الثقافة هي جملة قيم ومعتقدات وعادات وفنون وانماط سلوك المجتمعات. وقد عد العادون عشر الف ثقافة انسانية حية. ويتداخل مفهوم الثقافة مع الحضارة, لان الثقافة اذا صارت كاتبة حاسبة واستقرت في حواضر وتجاوزت الطابع المحلي صارت حضارة, حضارات الانسان المعتمدة بموجب هذا التعريف تبلغ عشرين حضارة اندثر اغلبها وبقيت ثمان حية. السودان على باب مولد ثان في ثلاثة مجالات وفي ثلاثتها للمكون الثقافي دور مفتاحي. المجالات المذكورة هي: المجال الوطني: السودان يخوض تنازعا يوشك ان يفصل عراه واضعا الوطن امام احد خيارين: ان يكون او لا يكون. المجال الاقليمي: هناك تداخل زاد بروزه مؤخرا بين شعوب حوض النيل طولا, وشعوب حزام السافانا عرضا... هذا المجال الجيوسياسي زاخر بتنوع ثقافي طيفه عريض. المجال العالمي: اندفاع العالم منذ نهاية الحرب الباردة نحو العولمة ذات الاصداء الكبيرة على حضارات الانسان وثقافاته يوجب التساؤل عن مصير تلك الثقافات في عهد العولمة. فيما يلي اقدم مشروع استراتيجية ثقافية عبر ثلاثة محاور: المحور الوطني وجدت في اراضي سودان اليوم حضارات وثقافات متنوعة منذ الازل, منها الحضارة النوبية والمسيحية في الشمال, والتبداوية المرتبطة بحضارات حوض البحر الاحمر في الشرق, والثقافات النيلية المرتبطة بالثقافة البانتونيلية في الجنوب, والثقافات الزنجية المرتبطة بشريط السودان التاريخي وبغرب افريقيا في الغرب. دخل الاسلام السودان الشمالي سلميا. بل كانت الحدود بين الدولة الاسلامية التاريخية والدولة السودانية المسيحية في شمال السودان هي الوحيدة المحكومة بمعاهدة سلام في التاريخ القديم. وفي ظل هذا التعايش تعددت العلاقات والهجرات التي جعلت الاسلام يحل محل الاديان السابقة له لاسيما المسيحية في شمال السودان. التمدد الاسلامي السلمي خلق درجة عالية من التسامح بين اهل السودان وابقى على درجة كبيرة من التعددية الثقافية. تبع دخول الاسلام مرحلة تشرب الثقافة العربية الاسلامية ولقاحها مع الثقافات المحلية في اصقاع السوداني الشمالي حيث بقي الجنوب بعيدا عن التأثير العربي الاسلامي, من تلك الممالك: الكنوز في اقصى الشمالـ الفنج في الوسط ـ الفور وتقلي والمسبعات في الغرب. تلك السلطنات عاصرتها مشيخات وسلطات قبلية, ولم تبرز حتى ذلك الحين حدود السودان المعروفة حاليا. الغزو التركي للسودان 1821م اقام اول دولة مركزية فيه, وترك اثرا ثقافيا محدودا ومحصورا في الطبقة الحاكمة وسدنتها في بعض الحواضر, فبدت ثقافة حاكمة موالية للاجنبي فتعاملت معها الدعوة المهدية كقشرة خبيثة. كانت المهدية مندفعة بأجندة اممية اسلامية استهدفت توحيد وتحرير السودان كمرحلة اولى لبرنامجها الاسلامي الاممي. وفي سبيل ذلك طبقت المهدية واحدية ثقافية صارمة. الاستعمار الثنائي الذي اطاح بالدولة المهدية مستغلا الانقسام الذي دب في الصف السوداني اقام دولة مركزية ثالثة. دولة الحكم الثنائي التزمت سياسة نحو ثقافات السودان مرتكزة على ثقافة المركز افضت الى صورة ثنائية بين المناطق السالكة ـ وهي اقاليم الشمال ـ والمناطق المقفلة ـ وهي اقاليم الجنوب. الحكومات الوطنية التي توالت على حكم السودان منذ استقلاله اعتبرت