تختلف الاراء في العالم العربي بخصوص الموضوعات التي تمسه, فبينما كان هناك في السابق ما يمكن اعتباره اجماعا من قبل الرأي العام العربي على مجموعة من الموضوعات العربية, نجد اليوم ان هذا الاجماع قد تراجع الى حدوده الدنيا . وبينما نجد شبه اجماع على ضرورة رفع العقوبات عن الشعب العراقي بشكل او بآخر واجماعا على ضرورة تخليص الاراضي الفلسطينية المحتلة من الاحتلال الاسرائيلي, واجماعاً على القدس الشرقية وعروبتها, والحفاظ على الهوية الثقافية للعرب. ولكن بعد ذلك يسقط الاجماع العربي في خلاف حول الوسائل والوسائط والتفسيرات والحدود. ففي قضية تخليص الاراضي من الاحتلال الاسرائيلي يقع الانقسام بين من يدعو لذلك بوسائل عسكرية ومن يدعو لذلك بوسائل سلمية وتفاوضية, وبينما الاجماع على القدس قائم بين العرب الا ان المؤيدين من العرب لخوض حروب متتالية من اجل تحقيق تحرير شامل لها هم اليوم اقل بكثير من السابق بل تميل نسبة كبيرة اليوم لمبدأ التفاوض, وبينما يجمع العرب على ضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية الا ان قطاعاً كبيراً يرى ذلك عبر الاسلام وآخر يرى ذلك عبر القومية وثالث يرى ذلك عبر الوطنية المحلية, ورابع يرى ذلك ممكن من خلال الانخراط بالعالم من اجل التعليم واكتساب المناعة والمعرفة. وبينما يرى قطاع كبير من العرب بضرورة رفع العقوبات عن الشعب العراقي بل وعن العراق ككل, الا ان الاختلاف يقع عندما تطرح الوسائل, فهناك رأي عام يزداد اجماعا في الخليج لصالح ضرورة رفع العقوبات عن الشعب العراقي لا عن النظام وضرورة ان يطبق العراق القرارات الدولية كوسيلة لرفع العقوبات عنه, الا ان ازمة الثقة بأسلوب وقيادة الرئيس العراقي تقف حائلا امام الكثير من التقدم في هذا المجال. اليوم يمثل العرب دولاً مختلفة ولكل دولة مجتمع ولكل مجتمع فئات وهموم واحتياجات محلية. كل هذا يمثل الحالة العربية في اطارها الموسع حيث تتعدد الاراء والتصورات والاتجاهات. فلكل مجتمع عربي في كل بلد عربي قضية رئيسية, وقضايا فرعية, وقضايا متغيرة محلية. فهناك من يشعر بالخطر المباشر من تركيا, وهناك من يرى الخطر المباشر من ايران, وهناك من يرى الخطر من جار عربي آخر, وهناك من يرى الخطر من اسرائيل, في كل هذا نجد ان العرب كمفهوم متكامل قد اختلف, وان المفهوم الجديد للعالم العربي يجب ان يتسع لتعدد المصالح ولاختلاف الاراء ولاختلاف المصالح والتحالفات والرؤى حول معظم القضايا, عرب اليوم غير عرب الامس, ففي الامس تحدث العرب بلغة العاطفة في وصفهم لتماسكهم ووحدتهم, اما اليوم فقد فرض الواقع نفسه على الامة مما يفرض على كل جزء النظر لوضعه بروح اكثر واقعية... في العصر الجديد الذي نكتشفه اليوم, نرى عالما يصعب بناء اجماع حول قضاياه ونرى واقعا عربياً من الصعب احتواء كل اختلافاته, ونرى حالة يصعب ان نسميها برأي عام عربي متجانس, بل اننا اقرب لوجود عدة عوالم عربية وعدة مناخات ثقافية عربية. ان الامر المقبول في المغرب العربي يختلف عن ذلك المقبول في المشرق, وما هو طبيعي على الصعيد السياسي في الخليج العربي تجده مازال في مجال المحرمات السياسية في المشرق, بل نجد هذا الاختلاف بين بلد عربي والبلد المجاور له... هناك اذن عوالم عربية وهناك رأي عام عربي مختلف في آرائه واتجاهاته, ومن الضروري الاعتراف بهذا الاختلاف وذلك ليجري الحوار على اسس اكثر نضجا واكثر تقبلا لهذا التعدد. استاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت