دأب العديد من المفكرين والمثقفين العرب منذ فترة تاريخية مديدة على اعتبار ان الصراع الدائر بين الثقافي والسياسي في واقعنا العربي هو صراع صحي يؤدي إلى تطوير المجتمع والخروج به من حالة التخلف والانحطاط إلى حالة اكثر امنا وامانا , دون النظر أو الالتفات ولو للحظة إلى النتائج السلبية بل والمدمرة التي خلفها هذا النوع من الصراعات, والتي لاتزال تنذر بالمزيد من التبديد الخطير على مؤسسات المجتمع المدني. ولا غرابة في الامر اذا ما قلنا ان هذه الصراعات وهذا التنافس غير الشريف وغير النزيه في بعض الاحيان, سيجر المجتمع باسره إلى حافة الهاوية, والتي بالضرورة سيكون من نتائجها المباشرة الحد من تطور المجتمع على كافة الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, وخلق حالة من اليأس عند غالبية الجمهور وادارة الظهر وعدم الاكتراث لكل ما من شأنه ان يحشد كل الطاقات والامكانات الروحية والمادية لدى ابناء المجتمع وترشيدها باتجاه الهدف المنشود الذي يؤمن لهم حاجاتهم الاساسية ويحافظ على وحدة هويتهم التي باتت هذه الايام تعتبر بجد احد الاهداف السامية في ظل المتغيرات الدراماتيكية المذهلة على الصعيد الكوني بعامة وعلى صعيد امتنا ومجتمعاتنا العربية بخاصة, بالاضافة إلى خلق المزيد من التباعد بين طبقات المجتمع وفئاته, والذي بدوره سيزيد من اختلال التوازن على كل المستويات. وقد يترجم ذلك بظهور فجوة عريضة وهوة كبيرة تصل إلى مرحلة يصعب جسرها بسبب فقدان الغيرية عند ابناء المجتمع ومشاعر التضامن وتلاشي حالة الائتلاف المجتمعي, مما سيؤدي إلى شرعنة العنف الذي سيولده هذا الصراع السلمي ظاهريا. ولعلي لا اغالي القول اذا ما اعتبرت ان الكثير من الاصوات التي نادت بتجسير الفجوة بين المثقف والسياسي, خاصة التي ظهرت منها بشكل مبكر, شكلت هاجسا ولو بشكل ضمني عند العديدين, الذين راحوا يبحثون بشكل جديد عن الحدود المقبولة للمصالحة التاريخية بين السياسي والثقافي, وهذا البحث لم يقم كما ادعى البعض على اساس من ان الغاية تبرر الوسيلة واعادة الاعتبار لميكافيلي صاحب كتاب (الامير) بقدر ما انطلقوا من مقولة ان العنف الاجتماعي بشقيه السياسي والثقافي بكل مضامينه, ايا يكن الشعار المطروح لتبرير ظاهرة العنف, لا يجر على المجتمع الا المزيد من الازمات وخيبات الامل المتلاحقة وحالات النكوص المخيفة, ليس على السياسي السلطوي أو الثقافي الحزبي وحسب, وانما على جميع الفئات والشرائح الاجتماعية, والامثلة التي مرت بها شعوبنا العربية اكثر من ان تحصى وتعد, ومازال جزء لا يستهان به من هذه الشعوب يعيش إلى يومنا هذا تحت وطأة الصراعات الدامية والمدمرة لاسس المجتمع المدني. الاستحواذ السياسي وحتى لا يفهم الكلام بغير السياق المنشود, فأننا نرى ان للمثقف كل الحق بل وهو الاقدر على المبادرة اكثر من غيره للمقدرة التي يمتلكها على كشف الغث والسمين, لاتخاذ المواقف ونقدها علانية والتي يراها في غير مكانها من نهج السياسي الفرد أو سلطته في كل القضايا الاجرائية والقانونية والحقوقية, وله كل الحق ان يكون معارضا أو مواليا دون اي تدخل قسري من قبل السياسي, قد يلزمه باتخاذ مواقف انتهازية لا تتوافق والرؤية الاستشرافية التي يطرحها هذا المثقف أو ذاك, والتي بالضرورة تنطلق من اهداف سامية فيما يخص تطور مؤسسات المجتمع المدني, ودون ان نغفل حقيقة الذهنية التي يحملها السياسي, والتي في غالبية الاحيان لا تتسم بنظرة واقعية, والتي تؤدي إلى اسقاط حركة الواقع وتحطيمها بحجة الانتساب إلى تاريخ ثقافي, أو بمعنى اخر, الالتفاف بعباءة (التراث) الفكري واهمال دور المثقف في الواقع المعاش, من خلال تعميم حالة المركزية المطلقة سعيا لتقويض الاسس التي ينطلق منها المثقف على اعتبار ان ما يطرحه لا يمتلك معرفة كلية كما السياسي, لدرجة يصل معها السياسي إلى تضييق الخناق ما امكنه على الفكر الحر. وقد لا يخفى الامر ايضا انه لا يتردد في ممارسة شمولية التحكم في حياة الافراد والجماعات, ايا تكن سمتها وانماط تفكيرها, ولا غرابة في الامر اذا ما تجرأنا على القول ان السياسي لا يؤمن بالتسليم بالاستقلال النسبي لمؤسسات مثل العائلة والسوق والمسجد والكنيسة والنقابة والتعاونية الخ, ويجنح نحو السيطرة التامة على جميع نواحي حياة المجتمع, ومن اجل تحقيق احلامه لا يتردد في الاعتداء على البنى الوسيطة الآنفة الذكر, التي من شأنها بطبيعة الحال تؤخر الوصول إلى بناء مؤسسات المجتمع المدني ان لم نقل تغيبها. ومما لا شك فيه ايضا ان اساليب الاستحواذ من قبل السياسي تحت جملة من الشعارات, عكست ظلالها السوداء على المجتمعات وكان من اهم نتائجها الخطرة والملحوظة ضمور في الثقافة التي لا تقتصر على الكتابة والفكر فحسب, بل تطال مجالات مختلفة كالشريعة وفقه المعاملات والتراث ونظرية الادب والفن والموسيقى .. الخ, والحقيقة انه في اغلب الاحيان ومن موقع القوة والقدرة ينجح السياسي في تفتيت المثقفين الذين هم في واقع الامر ليسوا من شريحة اجتماعية واحدة بعينها, فالمثقف الذي فضل ان يجعل مواهبه في خدمة السياسي مقابل تحقيق المكانة والرفاهية بالضرورة, سيبدأ بالتراجع حتى يصل إلى مستوى من الضحالة يصبح فيها غير قادر على العطاء, لان الكتابة المجبرة تلغي حالة الابداع بسبب العديد من النواظم والضوابط الموضوعة لها, والتي لا يمكن الخروج عنها, ليصبح جزءا من اخلاقية السياسي الذي يبحث ويبرر العثرات والسلوكيات الواعية والهادفة التي تقف حائلا امام تبني آليات بناء المجتمع المدني. اضطهاد المثقف اما على صعيد المثقف المستقل فهناك نموذجان, الاول يتسم بالرفض السلبي حيث يغلب عليه طابع الموضوعية العلمية وبالتالي الحيادية التي تنظر الى المعرفة بوصفها غير منحازة الى استكمال بناء المجتمع المدني, تنطلق اساسا من الواقع الموضوعي, حيث يقوم المثقف منها بجمع حقائق او بينات تتعلق بظواهر او وقائع او مشكلات متطورة, متوقعا امكانية الحصول على النتائج نفسها اذا ماتمت اعادة العمليات ذاتها في ظروف مشابهة, ومعتقدا ان مناهج البحث العلمي المحايدة تبعده عن تأثير العوامل الذاتية, والتميز, وتحميه من مغبة الانزلاق في صراعات مع السياسي. ويمكن اعتبار اغلب الفئات التكنوقراطية الادارية من هذا الصنف, فهي مع السياسي بعضلاتها وخدماتها اما فكرها ورؤيتها فمعطلة حتى اشعار آخر. وبهذا يكون السياسي قد الغى بسلوكه جزءا من الشريحة المثقفة وعزلها عن عملية ابداع اشكال وانماط حديثة على طريق بناء المجتمع المدني, لتتجه الى حقل آخر قد لايعود على المجتمع بالنفع المرجو. اما النموذج الثاني والاهم فنراه منخرطا في نسيج الحياة الاجتماعية حيث ينذر نفسه لتطوير افكار جديدة اصيلة يبدعها بفكره الخلاق بفضل انغراسه في قضايا المجتمع وهمومه الباحثة عن كل مامن شأنه ان يؤسس بشكل خلاق لبناء مؤسسات المجتمع المدني, وفهم ابعاد ووجهات النظر المتعددة والالتزام بالقيم الرفيعة, وتبني مواقف نقدية تجاه ذاته وافكاره اولا, ثم تجاه افكار مختلف الشرائح والفئات الاجتماعية, في سبيل تحقيق المثل العليا التي يؤمن بها والكشف عن مدى تحقيق المجتمع لغايته الاساسية (حرية الانسان) كلبنة اساسية في بناء المجتمع المدني, وهذا النموذج من اكثر النماذج التي تتعرض للاضطهاد والمضايقات لكنها تبقى المرتكز الاساسي في خدمة مشروع بناء المجتمع المزمع انشاؤه. لكنه رغم ذلك لابد من القول انه مهما كانت الممارسات القسرية التي يمارسها السياسي بحق الثقافي الباحث عن اشكال وبنى اجتماعية تتوافق وروح العصر والمتغيرات الكونية, الا انه بات مطلوبا البحث عن آليات وادوات معرفية, تؤسس لما يسمى بالحل الوسط التاريخي بين الاثنين من اجل الهدف الاسمى. فاذا كانت مصلحة المثقف الاستراتيجية, كما هي مصلحة الوطن, ان لايخضع المثقف للسياسي ومزاجه المتقلب بين الحين والآخر, لكن لابد ان يبقيا في خطين متوازيين كل يقوم بدوره ويلتزم بمسؤولياته تجاه الوطن, فان كانت السياسة فن الممكن ومسؤولية السياسي ان يتعامل مع الواقع, فان دور المثقف البحث عن وسائل الخروج من هذا الواقع الى الافضل المتمثل في بناء المجتمع المدني. * كاتب فلسطيني مقيم بدمشق