تلك الثنائية خطيئة استعمارية, وبافتراض ان بناء الدولة القومية ينطلق من وحدة ثقافية اندفعت لتجعل ثقافة المركز ثقافة السودان. هذه الواحدية الثقافية التزمت بها الوطنية الديمقراطية التزاما ناعما تتخلله درجة من الحوار ودرجة من المشاركة. الحكومات العسكرية الصرفه والمتحالفة مع احزاب الايديولوجيات الشمولية التزمت بواحدية ثقافية خشنة بلغت دركا من السوء على عهد مايو المباد, ولكنها على عهد (الانقاذ) حطمت كل رقم قياسي في فرض واحدية ثقافية بالعصا والحديد والنار... المدهش حقا ان هذا التعصب الاعمى حل بالسودان في وقت انهيار حائط برلين وبداية صعود التيار الديمقراطي, وبشائر حقوق الانسان عالميا. وداخليا تنادت كل القوى السياسية ـ ما عدا صناع الانقلاب ـ للبرنامج الانتقالي الذي وقع عليه 29 حزبا ونقابة, والذي اكد العزم على عقد مؤتمر قومي دستوري في 18 سبتمبر 1989م مؤتمر من بنود اجندته حسم قضية الدين والدولة, والهوية السودانية, والمشاركة العادلة في الثروة والسلطة. النظام الانقلابي الجديد ادان هذا التوجه وخونه وفرض واحديته الثقافية. القوى السياسية التي اطاح بها الانقلاب والتي اجرت ذلك الحوار واصلت حواراتها مع الحركة الشعبية وحلفائها داخليا وخارجيا, عبر حلقات الحوار في الداخل, وعبر المؤتمرات في الخارج التي بلغت قمتها في مؤتمر اسمرا للقضايا المصرية في يونيو 1995م حيث تقرر الآتي: * التخلي عن الاحادية الثقافية واعتماد السودان وطنا متعدد الديانات والثقافات والاثنيات. * ابعاد الدولة الدينية او القومية بمفهوم اثني لصالح الدولة المدنية التي تقوم على المواطنة اساسا للحقوق الدستورية. * الاعتراف بوجود فجوة ثقة لا تسمح بافتراض الوحدة مستمرة تلقائيا, وتوجب تجديد الثقة في الوحدة او نفيها عبر استفتاء حر. لقد كان للاختلاف حول الملف الثقافي دوره الهام في هدم الجسور وتمزيق الثقة بين حراس ثقافة المركز والمجموعات السودانية الاخرى. لذلك يرجى ان يكون للاتفاق حول الملف الثقافي دور خام في ترميم جسور الثقة. يقول بعض الناس ان الواحدية الثقافية المتعصبة العمياء التي نسفت كل الجسور وخلقت خندقة ثقافية مستحكمة لا يرجى رتقها هذا وارد ولكن الاحتمال الاكبر هو ان النظام دون ارادته خلق ظروفا تؤثر في اتجاه آخر: اولا: رعونة وحماسة سياسات النظام اصابت كل القوى السياسية السودانية الشمالية والجنوبية والمصائب جمعت المصابين وخلقت بينهم تعاطفا جعل الاتفاق على الحل الجذري لاسباب النزاع ممكنا. ثانيا: سياسات النظام الواحدية الاحادية الفاشلة نفرت بعض سكان مناطق في الشمال, فانضمت الى الحركة الشعبية, فصارت الحركة الشعبية بطبيعة تكوينها لا تستطيع ان تقبل حلال جزئيا. ثالثا: حصلت حركة تحول سكاني من الجنوب الى الشمال ومن الشمال الى الجنوب يصعب نقضها نقضا كاملا. اذا صحت هذه المقدمات, فإنها ترجح ان يختار السودانيون وطنا واحدا اذا توافرت الشروط المناسبة. ان الاتفاق على الملف الثقافي يمثل لبنة هامة من لبنات تلك الشروط المناسبة. المحور الاقليمي كان شمال السودان ووسطه مشدودا لشمال وادي النيل, وكان شرق السودان مشدودا لحوض البحر الاحمر والقرن الافريقي, وكان غربه مشدودا للسودان