في بريطانيا يتفاعل تذمر هادئ, خاصة على الصعيد البرلماني, بشأن القوانين التي تبيح التجسس الحكومي على المواطنين, المتذمرون, من نواب برلمانيين وغيرهم يرون ان الابتكارات التكنولوجية المتجددة في وسائل الاتصال تتيح لاجهزة الشرطة والامن التوسع في مساحة التجسس على الاشخاص بما يجعل الدولة تتجاوز حدودها بخرق حرمة الخصوصية الفردية دون مسوغ قانوني. وليت شعري... اذا كان مجتمع متقدم من حيث الوعي السياسي العام في مستوى بريطانيا رائدة سيادة القانون بالمفهوم الحديث يخشى سوء استغلال وسائل الاتصال الالكترونية الجديدة بواسطة جهاز الدولة... فكيف يكون حال مجتمعات العالم الثالث التي نحن في العالم العربي جزء منها؟ ان ابتكارات التكنولوجيا في مجال الاتصالات لا تتوقف عن انتاج الجديد بوتائر متسارعة منذ ان دخل الكمبيوتر السوق الاستهلاكية العالمية. ولكن يجب ان نتنبه الى انه جرى ويجري في خط موازٍ اختراع وسائل مبتكرة ايضا للتجسس والتنصت. واحدث صيحة في هذا المجال (سيوبر كمبيوتر) عملاقة صممت لالتقاط اي كلمة ذات مدلول معين في رسائل الفاكس والبريد الالكتروني والمكالمات الهاتفية للافراد. ومحور التذمر المتنامي في بريطانيا هو ان مثل هذه المخترعات الجبارة يمكن ان تجعل من الدولة غولا ذا قدرة على رصد اسرار الحياة اليومية الخاصة لكل المواطنين بصورة غير مشروعة, ومن هنا ارتفعت اصوات في البرلمان ووسائل الاعلام تطالب بتغيير القوانين السائدة التي تحكم قدرة الدولة على التجسس وسن قوانين جديدة تتلاءم مع سطوة مخترعات الاتصال المتجددة. واعود الى السؤال المطروح: كيف تنعكس المتغيرات المتلاحقة في وسائل الاتصال على قدرة الدولة عندنا في العالم الثالث؟ وابتداءً اقول انه في معظم بلدان العالم الثالث ليس هناك اصلا تطبيق لمبدأ سيادة القانون, وبالتالي ينتفي تلقائيا احتمال (تغول) الدولة على الحقوق القانونية للمواطن, وبهذا المفهوم فإن الدولة في العالم الثالث ليست بحاجة الى (سيوبر كمبيوتر) للتجسس على المشتبه بهم بهدف الحصول على بينة قانونية توطئة لتقديمهم الى قضاء نزيه ومحايد. اجل.. انه متاح للدولة في البلدان المتخلفة ان تحسن كفاءة الاجهزة الامنية لديها بالاستفادة من تكنولوجيا الاتصال الحديثة. لكن السلطات المتوافرة لهذه الاجهزة الامنية ـ وهي سلطات شبه مطلقة ـ تمكنها من اختصار ملاحقة شخص مشتبه به واعفاء نفسها من (وجع الدماغ) عن طريق اعتقاله ـ بكل بساطة ـ واحتجازه اسابيع او شهورا او سنين عددا دون ان توجه اليه اي اتهام فضلا عن تقديمه الى محاكمة قضائية. وتأسيسا على هذا المفهوم فان الدولة في العالم الثالث (اقوى) من الدولة في العالم المتقدم, من حيث المقدرة على التأثير المباشر على حياة الفرد المواطن من جميع الاوجه. الدولة في هذه البلدان المتخلفة تستطيع مثلا ان تفصل المشتبه به سياسيا من عمله دون الحاجة الى ابداء اي اسباب اذا كان موظفا في الخدمة العامة او تضغط على مخدمه ان يستغني عنه ـ دون اسباب ـ اذا كان من العاملين في القطاع الخاص. وقس على ذلك اشياء اخرى: تملك الدولة في العالم الثالث ان تمنع مواطنا من السفر خارج البلاد او تسحب جواز سفره او تعتقل افراد عائلته اذا كان خارج الوطن. القضية في العالم الثالث ليست اذن ضبط استخدام التكنولوجيا وانما كيفية استعادة سيادة القانون.