اعتاد التلفزيون الاسباني أن ينغص حياة الذين يقررون البقاء في بيوتهم خلال فترة الصيف ولا يذهبون للاستمتاع بالشواطىء الجميلة سواء المطلة على البحر المتوسط أو على الاطلسي , لذلك فهو يقرر على الذين اختاروا المدن أو تم إجبارهم على اختيارها, لأن قضاء وقت ممتع على الشواطىء في هذا الوقت من السنة يكلف أضعاف ما يكلفه وقت مماثل في أي شهر آخر غير أشهر الصيف الثلاثة, الاختيار ما بين ما تعرضه قنوات التلفزيون الخاصة على جماهيرها من برامجها المملة التي لا تعدو أن تكون سوى لملء فراغ الساعات الطويلة التي تضرب فيها الشمس شوارع المدن فيلجأ الناس إلى قضاء القيلولة في بيوتهم, أو بين اختيار القناة الحكومية التي تعرض مسلسلات مملة مطولة يصل بعضها إلى أكثر من مائة حلقة, وتتسع كل حلقة زمنيا لتفوق في أحيان كثيرة الثلاث ساعات, وهي حلقات من إنتاج شركات أمريكية لاتينية وبشكل خاص فنزويلية. لكن ما بين هذه الاختيارات الصعبة التي يعانيها سكان العاصمة مدريد وغيرها من المدن الاسبانية في صيف كل عام, وأنا واحد منهم, كانت هناك إمكانية الهروب من الملل إلى مشاهدة حلقات من تلك التي يطلق عليها مبرمجو التليفزيون اسم (ريالتي شو) أي (الفرجة الواقعية) , وكانت فرجة هذا العام تتكون من حلقات (محاكمة الدكتاتور) التي يلعب بطولتها دكتاتور التشيلي السابق الجنرال أوغوستو بنوشيه, التي طالت كثيرا ووصل عدد حلقاتها حتى الآن لتملأ فراغا في البرامج التلفزيونية لأكثر من 11 شهرا كاملا, أي لأكثر من 300 حلقة. كانت البداية في مسلسل (محاكمة الجنرال) مشجعة جدا, لأنها كانت حيوية, ابتهج لها الذين شاهدوا لأول مرة دكتاتورا من دم ولحم يتحرك على الشاشة كأسد جريح تم اصطياده من إحدى الغابات, على الرغم من أن الجنرال كان يحاول دائما أن يبدو متماسكا, فيزم ما بين حاجبيه عندما يتعرض لفلاشات الكاميرات, أو ينتبه إلى أن كاميرات التلفزيون تتابعه عن بعد. وكانت تصريحاته أمام تلك الكاميرا تنم عن شخصية (وحشية) لم تفقد تماسكها وتمسكها بالعنف الذي تدربت عليه ومارسته, فقد صرح في اكثر من مرة انه لو عاد الزمن إلى الوراء سيفعل الشيء نفسه الذي فعله, والذي يوجد بسببه أمام المحكمة في لندن, أي انه سوف يعود ليغتال الرئيس المنتخب سلفادور الليندي, ويعذب ويقتل الآلاف من أبناء الشعب التشيلي, كما فعلها في سبتمبر عام 1973. الممثلون الآخرون في تلك الحلقات كانوا في البداية يمثلون أدوارا لها بريق ديمقراطي يوحي بأن الحلقات التي نراها جادة وتحمل رسالة, فأكد أكثر من رئيس وزراء ووزير في الحكومات الأوروبية أن الجنرال يستحق المحاكمة, بل ويدعمون أن تتوصل المحكمة إلى الحقيقة مهما كان الثمن, منهم رئيس الوزراء البريطاني توني بلير, أو وزراء فرنسيين, بل أن الرئيس الأمريكي بيل كينتون أعلن أنه على استعداد لتقديم العون للمحكمة التي تحاكم الجنرال, وذلك من خلال فتح ملفات الانقلاب الذي قاده في