الغربي والمغرب العربي, وجنوبه مشدودا لشرق ووسط افريقيا. ومنذ حرب التحرير ضد الامبراطور هيلاسيلاسي والدكتاتور منقستو ظهر عنصر جيوسياسي بشري آخر هو لجوء الارتريين والاثيوبيين باعداد كبيرة للسودان الشمالي. وبعد قيام نظام (الانقاذ) دفعه الهوس لسياسة اقليمية توسعية فتحت ابواب دول الجوار في القرن الافريقي للمقاومة السودانية بكل فصائلها الشمالية والجنوبية. ان التداخل السياسي والبشري بين الشعب السوداني ودول القرن الافريقي وعوامل اخرى سياسية وعسكرية ودبلوماسية ابرزت وجود فضاء جيوسياسي جديد واسع هو حوض النيل طولا وحزام السافانا عرضا. الى جانب هذه التطورات ظهرت مشروعات تكتل اقتصادي جيوسياسي اوسع تكتل افريقي بانتونيلي يمتد من جنوب السودان شمالا الى جنوب افريقيا جنوبا على حد تعبير الرئيس اليوغندي يوري موسفيني وتكتل في حوض البحر الابيض المتوسط يتطلع لمصير متوسطي مشترك لدول الحوض ويحسب شمال السودان جزءا منه. هذان التصوران يقومان على قسمة قديمة لافريقيا, قسمة افضت الى تصورين ايديولوجيين احدهما يربط الافريقانية بالزنجوية, وقد بلوره الرئيس السنغالي سنقور, والآخر يدعو لافريقانية قارية, وقد بلوره الرئيس الغاني نكروما, هذان التصوران سوف يتصارعان لتحديد المصير الافريقي. ان ما يحدث في السودان سوف يكون له دور هام على نتيجة ذلك الصراع. اذا حقق السودان سلاما ثقافيا فإنه سوف يكون لبنة قوية لوفاق ثقافي افريقي ووصال ثقافي عربي افريقي والعكس بالعكس. المحور العالمي ان حركة توحيد العالم عبر الاديان, وعبر الحضارات, وعبر المصالح الاقتصادية لم تقف ابدا. الحضارة الاسلامية اعطت الانسانية اكبر صورة لحضارة عالمية عرفها التاريخ قبل الحضارة الحديثة, واستمرت مع اختلاف دولها الف عام حتى 1700م ومنذ ثلاثة قرون حققت الحضارة الغربية طفرة اوقدتها ثلاث ثورات مكنتها من تكوين الحضارة الحديثة والهيمنة على العالم: 1 ـ الثورة الصناعية: قادتها الرأسمالية الحديثة وانطلقت في بريطانيا منذ القرن الثامن عشر. 2 ـ الثورة الليبرالية التي انطلقت من الثورة الفرنسية والاستقلال الامريكي واسست النظام الديمقراطي. 3 ـ الثورة المعرفية التي طورت موروثات الانسان المعرفية وحققت نهضة علمية وتكنولوجية تدعمها حرية البحث العلمي. لقد كان التحليل الاقتصادي السياسي الارجح في فجر الحضارة الحديثة هو ان الرأسمالية بموجب نظامها وعوامل انتاجها سوف تهدم العالم القديم بحضاراته وثقافاته وقيمه وتخلق طبقات علمية متخلية عن كل انتماءاتها السابقة الدينية, والثقافية, والقومية لتواجه بعضها بعضا كطبقات اجتماعية. نعم خلق التطور الرأسمالي طبقات واتى بمظالم اجتماعية قاسية اتاحت المجال واسعا لنقده ورفضه وتقديم بدائل شيوعية وفاشستية له: ايديولوجيات نقض الرأسمالية, الصراع الايديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية والاشتراكية والفاشستية شغل النصف الاول من القرن العشرين واتصل حتى تسعين القرن العشرين. ان المصير القائم الذي تصوره ماركس للرأسمالية لم يتحقق, الرأسمالية افسحت سياسيا مجالا للطبقات العمالية وادخلتها طرفا في اتخاذ القرار, وتمددت مشروعات الرعاية الاجتماعية في ظل