه هذا المطلب. وفي التحليل النهائي, ربما يتضح لنا ان هذا (الاجماع المشبوه) له مبررات حقيقية ومعقولة. فالفلسطينيون في هذا المقام يراوحون بين موقفين: موقف المفاوضين ومحازبيهم, وموقف جماعات المعارضة وقواها, فالمفاوضون من وجهة نظر البعض, امتطوا المنظمة وصفتها الشرعية, الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني, او اختطفوها في قول آخر, وفاوضوا باسمها وبصفتها وتوصلوا الى اطار اوسلو وملحقاته المتوالية, وهي بالنسبة لهم تمثل التكئة المرجعية لكل ما يقومون به, من دونها تسقط مشروعية مخرجات التفاوض, ويصبحون هم انفسهم معلقين في الفضاء, ويفتقدون صدقيتهم امام شركائهم على مسار التسوية, ان الفريق المفاوض لا يملك الادعاء بصحة تمثيله لقضية فلسطين, حتى لو كان ينتمي الى حركة فتح, كبرى فصائل الحركة الوطنية الفلسطينية, لكنه بوضع المنظمة تحت ابطه او بالانضواء تحت عنوانها يملك ذلك بالفعل. قد يقال هنا, ان المنظمة وفقا لهذا التصور تمسي وسيلة لتمرير رؤى المفاوضين, لا سيما ان تعارضت هذه الرؤى ووثائق المنظمة واهدافها الاساسية والمراد منها أصلا.. وهذا صحيح الى حد كبير. ولأن المفاوضات (وفريقها) لم تحقق الكثير لهدف (التحرير) فانها اضحت بنظر البعض منظمة للتمرير لا للتحرير. غياب المنظمة بهذا المعنى, ينزع الغطاء الذي يلتحف به فريق التفاوض, ويجعل مخرجات المفاوضات بلا سند يعتد به, واختصارا, فان هذا الفريق مازال بحاجة للمنظمة كي تسبغ على منهجه المشروعية (بالمعنى القانوني للمفهوم). غير ان حسن النية يقتضي من المراقب تفسيرا اخر أخف وطأة, فثمة امكانية للافتراض بأن المفاوض يتخذ من وجود المنظمة ملاذا يحتمي به ويلوح بامكانية تفعيله عند اللزوم, وبذلك تكون المنظمة في حد ذاتها ورقة تفاوضية بين اوراق اخرى في يد فريق التفاوض. وهذا الافتراض بالتحديد يداعب اذهان البعض وهم يلاحظون صعود وهبوط فكرة احياء المنظمة في مواقيت معينة, والاكثر خبثا منهم, يعتقدون ان حديث الحوار بين فصائل المنظمة, ونماذجه التي برز بعضها بالفعل في اغسطس ,1999 يدخل في باب هذا الافتراض. اما جماعات المعارضة فلها من وراء الدعوة المستمرة للاستعصام بالمنظمة ومحاولة احياء زمنها الذهبي شجون اخرى, ففي اطارها تمكنت بعض هذه الجماعات من ممارسة ادوارها السياسية على المسرح الفلسطيني. وذلك بغض النظر عن وزنها الموضوعي في الشارع السياسي, وهي للحقيقة تمكنت ايضا من لجم جموح القوى المتخفية بالمرونة وطموحها للتعجيل بالوصول الى ممارسة الحكم والسياسة قبل تحقيق هدف التحرير. تعتقد هذه الجماعات, ان مسيرة التسوية بهيأتيها ومنهجيتها منذ مطلع التسعينات, تمثل انحرافا بينيا عن اهداف النضال الفلسطيني والعقد السياسي الذي ابرمته قوى المنظمة مع الشعب الفلسطيني عند البدايات. وهي تتصور ان استعادة المنظمة لدورها ليس أمرا معجزا, فقد خاض فريق التفاوض التجربة واتضح له عقم المسار التفاوضي من حيث الهدف والوسيلة. ومن محاسن عطف المعارضة على منظمة التحرير, دعوتها الى اعادة ترتيب هذا الاطار الجبهوي من الداخل. كانتخاب مجلس وطني جديد والنظر في تفعيله مع بقية المؤسسات, وهي دعوة قديمة ولكنها تكتسب الآن صدقية اكبر باعتبار ان معظم الدول التي تستضيف الشعب الفلسطيني في الملاجئ, توفر لمواطنيها آلية الانتخابات وكان ذلك غير متاح منذ عقدين من السنين وبصفة عامة, ينطوي خطاب تجديد المنظمة ورفض اتخاذ بديل منها بين يدي قوى المعارضة, على حنين لاستئناف النضال الفلسطيني وتنظيم الصفوف لمواجهة اعباء بنود المفاوضين بحملها وحدهم, وتعتقد هذه القوى ان بناء نظام فلسطيني يزيح المنظمة, سيقضي على منجزات حققتها المنظمة بتضحيات جسام وفي زمن لا يمكن تكراره فلسطينياً وعربياً ودولياً, فمن اين للشعب الفلسطيني بالمحددات التي تم في سياقها الاعتراف من كل المعنيين وباستثناء الاطراف المعادية بالحقوق الثاتبة للشعب الفلسطيني كما عرفتها منظمة التحرير لأكثر من ثلاثين عاماً؟ والمعارضة محقة ايضاً, حين تستدعي النموذج الاسرائيلي في التعامل مع ثوابت السياسة الصهيونية تجاه فلسطين مستقبلا, وتنادي بتطبيق هذا النموذج في رحاب المنظمة, انهم يتفقون في اسرائيل على خطوط حمراء لقضايا القدس واللاجئين والحدود والسيادة الفلسطينية وليس غير المنظمة ومؤسساتها يمكنه فلسطينياً تعريف ثوابت مضادة فالسلطة في الضفة وغزة اضعف من ان تتولى هكذا مهمة كما ان تمثيلها للقضية الفلسطينية مشكوك فيه, كونها مشتقة فقط من ثلث الشعب الفلسطيني على افضل الفروض. لعل من المفارقات المثيرة حول مستقبل منظمة التحرير في هذه المرحلة, توقع ان تكون اسرائيل والولايات المتحدة ضمن من يفضلون خيار وجود المنظمة وعدم زوالها بالكلية. ان منظمة التحرير بغير ميثاقها الاساسي وقرارات مجالسها الوطنية, التي حددت ثوابت النضال الفلسطيني واهداف الحركة الوطنية الفلسطينية, لهي اطار مثالي لا ينبغي التفريط فيه, على طريق انهاء قضية فلسطين طبقاً لمواصفات اخرى. فالمنظمة على الرغم من تنحيتها للأهداف التقليدية التاريخية والوسائل ايضاً, ما زالت الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني وهي بهذه الصفة والمواصفات كفيلة بالتوقيع على وثائق التسوية, من غير ان يدعي احد شبهة تصفية القضية ضد ارادة الشعب الفلسطيني وممثله الشرعي (الوحيد) . كأن المنظمة والحال كذلك, لم تكن مرفوضة اسرائيلياً وغربياً بعامة من حيث المبدأ وبلا تعقيب, كل ما في الامر ان المرفوض فيها هو حشوها النضالي, اما ان تم تطويعها ووضعها على المسار بما لا يتعارض مع التصور الاسرائيلي ـ الغربي للحل الفلسطيني فلا بأس من وجودها واعتبارها الشريك الوحيد في التسوية الفلسطينية. وهكذا, يمكن تفهم عدم المطالبة اسرائيلياً او امريكياً بانهاء المنظمة منذ توقيعها على مواثيق اوسلو وتوابعها. المنظمة عند هؤلاء لديها شرعية التعامل مع قضايا ما يسمى بالحل النهائي على المسار الفلسطيني, وهي حتى هذه اللحظة لم تستنفذ مبررات وجودها حتى وان بقيت كما يرى البعض هيكلاً بل ومن المفضل ان تبقى كذلك. وبالطبع, علينا ان لا ننتظر استمرار الشريكين الاسرائيلي والامريكي على تسامحهما مع وجود المنظمة, اذا هي جنحت الى سيرتها النضالية الاولى, او اعادت النظر في مخرجات التسوية, بما ينحرف بها عن الوظيفة المتوقعة منها طبقاً لمرحلة ما بعد مدريد واوسلو. اذا التفتنا الى النظام العربي, وجدنا ان اطرافاً مهمة فيه ما انفكت حريصة على استمرارية المنظمة فمن خلال هذا الاطار الواحد تمكن العرب من مخاطبة الشعب الفلسطيني في كل مكان وليس ثمة مصلحة عربية مؤكدة في غياب هذا الاطار, قبل استقرار بديله علماً بأن السلطة الفلسطينية ليست مؤهلة للاضطلاع بكل الشؤون الفلسطينية حتى الآن هناك خمسة ملايين لاجئ فلسطيني خارج فلسطين التاريخية, معظمهم يقيم في الرحاب العربية الواسعة ولن يتأتى للنظام العربي التعامل بسلاسة وانسيابية مع هذا الكم ان ذهبت ريح المنظمة اللهم الا اذا استخدمت الوسائل القهرية بشكل صريح في هذا السياق. لكن المنظمة لم تكن وليست الآن مجرد اطار يجسر العلاقة بين العرب والفلسطينيين, انما هي ايضاً معبر عن الهوية الفلسطينية الجامعة التي شجع النظام العربي نشوءها ودعمه, للتعبير عن الاشواق العربية في تحرير فلسطين, المنظمة منتج عربي كما هي منتج فلسطيني ولا يجب التقليل من اهمية الدور الذي مارسه هذا الكيان في طليعة النضال العربي ضد الصهيونية واسرائيل وكما تحوي الساحة العربية من يبغي توظيف المنظمة لتمرير اية تسوية كانت لقضية فلسطين, فإنها تضم طيفاً واسعاً من القوى التي ما زالت تراهن على بعث الروح في المنظمة بصفتها النضالية وطبقاً لمواثيقها المهجورة منذ أوسلو. الجدل لا يدور اذن حول بقاء المنظمة من عدمه في هذه المرحلة بل يتعلق بأية منظمة تحرير يريد هذا الطرف او ذاك؟ وتتصل اجابة كل طرف بمنطلقات واهداف وزوايا نظر شديدة التباين. كاتب وباحث فلسطيني ـ القاهرة