ويتساءل الكاتب الامريكي: لماذا حولوا حكاية الهولوكوست الى معزوفة مقدسة, مكرورة ثابتة, مقررة لا يمل القوم من ترديدها على مسامع الامريكيين صباح مساء ..؟ رحلة الطيران طويلة الى حد الاملال... تفرغ من قراءات شتى ـ صحف وكتب ومجلات ـ تمتد يدك الى كتيب يعجبك في الاسفار... ويسعفك احيانا في حالة الكتابة اذا ما تراءى لك ان تراجع حادثة او ترجمة لشخصية في اطار التاريخ المعاصر. الكتاب من سلسلة بريطانية مفيدة هي (كولنزجم) بمعنى الجوهرة وعنوانه: حقائق اساسية في التاريخ من عام 1900 في اواخر الثمانينات (لا ندري ان كانوا قد اصدروا له طبعة محدثة ومستكملة ـ ولعلهم فعلوا) ـ نقلب صفحات الكتيب وعددها 316 من القطع الصغير يعن لك ان تفتح على مدخل بعنوان (اسرائيل) ترى ماذا يقول عندها واضعو هذا الكتاب من اصدقائنا الانجليز؟. اولا هم يتبرعون بجعل القدس عاصمة اسرائيل وهو امر لاتزال ترفضه كل القرارات والاعراف الدولية.. التي ترفض من الناحية المبدئية حكاية الامر الواقع ـ دي فاكتو. وثانيا ـ وهذا هو الامر المستقر الى حد بعيد ـ يقول الكتاب المرجعي بكل براءة أو ادعاء للبراءة ان هدف الحركة الصهيونية كان يتمثل دوما في انشاء وطن قوي لليهود في فلسطين (وهذا في حد ذاته ادعاء زائف اذ كادوا يعتمدون وطنا يختلقونه في سيناء او في الارجنتين او في اوغندا وما حملهم على حكاية فلسطين سوى ان دخلوا جزءا من مخطط الامبريالية البريطانية, ومن بعدها الامريكية بهدف السيطرة على مقدرات وموارد الشرق العربي وخاصة مع ارهاصات كشف البترول. اما الفرية الكبرى التي حملها الكتاب المذكور فهي قوله ان اليهود كانوا قد تشتتوا من فلسطين (!) وانتشروا في كل انحاء اوروبا وشمال افريقيا والشرق الاوسط وقت الامبراطورية الرومانية ـ يعني من مراحل ما قبل ميلاد المسيح. فن الكذب التاريخي وهكذا, اصبح مطلوبا منا ان نبتلع وننسى كل ما تعلمناه من صحيح التاريخ ونقبل بفكرة ان صهاينة اليوم هم الورثة المباشرون ومن ثم الشرعيون ليهود الامس الذين لقوا مصير الشتات ـ الدياسبورا ـ منذ ايام الامبراطورية الرومانية, يعني منذ فترة قد تتراوح بين الفين وثلاثة الاف من السنين ـ وتلك امور تدحضها على الفور حقائق الانتماءات العرقية المتباينة لصهاينة اليوم حيث ينحدرون من اخلاط سلافية (في شرق اوروبا) وانجلوسكسونية في غربها ناهيك عن يهود الخزر الذين تحولوا جماعيا الى اليهودية في مرحلة ليست ببعيدة في التاريخ. هكذا حولوا التاريخ الى اساطير وعمدوا الى انشاء مشروع للاستيطان الاستعماري في فلسطين يحملون مدفع العوزي المدمر في يد وفي اليد الاخرى يحملون (توراة) جاءوا بها وهم يتلون بين سطورها وعودا من الرب في ارض فلسطين.. وكأنما يرتضى الرب اغتصاب ارض لشعب كان يعيش عليها لمصلحة قوم جاءوا من شتى فجاج الارض ـ لم يطرقوا بابا ولا حتى تقدموا بالتماس من اجل التعايش بل دمروا كل الابواب.. وعاثوا في فلسطين فسادا يقتلون اهلها العرب ويذّبحون اطفالهم ويغيرون معالم الجغرافيا ويحرفون حقائق التاريخ. الحياة بالاساطير خمسون سنة عاشها الاسرائيليون منذ نكبة 1948 وسط اساطير اختلقها رواد الحركة الصهيونية من اجل استزراع وتعزيز وانجاح مشروعهم في استعمار الارض العربية في فلسطين.. ولقد تتراوح الاساطير ما بين حكاية الهولوكوست التي نفخوا فيها على اساس اضطهاد النازي لليهود وايداعهم معسكرات التجميع رهن الاعتقال خلال الحرب العالمية الثانية, وكان في هذا بعض الحقيقة, ولكن ليس كل الحقيقة لا من حيث الحجم ولا من حيث الدرجة ولا من حيث النتائج.. والا.. فماذا هذه الجهود الحثيثة, بل الرهيبة التي ما برحوا يبذلونها في امريكا بالذات, من اجل النفخ المستمر ولو ادى الى انفجار, في حكاية محارق الهوكولوست.. افلام اخرها طبعا قائمة شندلر التي حرصوا على ان يحصد اكبر عدد من الجوائز نالها عمل سينمائي في القرن العشرين.. دع عنك ما ناله مخرجه اليهودي سبيلبرج ـ وهو بالمناسبة صديق