الرأسمالية فمنحتها وجها آدميا, وساهمت آراء جون كينيز في اعطاء الدولة وظيفة اقتصادية حلت محل يد آدم سميث الخفية. ولكن في السبعينات برزت افكار اقتصادية (لتطهير) الرأسمالية مما علق بها من عوامل غريبة عليها, وتأكيد ان الاداء الرأسمالي الافضل لا يتم الا بموجب اصولية رأسمالية لا تبقي ولا تذر, هذه الآراء تبنتها مرجريت تاتشر في بريطانيا 1979 وتبناها رونالد ريجان في امريكا ,1980 وخلاصة اطروحتها هي: تقديس آلية السوق الحر وخصخصة النشاط الاقتصادي, وتحرير حركة المعاملات المالية والتجارية عالميا. صحب هذه الاصولية الرأسمالية عاملان احدهما سياسي والاخر تكنولوجي, العامل التكنولوجي هو ثورة المعلومات التي فتحت العالم على بعضه بصورة لم يشهد التاريخ لها مثيلا, العامل السياسي هو انهيار الاتحاد السوفييتي وانضمام اكثر مجتمعاته للنظام الرأسمالي. السوق العالمي الواحد المفتوح للنشاط الاقتصادي الخاص المسلح بثورة المعلومات هو اساس العولمة. ان هذه العولمة لا تحدث في فراغ بل في عالم فيه توزيع دخل مختل بين دول الشمال ودول الجنوب, وتوزيع قوة مختل بين دول الشمال ودول الجنوب, وفي الحالتين للولايات المتحدة داخل دول الشمال نصيب الاسد. ثورة المعلومات وطفرة وسائل الاعلام, وحصول الولايات المتحدة على مركز مهيمن فيها اتاح الفرصة لعولمة ثقافة التسلية الامريكية وهي ثقافة رائجة بالغناء الصاخب, والرقص الماجن, والمشروبات الفوارة, والاطعمة المحمولة, والملابس العارية, هذه الثقافة ركبت ظهور العولمة ودخلت كل مكان في العالم. انها قاعدة متكررة ان يقلد المغلوب الغالب, كما لاحظ ابن خلدون, وقاعدة متكررة اخرى ان يتصور الغالبون ان نصرهم هو نهاية المطاف, لقد اعتبر فرانسيس فوكوياما انتصار اقتصاد السوق الحر والنظام الديمقراطي على الشمولية السوفييتية نهاية التاريخ, والعولمة سوف تكون قائمة بهذين النمطين. هناك نقاط ضعف هيكلية في العولمة: اولا: شروطها قاسية اجتماعيا, فاقتصاد السوق الحر يشد الانظار للربحية والتنافس وهذان اذا اتبعا بدقة يؤديان إلى التخلي عن برامج الرعاية الاجتماعية, انها (الرأسمالية النفاثة) الرعاية الاجتماعية هي الثمن الذي دفعه النظام الرأسمالي لشراء السلام الاجتماعي, ففي ظل نظام سياسي يكفل الحرية سيؤدي غياب السلام الاجتماعي إلى مواجهات تزعزع المجتمع على نحو ما قال كينيدي: ان المجتمع الحر الذي يعجز عن مساعدة الاكثرية الفقيرة سوف يعجز عن حماية الاقلية الغنية. ثانيا: العولمة تخلق فوارق حادة بين قلة غنية وكثرة فقيرة داخل الدولة الواحدة وفيما بين الدول. ثالثا: التركيز على الربحية والتنافس الرأسمالي يؤدي إلى اهمال المحافظة على البيئة الطبيعية... المحافظة على البيئة الطبيعية من شروط التنمية المستدامة والا تحققت تنمية قصيرة النظر. اذا لم ترشد العولمة فانها تخلق ردود فعل اجتماعية مضادة ستجد صياغات ايديولوجية تمكنها من تعبئة قوى اجتماعية فاعلة. كذلك ان استخفاف العولمة بالثقافات, بل واقترانها بثقافة التسلية الامريكية, يخلق ردود فعل مضادة. في تقرير لجنة الجنوب التي ادارت حوار الشمال والجنوب في الثمانينات قال التقرير بعد استعراض اداء التنمية في بلدان