آخر مكان كنت أتصور أن أقابل فيه الزعيم السوداني الواثق من نفسه الصادق المهدي هو مارينا .. نعم مارينا.. الشاطىء الشمالي الساحر الذي حوله السفهاء منا من جنة إلى جناية .. ومن ثروة إلى عورة .. لكنها معجزة رجل صاغ أفكاره وأحلامه وإيمانه وحماسه من طمي النيل هو الدكتور ميلاد حنا. والصادق المهدي المولود في أم درمان في 25 ديسمبر 1939 هو زعيم حزب الأمة وزعيم طائفة الأنصار .. وهو واحد من الرموز السياسية التي حكمت السودان في عصور الديمقراطية.. أما في العصور الديكتاتورية فكان مصيره إما السجن.. أو المنفى.. وكاد أن يعدم أو يفقد حياته بعد اتهامه بتدبير انقلاب ضد الرئيس الأسبق جعفر نميري. وقد درس في بريطانيا بجامعة أكسفورد.. لكنه لم ينفصل عن جذوره وثقافته.. بل واحتفظ بثيابه الوطنية المميزة رغم أنه يلعب التنس والفروسية.. وكان من أكثر المؤمنين بتطبيق الشريعة الإسلامية تشددا.. على أنه أدرك مؤخرا أنه لا مفر من أن تكون المواطنة لا الديانة هي أساس الدولة الحديثة.. وأعترف أنني لم استمتع بحوار سياسي على المستوى الذي جرى معه منذ سنوات طوال في مصر.. فأغلب الحوارات السياسية في مصر منذ فترة ليست قريبة تدور حول ما يجري في كواليس الصراع والبقاء والثراء.. لا حول الأفكار والأحلام. كان الحوار نوعا من (الدردشة) أو (الونسة) كما يسميها السودانيون.. شارك فيها.. خالد محيي الدين.. وصوفي أبو طالب.. وعائشة راتب.. وهاني عنان.. وطارق حجي.. وأنا .. وكان هناك مثقفون وسياسيون سودانيون أيضا.. هم إبراهيم اللميس.. ومحمد يوسف.. والشيخ محجوب.. وتوفيق بيومي.. وهم من رموز العصر الديمقراطي الذي كان من قبل في السودان.. وحرمت أصول الضيافة ربة البيت الصحفية ايفلين رياض من المشاركة في الحوار. جاء الحوار في وقته تماما.. فبعد أيام قليلة.. بالتحديد في 15 سبتمبر تنتهي مهلة الشهور الثلاثة التي منحها الكونجرس الأمريكي لتنفيذ قراره رقم 75 لدورته رقم 106 والذي يطالب فيه مجلس الأمن والبيت الأبيض بفرض الحظر الجوي على السودان وخاصة على الجنوب تمهيدا لفصله عن الشمال وإدانة أي دولة تساند النظام السوداني وتقدم له الدعم المادي.. وقد برر الكونجرس قراره بمقتل مليون و900 ألف شخص بسبب الحرب الأهلية والمجاعات بخلاف ملايين من الأشخاص هاجروا لنفس السبب وملايين أخرى معرضون للجوع والعبودية والتعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان (راجع د. ميلاد حنا الذي كان أول من نبه إلى خطورة هذا القرار في الأهرام 20 يونيو 1999). إن هذا الوضع هو ما جعل الصادق المهدي ينتقد السياسة الأمريكية ويصفها بأنها تطلق الرصاص على قدمها.. وأن تصرفاتها المباشرة تتناقض مع أهدافها الاستراتيجية.. فلو كانت واشنطن تريد إسقاط النظام السوداني فهي بتصرفاتها تطيل عمره وتضاعف من حجم التعاطف معه في الداخل والخارج.. فالغارة التي شنتها على مصنع الدواء في صيف 1998 (ردا على تفجير سفارتيها في نيروبي ودار السلام) مدت من عمر النظام ولم تضعفه.. ومنحته فرصة دعائية هائلة.. فقد أصبح المصنع (مصنع الشفاء مزارا سياسيا وسياحيا ودينيا) وبدا النظام ضحية لقوى عاتية شرسة متغطرسة هي الولايات المتحدة الأمريكية .. الشيطان الأعظم .. وهو ما يمكن أن يتكرر لو نفذت واشنطن قرار الكونجرس.. فالنظام السوداني على استعداد للتضحية بالجنوب للخروج من المستنقع الذي وضع نفسه فيه.. لكنه سيبدو مجبرا على ذلك لو تدخلت واشنطن ونفذت بيدها ما كان مستعدا له بكامل وعيه.. وفرضت حظرا عسكريا وجويا على الجنوب.. وهو ما سيعطي النظام السوداني المتهالك الفرصة للبكاء والنحيب.. وهو أيضا ما سيحرج المعارضة السودانية ويضعها في موقف لا تحسد عليه.. وفي النهاية سيستمر