منذ نهاية الحرب العالمية الثانية نشأت مدرستان فكريتان متعارضتان تتعلقان بتوجه السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ينتمي الى احدى المدرستين من يمكن أن يوصفوا بالذين يدعون الى الاشارة الى الحقيقة كما هي . هؤلاء ينظرون الى عهد ما بعد الحرب الباردة نظرة التخوف من شر مرتقب ونظرة الغم والهم. ولا يعتقد هؤلاء بان نهاية هذه الحرب تبشر بقدوم عهد ذهبي جديد للسياسة الخارجية للولايات المتحدة. ويرى هؤلاء ان من الضروري ان تبتعد الولايات المتحدة عن التورط في عالم تمزقه صراعات دينية وقومية واثنية. ويعتقد اصحاب هذه المدرسة بان الولايات المتحدة ينبغي لها ان تنتهز فرصة انتهاء الحرب الباردة لتتصدى للمشاكل العويصة الكثيرة التي تواجهها, بدلا من تبديد جهدها ووقتها على تنفيذ خطط ومشاريع على الساحة الدولية. وممن ينتمي الى هذه المدرسة وزير الدفاع الاسبق للولايات المتحدة جيمس شليز نجر, وصموئىل هنجتون استاذ العلوم السياسية في جامعة هارفارد حيث يرأس ايضا مركز اولين للدراسات الاستراتيجية. وبعد تخرج هنجتون من جامعة هارفارد مع ستانلي هوفمان وهنري كيسنجر, وزير الخارجية الاسبق للولايات المتحدة المنتمي الى الحزب الجمهوري, وغيرهما, كتب مقالات وكتبا كثيرة. وفضلا عن مهمات قام هنجتون بها في مجلس الامن القومي للولايات المتحدة خلال فترة رئاسة ليندون جونسون ورئاسة جيمي كارتر, كان معظم مساره الوظيفي اكاديميا. وركز هنجتون في كتاباته الاولى على العلاقات بين السلطات العسكرية والمدنية. وفي كتابه الاول الذي عنوانه (الجندي والدولة) والذي نشر في سنة 1957, وضع دراسة عن التوترات بين الاستراتيجية العسكرية والتحكم المدني. لقد عزز نشر هذا الكتاب الاهتمام بدراسة العلاقات بين السلطات العسكرية والمدنية, وهو موضوع له اهمية بارزة في الفترة التي تلت فترة الحرب الباردة. انتماء مزدوج ويمكن ان توصف المدرسة الفكرية الثانية المتعلقة بسياسة واشنطن الخارجية بانها المدرسة الانتصارية, ويسوق دعاة هذه المدرسة الحجة بان يقع على عاتق الولايات المتحدة واجب اضفاء الطابع الديمقراطي على العالم. وممن تضمهم هذه المدرسة صموئيل هنجتون نفسه. وعلى هذا النحو ينتمي هنجتون الى المدرستين كلتيهما, ويتجلى هذا الانتماء المزدوج الباعث على الدهشة والحيرة في كتاباته المنشوردة. في عدد اكتوبر 1997 من (جورنال اوف ديمقراسي) كتب هنجتون ان (الشيوعية الدولية ماتت والديمقراطية الدولية وصلت) . ولكن ورد في احدى رسائله المنشورة في عدد سبتمبر اكتوبر 1997 من مجلة (فورين افيرز) معنى يبدو معاكسا لما ورد في مقاله هذا. لقد ورد في تلك الرسالة ان قوة الولايات المتحدة في الخارج في هبوط وان المجتمع الامريكي في تدهور وان قوى ضاغطة عرقية, تتوخى كل منها تحقيق مصالحها الخاصة بها, تمزق نسيج السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وكتب هنجتون في رسالته: (بدلا من ان تقوم صفوات السياسة الخارجية بوضع مخططات غير واقعية للمساعي الكبيرة في الخارج يمكن.. ان تكرس طاقاتها لوضع خطط لتقليل المشاركة الامريكية في (شؤون) العالم بطرق تحمي ما تمكن ان تكون مصالح وطنية في المستقبل) . هنا يبدو ان لدينا وجهين متعارضين او مختلفين لهنجتون. ايا منهما نقل؟ من الاكيد انه لايمكن ان يكون الوجهان كلاهما صحيحين. اما ان تكون مهمة الولايات المتحدة مهمة اشاعة الديمقراطية على الساحة الدولية بغض النظر عن اثر اشاعة هذه الديمقراطية في مصالحها الوطنية, او ان تكون استراتيجيتها حماية المصالح الوطنية بقطع النظر عن اثر هذه الحماية في اشاعة الديمقراطية في العالم. واذا كان من الممكن التوفيق بين هذين الهدفين فانه يبدو ان من الصعوبة البالغة تحقيق هذا التوفيق. ويتجلى التناقض في كتابات هنجتون ايضا في كتابيه (الموجة الثالثة: اضافة الطابع الديمقراطي في اواخر القرن العشرين) الذي نشر في سنة 1991 و(تصادم الحضارات) الذي نشر في سنة 1996. ادعى هنجتون في وجهه الثاني بان موجة ثالثة من الديمقراطية تكتسح العالم. ويبدو هنجتون في وجهه الاول انه يحتج بان الديمقراطية لم تعد كونها رشاشا سريع الزوال. وفي (تصادم الحضارات) رأى هنجتون ان النظام الديمقراطي مقصور على الثقافات الغربية وان الديمقراطية الامريكية في نظره ليست عالمية, ان يجب على الولايات المتحدة ان تقبل النظم الآسيوية التي تخضع فيها الدولة الفرد لسلطتها, باعتبار تلك النظم شيئآ طيبا, ورأى ايضا ان مركز الولايات المتحدة في هبوط. موقف هنجتون هذا ليس سليما. فهو يتضمن نكران ان الحاجة الى عالمية الديمقراطية ويرفض الرأي في ان شعوبا اخرى ـ غير الشعوب الغربية ـ يمكنها وينبغي لها ومن الطيب بالنسبة اليها ان تطمح الى تحقيق النظام الديمقراطي. الهوية القومية ويؤيد هنجتون تأييدا قويا مذهب عدم التدخل الامريكي في الشؤون الخارجية. وهو من المدرسة المحافظة ولديه نزعة واقعية وهي نزعة يتعين على الدول بموجبها, في عالم يعتقد هنجتون بانه تسوده الفوضى, ان تتوخى دون رحمة تحقيق مصالحها القومية, والا واجهت الانقراض. ولكن تعريف (الواقعية) خاضع لتفسيرات مختلفة, كما ان تعريف المصلحة القومية كان دائما مهمة شاقة وغامضة. وفي سنة 1968 نشر كتاب هنجتون الثاني الذي عنوانه (النظام السياسي في مجتمعات متغيرة) . وفي هذا الكتاب ربط هنجتون بين الحرية السياسية والتقدم الاقتصادي, ورأى انه لايمكن الفصل بينهما. وفي ضوء كتاباته الاخيرة لعل له رأيا آخر مخالفا في هذا الموضوع الذي يحظى في هذه الايام بقدر كبير من المناقشة القوية. وأبدى هنجتون في كتابه المعنون (السياسة الامريكية: وعد التنافر) والمنشور في سنة 1981 اهتمامه بمسألة الهوية القومية والانتماء العرقي, ورأى انه توجد عقيدة امريكية متميزة قائمة على الحقوق الطبيعية والمساواة والاخلاق البروتستانتية. وكتب: (ان الهويات الثقافية العرقية تتعايش مع هوية قومية تجذر في مجموعة خاصة من الافكار والمؤسسات السياسية) . وفي كتاب (تصادم الحضارات) كان تناول هنجتون لمسألة الانتماء العرقي على نطاق عالمي. ويرى ان في العالم سبع حضارات رئيسية: الغربية, والامريكية اللاتينية, والاسلامية, والارثوذكسية, والهندوسية, والصينية, واليابانية. واعرب عن الرأي في ان الديمقراطية نشأت في الغرب وفي أنه ليس من الممكن ان تنقل الديمقراطية الى بيئات ليست مناسبة, في رأيه, لان تمارس الديمقراطية فيها. ومن المناطق التي اعتبر هنجتون انها غير صالحة لان تمارس الديمقراطية فيها منطقة الشرق الاوسط وافريقيا وآسيا. وكتب هنجتون ان هذه المناطق غير الغربية اوجدت خلال القرون ممارساتها وعاداتها التي يجب على الغرب, في رأيه, ان يحترمها بدلا من ان يحاول تغييرها. وفي رأيه ان محاولة القيام باي اجراء غير ذلك من شأنها ان تنطوي على