الجنوب, ان برامج التنمية التي اهملت العامل الثقافي ادت إلى مناخات اللامبالاة والاستلاب, واستفزاز المجموعات الثقافية للاحتجاج والرفض. ان اطلاق تيارات الاحتجاج الاصولي الديني والقومي في كل مكان هو نتيجة لعوامل اهمها الحرص على التحديث والتنمية دون اخذ العامل الثقافي في الحسبان, وفي عام 1997 صدر تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية وجاء فيه: ينبغي ان تراعي التنمية الجانب الثقافي حتى لا يؤدي اغفاله إلى اثار عكسية من رفض واحتجاج. آلية السوق الحر آلية أثبتت افضليتها لزيادة الاستثمار والانتاج, ثورة المعلومات طفرة تكنولوجية فتحت العالم على بعضه, الحرية الاقتصادية خلقت سوقا عالميا واحدا, تلك العوامل مظاهر حميدة لتطور الانسانية, لكن هذه العوامل مع التوزيع الحالي للثروة والقوة والامكانات الاعلامية ستؤدي اذا تركت وشأنها إلى اتساع الفوارق بين عالم الشمال وعالم الجنوب, وإلى الاطاحة بالسلام الاجتماعي داخل عالم الشمال نفسه, وإلى اهمال البيئة الطبيعية, وإلى صدام حضارات وصدام ثقافات مما يؤدي حتما لظهور ايديولوجيات تقوم بتعبئة داخل البلدان المعنية وعالميا لتصحيح تلك العيوب, كما تؤدي لتظلم ورفض واحتجاج في عالم الجنوب يؤدي في مرحلة ما إلى اطلاق اسلحة الضرار الشامل, وهي: 1ـ الارهاب الدولي. 2ـ الهجرة غير القانونية لدول الشمال. 3ـ القنبلة السكانية. 4ـ القنبلة البيئوية. 5ـ الضرار الصحي. 6ـ قنبلة المخدرات. ان وجوه العولمة التي سوف تؤدي لهذه النتائج وجوه خبيثة, العولمة التي تكون مستدامة ينبغي ان تصحح تلك العيوب الهيكلية, وتراعي العوالم الاجتماعية, والبيئوية, والثقافية. ان الايمان الديني قد تفاعل مع العطاء الانساني ليصنع الحضارات والثقافات, ان العقائد الدينية قد اعطت الانسانية الطمأنينة النفسية, والرقابة الذاتية, والتحسين الاخلاقي, والهوية الجماعية, ان الانتماءات الدينية, والثقافية, والقومية ليست جامدة بل حية ومتحركة, وفي عصر العولمة ينتظر ان تكون قابلة لاستصحاب النافع الوافد عليها, واطراح الفاسد الكامن فيها, والاستعداد للتفاعل والتعايش مع الاخر الثقافي, هذا هو التأصيل الحميد. ولكن الانتماء الديني والقومي والثقافي قابل للتعصب الاعمى المدمر وقابل لاستغلاله في صراع السلطة وطموح الافراد والجماعات, هذا هو التأصيل الخبيث. التأصيل ضرورة انسانية واجتماعية, انه يمثل الجذور والهوية والكينونة. التحديث وصورته الحالية (العولمة) يمثل تطلعا انسانيا واجتماعيا للتقدم والتحسن والرخاء, الاستراتيجية الثقافية في عهد العولمة ينبغي ان تحقق توازنا في هذه الجدلية. الاستراتيجية الثقافية والميثاق الثقافي في المراحل التكوينية للشعوب تتقاطع ادوار المثقف, والمفكر, والسياسي, والعالم. ان تطلعنا للمولد الثاني في المجالات الثلاثة يوجب مساهمة كافة المؤهلين في رسم الاستراتيجية الثقافية لبلادنا ولتنزيلها إلى ارض الواقع في صورة ميثاق ثقافي سوداني يشكل احدى ركائز بناء الوطن. الحقوق الثقافية من حقوق الانسان الاساسية. تاريخ السودان الحديث عرف اطروحتين للتعامل مع الملف الثقافي: * اطروحة الاصولية العلمانية التي ترى ان قيام الدولة