النظام رغم كل الأخطاء والخطايا التي ارتكبها.. وسيواصل ارتكابها. وفي تقدير الصادق المهدي أن أجندة النظام السوداني فقدت صلاحيتها.. وهي أجندة كانت مكونة من أربعة بنود هي: الجهاد الإسلامي .. وعدم التعددية السياسية.. وتصدير الإرهاب تحت شعار الأمة الإسلامية.. وإخضاع الجنوب لحكم الشريعة. ان حوالي 3 ملايين سوداني معرضون للموت جوعا.. وهناك 4 ملايين غيرهم في حاجة لمساعدات عاجلة.. ووصل التدهور بالنظام إلى حد قيام المليشيات الشعبية الحكومية بغارات تهدف إلى اقتناص العبيد والعودة بالبلاد إلى عصر الرق.. وفشلت خطة إسقاط النظم المجاورة في مصر وليبيا وأوغندا.. وفقدت الجبهة الإسلامية تعاطف الأجيال الجديدة معها .. خاصة في الجامعات.. وراحت دفعات كاملة من طلبة المدارس الثانوية ضحية دفعها إلى القتال في الجنوب .. وهربت دفعات أخرى من الموت بأرخص الأسعار .. وبلا مقابل. إن السودان بحكم تنوعه الثقافي والحضاري والديني لا يمكن أن يتقبل فكرة واحدة.. وديانة واحدة.. وسلطة واحدة.. لا مفر من التعددية في كافة مجالات الحياة.. وكل الذين لم يدركوا هذه الحقيقة سقطوا على الأرض ودقت أعناقهم .. ولو كانت هناك شرعية ممتدة منذ ثورة يوليو 259f رغم تنوع مظاهر النظام السياسي في مصر .. ولو كانت هناك شرعية وراثية ملكية في بلاد أخرى فإن طبيعة السودان تجعل شرعية الحكم وتداول السلطة فيه تقوم على التعددية السياسية.. ان هذه التعددية ليست ترفا ولا فكرة نظرية تبحث عن فرصة للخروج إلى الواقع.. وإنما هي ضرورة للبقاء والاستمرار مثل التنفس.. وإلا مات النظام ومات معه السودانيون بالاختناق وإسفكسيا الغرق. ولو كان السودان هو أخطر مجال حيوي للأمن القومي المصري فإنه لابد أن ندرك هذه الحقيقة.. وأن ندرك أن صورة الحكم في الخرطوم ليست بالضرورة صورة في المرآة لصورة الحكم في القاهرة.. وأن العلاقات مع السودان يجب أن تقوم على أسس جديدة مختلفة غير العواطف والمشاعر التي قسمت السودانيين إلى نصفين.. نصف يحب .. ونصف يكره.. نصف يفتح صدره.. ونصف يعطينا ظهره. ان العلاقات مع السودان الآن ليست حريرا في حرير.. هي في حاجة للتغيير.. وإعادة التقدير .. في حاجة للقيام على أسس جديدة من المصالح .. وبجانب المصالح لا مانع من الحب .. لكن الحب وحده لا يكفي.. فنحن في الحب نركن من نحب على الرف وكأننا حصلنا منه على شهادة ضمان بالوفاء حتى آخر العمر ومهما كانت تصرفاتنا.. فليس من شروط الحب أن لا نرى أمامنا ولا نرى وراءنا .. وأن نجهل طبائع من نحب. وقد تسبب سوء الفهم للعلاقات مع السودان في وجود نظام نجح في الإضرار بنا .. فقد صدر العنف من الجنوب.. وبدلا من أن يأتي الخير مع النيل جاء الإرهاب الذي ضرب السياحة في مصر ضربات موجعة.. وكاد أن يتسبب لولا عناية الله في اغتيال رئيس الدولة.. ويمكن أن يستمر الضرر سواء استمر النظام أو لم يستمر.. فالعبارة ليست في طبيعة نظام الخرطوم فقط وإنما في طبيعة تعامل نظام القاهرة معه أيضا.. فكثيرا ما كانت الخلافات قائمة ومحتدة بين القاهرة والخرطوم في أوقات حكم الصادق المهدي.. بل لعل ما كان شائعا عنه هو أنه لا يحب مصر.. لكنه يقول: ان أخطر ما يثير حساسية السودانيين هو أن تتعامل معهم مصر وكأنهم تابعين لها .. وستختفي الحساسية يوم يشعر السودانيون أن المصريين يعاملونهم بالقدر الطبيعي من الاستقلال والمساواة .. ساعتها يمكن أن يندمج السودان في مصر وهو في قمة السعادة. ولعل أخطر ما قاله الصادق المهدي في هذه (الونسة) الصيفية: ان مياه النيل التي تشكل محور الأمن القومي المصري في السودان أصبحت في هذا العصر أهم وأغلى من البترول.. ورفعت ثراء البلدين دون أن يدركا ذلك.. ويمكن أن تكون سبب المزيد من