الاستعمار الثقافي, وان افضل ما يمكن للولايات المتحدة ان تفعله هو ان توحد جهودها مع الدول الشريكة الغربية لتشكيل سلطة ما يمكنها ان تقاوم, في رأيه, الاجانب الذين يقومون بغزو الغرب. واعرب هنجتون عن الرأي في ان العالم في الفترة التالية لفترة الحرب البادرة مقسم وفقا لخطوط الحضارات المذكورة اعلاه, ويخلص الى الاستنتاج ان المناطق الحضارية غير الغربية ليست مؤهلة لاشاعة الديمقراطية فيها. افتراضات خاطئة ويتضمن كتاب (تصادم الحضارات) حججا غير صحيحة وغير مقنعة. لقد انهارت في الماضي نظريات في علوم التاريخ والاجتماع والسياسة تحت ثقل افتراضاتها الخاطئة. ولا تستثنى من ذلك حجج نظرية وردت في هذا الكتاب. لقد وضع هنجتون كتابه في سياق النظرية الواقعية المحافظة والواقعية الجديدة. ففي العقود السابقة للحرب العالمية الثانية كانت العلاقات الدولية تدرس بوصفها جزءا من التاريخ الدبلوماسي. وتضمن التقليد الواقعي الاوروبي التأكيد الكلاسيكي على توازن آلي للقوة. وعند وصول لاجئين من بعض الاقطار الاوروبية منهم الكاتب في الشؤون السياسية هانز مورجنثاو, الى الولايات المتحدة بدأ ذلك التقليد الاهمية الاولى لسياسة القوة والسياسة الرامية الى تحقيق الاستقرار, مما افضى الى اضعاف الايديولوجية, وكانت هذه المفاهيم مفاهيم تبناها هنري كيسنجر الالماني الاصل في جامعة هارفارد, وبعد ذلك سعى الى تحقيقها عندما كان مستشارا للامن القومي ووزيرا للخارجية في حكومتي نيكسون وفورد. وفي سنوات السبعين تزايد اقتران العلوم السياسية بالفكر الآلي (الميكانيكي) وبالدراسات التي نسب اصحابها اليها صفة الدراسات العلمية ووفقا للفكر الواقعي من اللازم الابقاء على توازن للقوة فيما بين الدول وبعبارة اخرى, اذا اصبحت دولة شديدة القوة تعين على الدول المعارضة ان تشكل تحالفا لتوجد التوازن ضدها. ومذهب الواقعية الجديدة الذي نشأ حوالي سنوات السبعين ذهب ابعد من ذلك, ووفقا لهذا المذهب ليست لطبيعة نظام من النظم صلة بسلوكه. ويرى كنث والتز, استاذ العلوم السياسية في جامعة كاليفورنيا في مدينة بيركلي, وهو احد رواد مذهب الواقعية الجديدة ان طريقة سلوك الدول يحسن فهمها عن طريق دراستها بلغة النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة, ووفقا لهذا الفهم فان الصبغة الديمقراطية او الشمولية او التسلطية لدولة من الدول امر ثانوي بالنسبة الى المصالح الجيوسياسية الموضوعية لتلك الدولة, الدولة, في سلوكها, تستجيب الى مصالحها هذه والى البيئة الاقليمية والدولية التي تجد نفسها فيها والى عوائق وحوافز تتصل بتلك الدولة. وبهذا الفهم لسلوك الدول يتضمن مذهب الواقعية الجديدة ان علماء السياسة يستطيعون عن طريق اجراء دراسات وافية التنبؤ بسلوك الدول. ويتجاوز هنجتون في كتابه هذه المناقشات لقد حاول ان يدمج تحليل التميز الثقافي والحضاري في مذهب الواقعية التقليدية, وساق الحجة بان العرق يقع في صميم العلاقات الدولية وبهذا التفكير ادخل هنجتون تغييرا في مذهب الواقعية, حيث تصبح طبيعة النظم العامل الاهم في ما يراه هنجتون معركة تخوضها الحضارات المتنافسة التي تسعى لتحقيق الاولية والافضلية وهو بمحاولته لتجديد مذهب الواقعية التقليدية المحافظة بمفاهيم الثقافة والحضارة والتصادم الحضاري انتج فكرا ضيق الافق ومتعصبا. * استاذ دراسات الشرق الاوسط ـ الولايات المتحدة الامريكية