هل تذكرون د. مصطفى خليل؟ شهرته الرسمية هي انه رئيس وزراء سابق في مصر. أما شهرته الشعبية هي انه رائد التطبيع مع اسرائيل وأشد الناس قناعة به. مع ذلك لم يجد د. مصطفى خليل حرجاً الآن في امتداح الرئيس جمال عبدالناصر . ان من الصعب ان تعثر على شخصية مصرية بعد الرئيس أنور السادات يمكن ان تكون أكثر تناقضا مع شخصية عبدالناصر كمصطفى خليل ـ خاصة من حيث الرؤية تجاه الدولة اليهودية, وتأسيساً على ذلك ربما تظن ان كراهية مصطفى خليل لعبد الناصر لا مزيد عليها. كان هذا ظني أنا على الأقل إلى ان رأيت وسمعت د. مصطفى خليل من على الشاشة التلفزيونية في الأسبوع المنصرم يتحدث عن (ديمقراطية عبدالناصر) . ان التقييم التاريخي لعبدالناصر الزعيم والرئيس سوف يبقى جدليا طالما ظل مؤيدوه وخصومه على حد سواء عازفين عن تعاطي عادة التفكير الموضوعي المتجرد من العواطف المتطرفة الحادة, المعلن منها والخفي, فهو في نظر المؤيدين ملاك من السماء غير قابل لارتكاب خطأ, أما في نظر الخصوم فهو رمز الشر كله, ولعل اكثر الجوانب اثارة للجدل الحماسي في شخصية عبدالناصر هو ما إذا كان ذلك القائد الفذ ديمقراطيا. الآن يأتي صاحب شخصية سياسية ذات وزن, لا يمكن ان يتهم بأنه من غلاة المؤيدين للرئيس الراحل أو من غلاة خصومه, ليصدر حكما موضوعيا متجردا من العواطف, رغم ان رؤيته السياسية العامة تجاه اسرائيل تتعارض رأسيا مع الرؤية الناصرية. كان د. مصطفى خليل في عهد عبدالناصر وزيرا, ورد على أسئلة من المذيع عماد الدين أديب على شاشة (أوربت) روى المهندس مصطفى خليل طرفاً من حياته الوزارية الرسمية في العهد الناصري فقال ان أكثر الانطباعات رسوخا في ذهنه هو روح عبد الناصر الديمقراطية في اجتماعات مجلس الوزراء, كان الرئيس, إذا عرض رأيا من ناحيته يرحب بأي رأي معارض من اي وزير وكان على الدوام يحبذ ان تتبلور القرارات النهائية لمجلس الوزراء عن طريق التوافق, لا يفرض رأيا لا يتجاوب معه اغلبية الاعضاء ويتجاوب مع ارادة الاغلبية حتى لو تعارضت مع رأيه الشخصي. ولو كان الراوي احد المتعصبين لناصر والناصرية او احد الخصوم المتطرفين لجاز تجاهله كرواية غير موضوعية. لكنه يأتي من شخص منصف رغم انه يمكن ان يصنف كخصم موضوعي لعبدالناصر. وانني من اولئك الاشخاص الذين يرون ان توجهات مصطفى خليل التطبيعية تفيد اسرائيل وتضر بمصر لكن هذا لا يمنعني من ان اشيد بأسلوب التعامل الاخلاقي الذي يتميز به ذلك الرجل. ويمضي مصطفى خليل في شهادته للتاريخ فيروي انه في احد اجتماعات مجلس الوزراء برئاسة جمال عبدالناصر جرت مناقشة حول اسباب هبوط محصول القطن فاقترح احد الوزراء تقديم وزير زراعة سابق هو د. سيد مرعي الى المحاكمة بسبب خطأ سياساته الزراعية. هنا طلب الكلمة د. مصطفى خليل فقال ان الوزير السابق كان يحرص على ان ينال موافقة مجلس الوزراء على كل خطة وكل اجراء قبل التنفيذ. (وعليه, اذا كان لابد من المحاكمة فالانصاف يقتضي ان نحاكم كلنا كمجلس وزراء لا ان يحاكم مرعي وحده) . ولم يغضب عبدالناصر او يعترض. لقد شهدنا محنة اخلاقية في اعقاب رحيل عبدالناصر عندما تبارى اقرب المساعدين للرئيس الاسبق في الاساءة اليه وهو قد غاب نهائيا. ومما يخفف وطأة هذه المحنة ان رجلا واحدا على الاقل صدع بالحق دون رغبة او رهبة.