التشيلي تحت إدارة المخابرات الأمريكية, خاصة أن الدكتاتور متهم أيضا بعدة جرائم ارتكبها في الأراضي الأمريكية حين قامت مخابراته باغتيال وزير سابق في حكومة الرئيس سلفادور الليندي بنسف سيارته, وراح ضحية الحادث نفسه مساعدة الوزير وسكرتيرته الخاصة, وهي مواطنة أمريكية, أي أن الدكتاتور مطلوب للمحاكمة أيضا في الولايات المتحدة. إضافة إلى فتح ملف الصحفي الأمريكي الذي اغتاله رجال الجنرال بعد الانقلاب بأيام قليلة, والذي انتقلت قصة حياته إلى السينما في الفيلم المعروف باسم (المختفي) , والذي فضح دور المخابرات الأمريكية ووزير الخارجية المعروف هنري كسينجر في هذا الانقلاب. هناك ممثلون في الحياة السياسية كانوا يلعبون أدوارا مختلفة في حلقات أخرى من هذا النوع (الريالتي شو) , كانوا في أدوارهم السابقة يطالبون بحماس بنشر الديمقراطية في العالم كله ولو بالقوة, بل كانوا في البداية يطالبون برقبة أي دكتاتور يسير على وجه الأرض, بعضهم اعتزل التمثيل, لكنهم عادوا إلى الأضواء في هذه الحلقات بأدوار جديدة, بعد أن قرروا تغيير أدوارهم في الحياة, قرروا تغيير أدوارهم في حلقات (محاكمة الجنرال) أيضا. فشاهدنا رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر تطالب بإطلاق سراح الدكتاتور السابق فورا وبلا شروط, دفاعها الوحيد عنه أنه لم يكن دكتاتورا كما يعلن العالم كله, بل كان صديقا لبريطانيا, وبفضله استطاعت تاتشر أن تفلت من هزيمة شنيعة في حرب الفولكلاند التي واجهت فيها الجيش الأرجنتيني, لولا الجنرال ومساعداته العسكرية, بالإضافة إلى المساعدات الأمريكية بالطبع, ما كان يمكن للجيش الملكي البريطاني أن ينتصر في حرب تقع على بعد آلاف الأميال من أراضيها. البعض حاول الهروب من دوره, فكان يمتنع عن التعليق, وعندما يجد نفسه مضطرا إلى المشاركة في حلقات (محاكمة الجنرال) كان يحاول أن يختصر في المشاهد التي يلعبها, أو يتلفظ بجمل لا تقول شيئا, مثل (نحترم القضاء) أو (الجميع سواء أمام القانون) , وهذه الأدوار لعبها باقتدار رئيس وزراء اسبانيا وأعضاء حكومته, لأنهم كانوا يرهبون من البوح بأفكارهم. أما دور الرجل القبيح في هذه الحلقات المطولة فكان مسندا إلى النائب العام الاسباني ومساعديه, لأن أدوارهم كانت لا شيء سوى الحط من قدر القاضي الذي كان يجمع الأدلة, بل أنهم في أحيان كثيرة تعدّو دور الشرير في الحلقات إلى دور الشر نفسه, وعلى ا لرغم من الهزائم المتكررة التي منوا بها كانوا لا يتوقفون عن البحث عن مبرر, حتى أن النائب العام اعتبر (الانقلاب الدموي) الذي قاده الجنرال ليس إلا (حركة تصحيحية) لتطبيق القانون والدستور (!), ذلك الدستور الذي كان أول ضحايا الدكتاتور. حلقات (محاكمة الدكتاتور) كانت مسلية في بداياتها, وناجحة جماهيريا جدا, لأنها كانت مكتوبة بإحكام وتقدم قضية محبوكة, وتنطبق عليها جميع قواعد اللعبة الدرامية, لكن مع اقتراب الصيف يبدو أن البرامج