صباح يوم 24 اغسطس 1986 يوم الأحد غادرت ارض الوطن الى فرانكفورت بألمانيا وعشية يوم الاربعاء 4 اغسطس 1999 نزلت على ارض الوطن بعد 13 سنة غربة عن الوطن . وبين اليوم الأول واليوم الثاني تمتد 13 سنة طويلة, جعل لي الله فيها اوطانا اخرى واحبة واخوة. رجعت الى تونس بفضل مبادرة الرئيس زين العابدين بن علي حفظه الله وسعي كريم من بعض اعضاء الحكومة وكذلك سفير تونس لدى دولة قطر الصديق محمد البلاجي والزميل محمد الهاشمي الحامدي صاحب جريدة ومحطة تلفزيون (المستقبل) بلندن. وكان لقائي ولقاء اولادي بوطننا لقاء مؤثرا وعاطفيا. فالوطن قبل كل شيء يعني كل شيء. هو التراب ورائحة الياسمين والزيتون وهو البحر المتوسط اللازوردي الدافىء وهو اللهجة التونسية الوديعة التي تبدأ بالتحية.. بعبارة (نهارك طيب) تسمعها في الحلفاوين وباب سويقة بتونس وباب زويلة بالمهدية وباب بحر بسوسة. والوطن هذه المرة كان اكثر من ذلك, فقد رأيت جغرافيا تونس تغيرت بكثرة الجسور والطرقات السريعة والمرافق والسدود والعمارات الشاهقة والمصارف والاحياء السكنية الجديدة. لم أعد اعرف الشوارع والمدن والقرى من كثرة البنية التحتية التي غيرتها نحو الافضل والاكبر.. لقد تأكدت ان تونس تدخل بقوة الى القرن الحادي والعشرين, فانتشار الكمبيوتر غيّر وجه الادارة وحول حياة الناس الى الايسر.. قيل لي ان هناك وزير الكمبيوتر في حكومة الرئيس بن علي حتى يسهر على تطوير وانتشار الاعلامية في كل مجالات المجتمع. وجدت تونس اخرى مختلفة عن تونس التي غادرتها عام 1986. تونس لها نوع مختلف من الآفاق ومن المشاكل ومن التحديات, لكنها تونس ناهضة ومعتدلة ومتوازنة, وانا واثق من انها مقدمة على عهد افضل من الوفاق الوطني والسلام الاجتماعي وحرية الاختلاف سوف تزيدها تحصينا وتطعمها ضد الهزات والنكسات. من جهة اخرى وجدت بالطبع عددا اكبر من شباب تونس, جلهم يحمل شهادات او حاصل على خبرات ويود ان يحقق مبادرات خاصة واكتشفت بسعادة ان الدولة بتوجيهات من الرئيس تفتح ابواب الرزق والعمل والتأهيل في وجوههم وتوجههم وترافق بالتشجيعات والقروض الميسرة خطواتهم الأولى وتحميهم من العثرات والمغامرات. واكتشفت ان الدولة حافظت على خيار الاولوية للتربية والتعليم وترصد لهما حوالي ثلث الميزانية مما يدعم مكسب الرهان على الانسان. هذا الانسان التونسي الذي يتمتع (بالبارابول) وهو ما يسميه الشرقيون (الدش) يعطي للناس حرية اختيار القنوات التي يشاهدونها. انا واثق من ان الرئيس يسعى الى جمع شمل كل التونسيين بفتح الباب امام عدد اكبر من المغتربين لسبب او لاخر, خاصة الذين يختارون العمل الوطني الصالح ضمن المجتمع المدني والذين لا قضية لهم او مشكلة مع الوطن. فقد صادفت خلال هذه السنوات الطويلة في المنفى عددا من الزملاء والاخوة الذين كانت لهم بعض المشاكل السياسية مع عهد الرئيس السابق بورقيبة وسويت تلك المشاكل الطفيفة بفعل الزمن الذي من طبعه العفاء اي انه يمحو تماما كما تمحو الامواج آثار اقدام رمال البحر. لقد وجدت تونس كذلك في وجوه الاطفال اللاعبين وفي عيون الحاجة الوالدة المتعبة بثقل السنوات ومرارة الفراق والتي احتضنتني واحتضنت اولادي لاول مرة وابتسمت من الاعماق.. وجدت تونس في الامل العريض امامها وامام كامل اقليم المغرب العربي وهو يسعى نحو السلام والتقدم والوحدة. فالسلام على تونس الخضراء دائما ولنا احاديث اخرى عن رحلة العودة.