الفرقة والقلق بينهما .. ومجالا خارجيا للتآمر عليهما. وفي ظل المتغيرات الدولية والكونية الأخيرة ليس هناك ما يمنع بعض دول حوض النيل من أن تعلن خصخصتها للمياه التي تحصل عليها وبيعها لمن تشاء.. وبالطريقة التي تشاء.. وليس هناك ما يمنعها من القيام بذلك. ويمكن طبقا لهذا التصور الذي أراه واقعيا أن تسعى إسرائيل لشراء جزء من حصة مياه أي دولة من دول حوض النيل على أن تنقلها عبر مجرى النهر الطبيعي وتحصل عليها من المصب.. أي من مصر.. وفي ظل التواجد الإسرائيلي في منطقة منابع النيل وفي الدول التي يجري فيها يمكن أن نشعر بخطورة هذا التصور وسهولة وقوعه.. وفي ظل القوة والهيمنة الأمريكية يمكن تنفيذ ذلك بالقوة.. أو على الأقل التهديد بها.. وستكون حجة إسرائيل هي أنها لم تحصل على المياه من أي دولة عربية وإنما حصلت عليها من دولة أفريقية.. وكل ما على السودان أو مصر أن تفعلاه هو ترك المياه تجري في مسارها الطبيعي لتحصل عليها إسرائيل في المكان المناسب.. ويمكن أن تعلن استعدادها لدفع ثمن تأجير النهر لنقل ما اشترته من المياه. وبعيدا عن إسرائيل فإن طرح فكرة خصخصة مياه النيل وبيعها لأي دولة غير دولها سيثير نزاعات وخلافات تهدد هذه الدول بما هو أكثر من المشاكل السياسية والحروب الإعلامية .. وهو ما يعني ضرورة الاهتمام بهذه القضية الحيوية قبل فوات الأوان. والخطوة الأولى هي إعادة النظر في العلاقات المصرية السودانية على أسس جديدة.. مختلفة.. وإعادة الترابط بين البلدين على قواعد العقل لا القلب فقط.. خاصة وأن السياسة الأمريكية تقسم إفريقيا إلى منطقتين .. منطقة شمال الصحراء الكبرى (شمال أفريقيا الواقعة على البحر المتوسط) وتركها للنفوذ الأوروبي .. ومنطقة ما تحت الصحراء وتركها للنفوذ الأمريكي .. وطبقا لهذا التقسيم تكون مصر في المنطقة الأولى والسودان في المنطقة الأخرى.. ومن ثم تزداد عوامل الانفصال بينهما. وكان لابد من تساؤل عن مصير جون قرنق الزعيم الجنوبي الذي ساهم بالقوة والحرب في تكسير أجندة النظام في الخرطوم.. ما هو مصيره لو تغير النظام في الخرطوم.. أين موقعه من خريطة التعددية السياسية في وقت تجرى فيه مفاوضات بين الحكومة والمعارضة من أجل الإصلاح السياسي الذي لا مفر من وقوعه سواء بالتفاوض الآن أو بالقوة فيما بعد؟ كان رأي الصادق المهدي مفاجأة .. فقد قال ان الأسس التي يجب التعامل بها مع الجنوب لابد أن ترضيه.. وهي فصل الدين عن الدولة في السودان وجعل المواطنة لا الديانة أساس الجنسية.. وهو تغير حاد فرضته التجارب الدموية المريرة في السودان على الجميع بما فيهم الصادق المهدي نفسه الذي كان من المتشددين في تطبيق الشريعة الإسلامية في السودان.. وهناك اعتبار آخر هو توزيع الثروة والسلطة بين الشمال والجنوب بحيث لا يعود الجنوب إلى ما كان عليه من فقر وقهر .. ويعود الشمال إلى ما كان عليه من "تكويش" للسلطة والثروة. والأهم من ذلك بالطبع توفير ظروف الحكم الذاتي للجنوب والوصول به إلى منطقة الأمان النفسي والاستقرار السياسي. وهنا لابد من الاعتراف بأن قوة قرنق عسكرية أكثر منها سياسية.. لذلك فهو يريد أن يحقق ما يريد الآن وفي ظل السلاح.. وليس من مصلحته التأجيل إلى ما بعد نهاية الحرب.. فلن يجد قوة سياسية تسنده وتحقق له ما يريد أو على الأقل تمنحه مكافأة سنوات الحرب الطويلة في الجنوب. ان هذا الحوار الذي جاء على غير موعد قد ضاعف من سخونة هذا الصيف .. ولكن نحمد الله على أن الفرص لم تضع.. وأن القضايا الحرجة التي فجرها يمكن تداركها في الوقت المناسب .. على أن من المهم أن نقرأ.. وأن نستوعب.. ونتدبر.. ونتصرف.. قبل فوات الأوان.. وألا تشغلنا صراعات وتنبؤات من يبقى ومن يرحل عن ما هو أهم وأخطر.