الحديثة, والمجتمع الحديث, والوحدة الوطنية في السودان معان لا تتحقق الا على حساب التخلي عن الانتماءات الثقافية الموروثة, أو على الاقل تهميشها. * اطروحة الاصولية الدينية أو القومية التي ترى ان صد الغزو الثقافي والفكري والاجنبي, وخلق الوحدة الوطنية, والتأصيل, معان توجب تطبيق مشروع حضاري مؤسس على ثقافة المركز وفرضه على الاخرين ان لم يمتثلوا له طوعا. هذان الرأيان فاسدان: * اثبت التاريخ الحديث في السودان وخارجه تهافتهما, فمحاولة الاستئصال الثقافي التي تمت في تركيا الكمالية, وفي آسيا الوسطى السوفييتية اتت بنتائج عكسية, ان اشد حركات الاحتجاج ضد العلمانية الاصولية اتت في اكثر البلدان التي حاولت تطبيقها وافرزت حركات رفض واحتجاج, بل في السودان ـ ذي المزاج الديني المعتدل ـ ان الحركة الاخوانية في كثير من حالاتها رد فعل للتمدد الشيوعي في القطاع الطالبي بعد الحرب العالمية الثانية, اصدق دليل على انها رد فعل هو انها انفردت بالسلطة 10 اعوام وكشفت انها حائزة بلا برنامج معلوم. * ان اخضاع الثقافات الاخرى لثقافة المركز احدثت انقسامات وحروبا اهلية, وهو في الظروف الدولية المعاصرة محاولة يائسة. * الوعي الانساني المعاصر ادرك اهمية الانتماء الثقافي للبشر واعتبره حقا انسانيا اساسيا لا يجوز قيده الا اذا نال من حق المواطنة أو نال من احترام حقوق الاخرين. ان للثقافة اثراً في كل محاور الحياة: 1ـ الثقافة والسياسة: الشرعية في حكم المجتمع تعني قبول اهل الوطن بحق الحاكم ان يحكم, هذا القبول ينبغي الا تتحفظ عليه أو ترفضه اي مجموعة ثقافية في البلاد بل تقبله, المطلوب لتحقيق قاعدة عريضة من الرضا في المجتمع ان تكون الدولة مرآة لتوازن قوى المجتمع لا مسرح لنزاعات متعصبة ومتخاصمة بداخله, هذا الرضا يوسع قاعدة الشرعية عبر الديمقراطية والتوازن. 2ـ الثقافة والتنمية: يجب ان تكون الثقافة مرجعا مهما للتنمية بمعنى ان تكون المجموعات الثقافية منخرطة في التنمية ومقتنعة باهدافها, كما ينبغي ان يكون من برامج التنمية تطوير الثقافات الوطنية. 3ـ الثقافة والتعليم: التعليم نشاط متكامل يهدف إلى: * نقل المعرفة. * نقل القيم. * بناء المهارات. * تدريب الناس وتكملة قدراتهم في كافة جوانب الحياة وعلى طول الحياة, التعليم مرتبط بالثقافة وهو اهم وسائل نشرها. 4ـ الثقافة والاعلام: مع ان هذا التعبير اطلق على كثير من الوزارات, فان الربط محصور في الاسم وليس في الفعل, ينبغي ان يعبر الاعلام بكل وسائله المعرفية والتعليمية والادبية والفنية والترفيهية عن الاستراتيجية الثقافية, وان يعبر عن التنوع الثقافي في البلاد بصورة متوازنة, وان يكون هيكل الاعلام نفسه متوازنا بين المركزية واللامركزية. 5ـ الثقافة والعلاقات الاقليمية: ان بين السودان وكافة جيرانه امتدادات ثقافية بحيث يقع السودان واسطة العقد في حوض النيل طولا, وفي حزام السافنا عرضا, وتحقيق السودان للامن الثقافي والسلام الثقافي بداخله يمثل اقوى سفارة للتعايش والتعاون الثقافي في افريقيا, وفي التواصل العربي الافريقي. انطلاقا من هذه الرؤى, اورد النقاط الاتية اساسي لميثاق ثقافي يدرس على نطاق واسع ليتبناه الرأي العام السوداني وقنوات الارادة