والمسلسلات الصيفية ألقت عليها بظلها, فإذا بمسلسل (محاكمة الدكتاتور) يتحول إلى مسلسل صيفي ممل بسبب تدخل سىىء من جانب بعض القوى التي تحاول تفكيك القضية, بعد أن تبين خطورة النتيجة النهائية للمحاكمة, خاصة أن الأصابع بدأت تشير إلى شركاء للدكتاتور في الجريمة, شركاء لم تفلح إزالة أسمائهم من وثائق المخابرات الأمريكية قبل نشرها, أسماء لو انضمت إلى المسلسل لمنحته بطولة جديدة, مثل شخصية وزير الخارجية الأمريكي مدبر الانقلاب هنري كيسنجر, الذي اختفى من على قوائم السفر إلى أوروبا منذ القبض على الدكتاتور في لندن. لذلك كان لا بد من تعديل أدوار بعض أبطاله, ودخول أبطال جدد للعب أدوار غير طبيعية, أدوار ممثلين يمكنهم إفساد خط التصاعد الدرامي, منها دور المحامي المدافع عن الدكتاتور, وهو دور رديء لأنه يبدو مكتوبا على عجل, لأن أول تصريحاته كانت غير متسقة مع سير المحاكمة, ومنافية للقوانين سواء تلك التي تنطبق على الدكتاتور أو التي تنطبق على غيره, والتي يسميها رجال القانون باسم (القانون الطبيعي) , لأنه من غير المعقول أن يقول رجل قانون يقوم بتدريس هذه المادة في أعرق الجامعات أن (قتل ثلاثة آلاف مواطن) ليس جريمة, لأنه أنقذ البلاد من حرب أهلية (محتملة) لو لم يتدخل بانقلابه العسكري ضد الرئيس المنتخب ديمقر اطيا(!). بل يعلن أن الجنرال لم يكن دكتاتورا على الإطلاق, وأنه غير مسؤول عن أي شيء, لأنه لم يقتل أحدا من هذا العدد الضخم من الضحايا, الذي تعترف به الوثائق الرسمية, ويعترف به الجنرال نفسه, ببساطة لأنه لم يمسك برقبة أحد ويذبحه بيده(؟!), أي أنه طبقا لرأي المحا مي لم يرتكب الجريمة (ماديا) . يبدو أن كاتب حلقات (محاكمة الدكتاتور) قرر أن يتحول إلى شرير, أو أنه واجه ضغوطا من جماعات ودول معينة, فقام بتعديل دور الدكتاتور من رجل عنيف يعترف بقتل المواطنين, ويعلن استعداده للعودة إلى قتلهم من جديد لو وجدهم أحياء, إلى لعب دور الضعيف المريض, بل ويطالب بتطبيق اتفاقيات حقوق الإنسان, ويطالب بإطلاق سراحه رحمة بسنه التي تتعدى الرابعة والثمانين, وحماية له من التعرض لاكتئاب قد ينغص عليه ما تبقى من حياة في هذه الدنيا(!). هكذا وجد متفرجو الصيف في اسبانيا أنفسهم فجأة أمام صورة رجل مريض متهالك يتوكأ على عصا والدموع في عينيه, ومحاموه يطلبون العفو والرحمة وتطبيق اتفاقيات حقوق الانسان, وهو الذي لم يرحم احدا, وأعلن مرارا عندما كان لا يزال جنرالا وحاكما أعلى لتشيلي أنه لا يوجد شىء اسمه (حقوق إنسان) , وأن الحقوق التي يعترف بها هي تلك التي يضعها بنفسه وتتضمنها أفكاره فقط, لأنه الحاكم الأعلى الذي اختارته العناية الإلهية لفعل ما فعل. مسلسل (محاكمة الدكتاتور) كشف الوجه القبيح للنظم الديمقراطية الغربية, وأكد من جديد على ازدواجية الكيل عند التعامل مع قضايا تخص دول خارج نطاقها, حتى لو كانت تلك الدول تدور في فلكها. كاتب مصري مقيم في اسبانيا