يزداد اهتمام المنظمات الدولية بقضايا الحوار, والمشاركة في عملية التنمية, ولكن من الضروري قبل مناقشة الموضوع, التحفظ على التعبير الذي نترجمه للمصطلح الذي تستخدمه بعض المنظمات الدولية مثل (برنامج الامم المتحدة الانمائي) , والذي نظم برنامجا تحت اسم: (الحوار والشراكة في التنمية) , واقصد مصطلح (الشراكة) , الذي تسلل الى قاموس المصطلحات السياسية العربية, فبرز تعبير (الشراكة المتوسطية/ الاوروبية) . وهذا هو التعبير المستخدم في الوثائق الرسمية التي تصدر في اطار الحوار بين الدول العربية المطلة على البحر المتوسط والاتحاد الاوروبي. ومصطلح الشراكة لاوجود له في اللغة العربية. فهو يستخدم كترجمة للكلمة الانجليزية pertnership, وفي القواميس العربية, سوف نجد ان ترجمة اسم الفاعل partner هو : (مشارك) او (شريك) او (قرين) . وترجمة الاسم هو (مشاركة) , وهو التعبير الاصح لغويا, والاكثر الفة على الاذن العربية. ومفهوم الحوار والمشاركة من المفاهيم التي ينبغي الترويج لها على كل مستويات صنع السياسة او اتخاذ القرار. ولا ينبغي ان يقتصر فقط على صنع القرار في المستويات العليا, وانما علينا ان نتمثله في كل امور حياتنا اليومية, بحيث يشعر المواطن انه مشارك في صنع القرار الذي يمس مصالحه. وقد يكون هذا الامر متعلقا باختيار مكان بناء مستشفى, او بنظام المرور في حي معين. لان الناس عندما يشاركون, فانهم يصبحون اصحاب مصلحة في تنفيذ ما شاركوا فيه. والعكس صحيح. فعندما تفرض قوانين او اجراءات تمس حياة الناس بواسطة الاجهزة الحكومية التي تنصب نفسها وصية على الرأي العام, وتزعم معرفة ماهو صالح له, عندما يحدث ذلك, فان خبرة التاريخ تعلمنا ان الناس سوف يجدون الف طريقة وطريقة للتحايل على تلك القوانين والاجراءات, وكثير من مشروعات التنمية التي تم التخطيط لها بواسطة الخبراء لم تحقق نجاحا في الواقع, لان المستفيدين منها كان لهم رأي آخر, وهكذا, فقد استخلص الباحثون في صنع السياسات الاجتماعية والمشروعات التنموية ان مشاركة الناس هي مسألة اساسية, وهي شرط لنجاح اي مشروع او خطة تنموية. ان الحوار والمشاركة وجهان لعملة واحدة, فالحوار يجري بين اطراف تدخل فيه, وتتفاعل في اطاره, وصولا الى اتفاق او نقطة وسط. والمشاركة هي عملية تنظيم هذا الحوار وتشجيعه للوصول به الى نتائج محددة, وهما (الحوار والمشاركة) يقومان على القبول بمبدأ التعددية, اي تعدد الاطراف المشاركة في الحوار. فبالنسبة لاي موضوع, هناك اطراف مختلفة: كالهيئات الرسمية سواء على المستوى المركزي او المحلي, وجمعيات النفع العام او الجمعيات الاهلية, والهيئات المنتخبة, والقطاع الخاص, والجامعات, ومراكز البحوث, وكلما شمل الحوار اكبر عدد من الاطراف ذات الصلة بالموضوع كلما كان القرار الذي يتم الوصول اليه اكثر تعبيرا عن الصالح العام. وهذه التعددية ليست (شكلية) بل تتضمن تنوعا للمصالح والآراء والاجتهادات, فمن الضروري ان يسود الاعتقاد بانه ليس من حق طرف واحد ان يعتبر ما يقول به هو الصالح العام وان ماعداه غير ذلك, وانما الاصح, هو ان الصالح العام هو ثمرة الحوار والتفاعل بين اصحاب الآراء والمصالح المختلفة. وليس هناك اي ضير من الاعتراف بالاختلاف بين مصالح الفئات المكونة لاي مجتمع, فهناك: الغني, ومحدود الدخل, والفقير, وهناك: من حصل على اعلى درجات التعليم, ومن لم يحصل على اي حظ منه, وهناك: الرجال والنساء, وهناك: العامل والفلاح والموظف. وهناك: ابناء الحضر والريف والبدو. ولاشك ان تلك التنوعات تلقي بظلالها على كيفية ادراك كل فئة للصالح العام. ويعتبر الاقرار بالتعددية ـ على النحو الذي عرضت له ـ هو احد العناصر الرئيسية لنمو الديمقراطية وانتعاش المجتمع المدني. ويرتبط بالتعددية معنى آخر, وهو قيمة التسامح, وثقافة الحوار والمشاركة هي بالضرورة ثقافة التسامح, لان احد متطلبات الحوار هو الاعتراف بالطرف الآخر, والاقرار بحقه في التعبير عن رأيه وحقه في تعريف مصلحته على النحو الذي يراه مناسبا له, كما ان استمرار الحوار يؤدي الى خلق الثقة والاحترام المتبادل, وادراك كل طرف انه لايملك الحقيقة المطلقة في القضايا الاجتماعية والاقتصادية, وانما يتم الوصول الى تحديد مفهوم الصالح العام, او الصالح الوطني, من خلال الحوار والتفاعل بين الاطراف في اطار من تلك الثقة والاحترام. ان ثقافة الحوار والمشاركة هي ثقافة المستقبل. ومن الواضح ان التحولات الدولية الراهنة تشير الى ان هذه الثقافة سوف تصبح, بشكل متزايد, جزءا اساسيا من ثقافة العالم الجديد. اضف الى ذلك, ان الدولة, في كثير من انحاء العالم, لم تعد قادرة بمفدرها على الوفاء باحتياجات التنمية. ومن ثم, فان مشاركة القطاع الخاص, والمشاركة الشعبية عموما, اصبحت ضرورة لتحقيق التنمية (المتواصلة) او (المستدامة) , وذلك يتطلب اعادة تحديد وتعريف للادوار وللعلاقات بين جهاز الدولة والحكم من ناحية, وبين قوى المجتمع من ناحية اخرى, وهو ما اسماه البعض بضرورة اقامة (عقد اجتماعي جديد) . عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ـ جامعة القاهرة