الفاعلة فيه, وليصبح بعد ذلك من مكونات المولد الثلاثي الجديد: أولا: السودان وطن متعدد الاديان والثقافات والاثنيات, المجموعات الوطنية السودانية الدينية, والثقافية, والاثنية, تعترف ببعضها بعضا وتمارس هويتها الثقافية بحرية على ان تلتزم بأمرين: الاول: عدم المساس بحق المواطنة حقا يتساوى فيه الجميع, الثاني: التعايش مع حقوق الاخرين وعدم السعي لتحقيق امتيازات على حسابها. ثانيا: برامج البلاد التنموية, والتعليمية والاعلامية, تأخذ في حسبانها التنوع الثقافي السوداني, وتسعى للتعبير المتوازن عنه, وتسعى لتمكن الثقافات السودانية من التطور. ثالثا: السياسة الثقافية في البلاد تتخذ طابعا يوفق بين اهدافها المركزية واللامركزية ويدعم التفاف المواطنين حول المواطنة. رابعا: الثقافات على تعددها وتنوعها ينبغي ان تتفاعل مع غيرها لتزيد ثراء وابداعا, الاعتراف بالهوية الثقافية والاهتمام بها لا يعني منع التلاقح ولا رفض الوافد, هنالك قيم انسانية عظيمة: الديمقراطية والعدالة الاجتماعية, والمعرفة, والنهج العلمي, وكافة القيم المشتركة بين الحضارات, وهناك قيم خلقية عالمية مثل الحكمة, والعفة, والصدق, والاثرة, القيم المذكورة والقيم الخلقية ينبغي ان تسعى الثقافات السودانية باختيارها لاقتباسها وغرسها تربويا في الاجيال. خامسا: حقوق الانسان ينبغي ان تهضمها الثقافات الوطنية وتجعلها جزءا لا يتجزأ من وسائلها للتعبير الثقافي, ان ثقافتنا الوطنية تعاني من كعب اخيل مشترك ـ مع اختلاف في الدرجة ـ هو انتقاصها لحقوق المرأة, ينبغي الاعتراف بهذا الغيب النوعي وغرس المساواة الانسانية في كافة الثقافات. سادسا: تشجيع التسامح الديني الذي يقوم على الحسنى ويرفض الاكراه, واجراء حوارات بين الاديان لتحديد المعاني المشتركة بين الاديان الابراهيمية, كذلك تحديد القيم الافريقية التي تؤسس علاقات خلقية بين الغيب والانسان, بين البشر والطبيعة, بين العقلاني والفطري, وبين الاجيال الحاضرة والماضية, لتدخل في تيار اليقظة الروحية والخلقية في السودان. سابعا: اللغة العربية هي لغة التفاهم الاولى بين اهل السودان, وهي اللغة الافريقية الوطنية الاولى, اللغة العربية هي لغة السودان الوطنية, اللغة الانجليزية هي لغة السودان العالمية الاولى, اللغات واللهجات السودانية لغات محلية يعترف بدورها في اقاليمها وتشجع المجموعات الوطنية السودانية على الالمام المتبادل باللغات السودانية. ثامنا: التعاون الثقافي بين شعوب حوض النيل, وحزام السافانا, والشعوب العربية والافريقية على نطاق اوسع, وتشجيع الالمام المتبادل باللغات السائدة في تلك البلدان. تاسعا: استيعاب مقاصد العولمة الحميدة وبناء الدفاع الثقافي ضد العولمة الخبيثة وبرمجة التعامل الثقافي مع العولمة. عاشرا: رفض حتمية العداء بين الاديان على الصعيد العالمي, ورفض حتمية صدام الحضارات الذي تؤدي اليه نزعة الهيمنة في الثقافة الوافدة, ونزعة الانكفاء في الثقافات الوطنية مما يقود حتما إلى ظلامية عالمية, والالتزام بحوار الاديان, وحوار الحضارات, لاقامة علاقات مستنيرة تحقق الاخاء الانساني وتليق بمستقبل الانسان اعز واكرم الكائنات. رئيس الوزراء السوداني السابق