خاض الروس في افغانستان حربا استمرت قرابة العشر سنوات, اضطروا في نهايتها الى الانسحاب تاركين خلفهم بلدا, طالما اعتبروه جزءا حيويا من مجالهم الاقليمي . ليست الخسائر الفادحة وحدها هي التي اجبرتهم على الانسحاب, وانما ايضا الانهيار الوشيك لما كان يعرف بالاتحاد السوفييتي. غير ان الخروج من افغانستان لم يكن مجرد خطوة عادية من جانب موسكو, لقد آذن هذا القرار بانسحاب روسي تاريخي من المنطقة كلها, وانكفاء روسيا الى حدودها القديمة فيما وراء القوقاز, وجاءت حرب الشيشان بعد ذلك بسنوات كي تؤكد هذه الحقيقة, ثم ها هي الآن الحرب تمتد الى داغستان الاقليم المجاور للشيشان, وفي الوقت نفسه تواجه الروس مشاكلا مماثلة في جمهوريات آسيا الوسطى, وخاصة طاجيكستان, التي ما انفك الافغان, من عناصر طالبان, يغيرون عليها تسللا عبر الحدود في مسعى للسيطرة عليها وتحويلها الى دولة دينية. لقد انهزم الروس في افغانستان ثم في الشيشان وهم يواجهون اليوم معاركا مضنية في داغستان, وليس من المستبعد ان يخسروا الحرب الحالية ايضا. حدث ذلك ويحدث على الرغم من الفارق الكبير في القوة والامكانيات بين الروس وغيرهم, الواقع ان تفسير النصر او الهزيمة في الحروب لايعود دائما الى عوامل القوة او الضعف التقليدية المتعارف عليها اي تلك التي تخص السلاح والمعدات والثروة وما شابه. فهذه العوامل وان كانت حاسمة في كثير من الاحيان, الا انها ليست كذلك في احيان اخرى, ان الحرب الحديثة اصبحت تدار باكثر الوسائل تطورا من زاوية التكنولوجيا والتقنية العلمية ويمكن للامم الاكثر تفوقا ان تنتصر فيها بصورة مؤكدة, اذا دارت ضمن نطاق الحضارة الواحدة, او ضمن المستوى المتقارب من ناحية التطور. لكن من المشكوك فيه ان تنفع كل هذه التكنولوجيا في حرب مع امم اخرى, لاتزال تعيش في اطار ما دون الحضارة الحديثة, سواء من ناحية الامكانيات او القيم والمفاهيم السائدة لديها. ان الحروب القديمة لم يكن العامل الحاسم فيها هو العدد او نوعية السلاح المستخدم, بقدر ما كان عوامل اخرى من قبيل الشجاعة والبسالة وقوة (العصبية) والانتماء القبلي. ولهذا وجدنا انه من السهل انتصار الجماعات البدوية, على الحواضر والمراكز الحضرية بعامة, حيثما دخل الجانبان في معركة او حرب, وتاريخ المنطقة مليء بذلك, حتى يومنا هذا. واذ اثرت الحضارة الحديثة في عوامل كثيرة مما يخص الحرب والانتصار فيها, خصوصا الجانب المتعلق بالسلاح, الا ان بعض هذه العوامل ظل يفعل فعله, سيما في المناطق التي لاتزال شروط الحرب القديمة فيها قائمة وفاعلة. وهو ما ينطبق اليوم على روسيا وخصومها. يقول ابن خلدون في مقدمته وفي الفصل المعنون (في ان الامم الوحشية اقدر على التغلب ممن سواها) مايلي: (اعلم انه لما كانت البداوة سببا في الشجاعة كما قلناه في المقدمة الثالثة, لا جرم كان هذا الجيل الوحشي اشد شجاعة من الجيل الآخر, فهم اقدر على التغلب وانتزاع ما في ايدي سواهم من الامم بل الجيل الواحد تختلف احواله في ذلك باختلاف الاعصار, فكلما نزلوا الارياف وتفتقوا في النعيم والفوا عوائد الخصب في المعاش والنعيم, نقص من شجاعتهم بمقدار ما نقص من توحشهم وبداوتهم.. اذا كان الغلب للامم انما يكون بالاقدام والبسالة, فمن كان من هذه الاجيال اعرف في البداوة واكثر توحشا كان اقرب الى التغلب على سواه اذا تقاربا في العدد وتكافآ في القوة والعصبية. وللتوضيح نقول هنا بان التوحش ليس المقصود به المعنى الدارج اليوم, وانما هو الاغراق في البداوة واكتساب سماتها المعروفة ونمط حياتها, اما العصبية فتعني الانتماء القبلي او العشائري او الطائفي او القومي, ويقصد به هنا كثرة الاتباع وتوحدهم خلف زعيم او فكرة. وما قاله ابن خلدون يفسر على نحو كبير من الانحاء هزيمة الروس في حربي افغانستان والشيشان, وربما في داغستان ايضا. فالافغان ومن شابههم من الاقوام القاطنة في منطقة القوقاز واسيا الوسطى, هم اقرب الى البداوة منهم الى الحضارة والتحضر, ومن ثم فهم اقدر على تحمل القتال, وظروف المعيشة القاسية والاكثر استجابة لواعز الحرب والافتتان بالمعارك. ولا عجب بعد ذلك ان وجدنا ان عدداً قليلاً منهم يتحصن في الجبال أو الكهوف, قادر على مواجهة وهزيمة مئات والاف الجنوب النظاميين, وان شعبا صغيراً لا يزيد تعداده عن بضعة ملايين شيشاني, قد أجبر روسيا الضخمة على الخروج من أرضه, تجر وراءها أذيال الخيبة. ربما كان علينا ان نشير هنا إلى ان شعوب آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز (خليط يضم عشرات القوميات من التركمان والأوزبك والطاجيك والكازخ والأذريين والأرمن والدراغيين والشيشان وغيرهم) وهم رعاة ومزارعون, كانوا حتى القرن الماضي واقعين إما تحت سيطرة الامبراطورية العثمانية أو الايرانية, قبل ان تتمكن روسيا القيصرية من ضم هذه المناطق إلى امبراطوريتها. وفيما بعد ومع قيام ثورة أكتوبر الروسية عام 1917 جرى ترسيم الحدود بين هذه المناطق (وبصورة اعتباطية في بعض الأحيان) ما أدى إلى ولادة عدد من الجمهوريات المستقلة في اطار الاتحاد السوفييتي السابق, بالاضافة إلى عشرات الأقاليم والجمهوريات الصغيرة ذات الحكم الذاتي. لكن تبين بعد انهيار الاتحاد السوفييتي واستقلال هذه الجمهوريات عن موسكو, ان التحديث الذي أدخلته سنوات الحكم الشيوعي, كان تحديثا شكليا, لم يؤثر على الطبيعة الاجتماعية لمعظم هذه الشعوب, ولا يكاد المرء يلحظ اليوم فروقا جوهرية بين الأفغان مثلا وبين الطاجيك أو الأوزبك. ولهذا يتوقع ان تتزايد متاعب موسكو, في حال نجحت داغستان في الافلات من القبضة الروسية, الأمر الذي قد يشجع جمهوريات وأقاليم صغيرة أخرى على المطالبة بالانفصال وتشكيل دول مستقلة. وبكلام آخر فإن روسيا لا تواجه اليوم مجرد مجموعات من المسلحين الانفصاليين, وانما تواجه في الحقيقة مداً رعويا, انطلق من السهول الافغانية ويواصل زحفه شمالاً وغرباً عبر منطقة آسيا الوسطى, وليس معروفا اين سوف يتوقف!