شخصي حميم للرئيس الامريكي كلينتون ـ من تكريم كان اخر حلقاته استقباله ضيفا للشرف في دوائر المجمع العسكري الصناعي الامريكي ـ البنتاجون ـ في اوائل اغسطس الحالي في سابقة هي الاولى من نوعها ـ كما اكدت الدوريات الامريكية ـ بالنسبة لمواطن مدني. ثم هناك الكتابات الروائية وشبه الروائية والعلمية وشبه العلمية التي تقول وتعيد وتزيد في مآسي الهولوكوست.. بالصوت والصورة واستدرار دموع ممن يحملون صفة الناجين او الباقين بعد المحرقة وهي دموع ـ وياللغرابة ـ يستطيع اصحابها وقد اصبحوا بشرا فانين بحكم الطعن في السن بعد ما يقرب من 60 عاما من عمر الزمن. وبعد ذلك يأتي دور المتاحف, اكبرها متحف في العاصمة الامريكية واشنطن افلحوا بحكم البروياجندا التي تعتمد التكرار بل الالحاح الرتيب الزاعق وفي جعل زيارته فرضا واجبا.. بل بندا ثابتا في رحلات السياحة وخاصة بالنسبة للاطفال والناشئة ـ وقد نضيف الى ذلك جهودهم التي لا تكل لحظة من اجل المناداة بادخال قصة الهولوكوست ضمن المقررات الدراسية والمناهج التعليمية في مدارس الولايات المتحدة حتى الان. وهم لم يفلحوا في ذلك بعد. لماذا؟.. لان الافعال انما تفضي بداهة الى ردود افعال.. وهذه الردود تصل احيانا الى حدود غاية في السلبية واحيانا العدوانية بين صفوف الشعب الامريكي. ان المثقف الامريكي اليهودي الشريف البروفيسور (تشومسكي) يصف علاقة امريكا باسرائيل بانها علاقة قلقة متذبذبة.. وكم يرصد المتابع عن كثب لاحوال او بالأدق دخائل المجتمع الامريكي. ان الناس العاديين زهقوا ووضعوا اصابعهم العشرة في كل الشقوق ازاء هذا الإلحاح على عقولهم وافئدتهم ووعيهم وحياتهم اليومية بتفوق اليهود, وعبقرية اليهود وحيوية ضمان السلامة والامن والازدهار لاسرائيل ولو كان هذا الامر على حساب دافع الضرائب الامريكي. حوادث ورموز وفي اسبوع واحد.. من شهر اغسطس تسامع الناس بحادثة اطلاق النار على مركز تجمعي يهودي في الساحل الغربي للولايات المتحدة وعندما امسكوا بالمتهم اعلن انه كان يريد توعية الناس ازاء خطورة اليهود ورغم ان مثل هذه الحوادث جديرة بالرفض والادانة من الناحية المبدئية وخاصة بحق المدنيين او الاطفال او اذا كان مبعثها دوافع عرقية تنطلق من مشاعر التعصب الشعوبي المريضة الا ان القوم فوجئوا في الايام التالية برسم علامة الصليب المعقوف على جدران بيوت ومؤسسات يهودية في انحاء متفرقة من امريكا وبعدها فاجأهم حريق في احد معابدهم في ضواحي نيويورك ولا ندري هل فهموا انها رسائل موجزة ولكن لها دلالتها بان ثمة رأيا عاما في حال من التذكر الساكت او الرفض المكتوم او السخط المكلوم, وعلامة الصليب المعقوف هي رمز النازية كما هو معروف.. وقد تكون ترجمتها في سياق الثقافة الامريكية المعاصرة هي: ايها اليهود.. خففوا غلواءكم نحن لانحبكم.. وحاولوا ان تتعايشوا معنا.. ولا تستعلوا علينا ولاتشمخوا بانوفكم تلك التي كسرها ادولف هتلر صاحب الصليب المعقوف.. بل عيشوا معنا وشاركونا حياتنا ومشاكلنا كمواطنين يعيشون بالتعاطف القومي والانتماء الوطني وليس بالاسطورة, لا أحد يستطيع أن يتغذى على الاساطير ولا احد يمكن ان يستمر في ابتلاع حبوب الكذب والتزييف والتمويه..واذا كان اصحاب المشروع الصهيوني في اسرائيل قد استخدموا الاسطورة لتمرير المشروع ومن ثم حشدوا برامجهم الفعلية بل وبحوثهم الجامعية, فضلا عن مضامين الاعلام والثقافة العامة.. باساطير التفوق اليهودي والتخلف العربي, حتى اصبح الاسرائيلي من خلال اساليب التنميط والتكرار والتسطيح والتهميش رمزا للانتصار فيما اصبح العربي رمزا للهزيمة ـ الا ان الصورة اصبح لها وجه آخر يحمل عنوانا اساسيا بالغ الدلالة وهو: ـ مراجعة التاريخ الاسرائيلي وتطهيره من الخرافات والاساطير السياسية والعسكرية.. ومحاولة تنقيحه كيما يقترب من الحقيقة الواقعة او التي وقعت. أول مراجعة دقيقة ولقد سبق وان قدمنا منذ عدة سنوات عرضا تحليليا لدراسة في غاية الاهمية كتبها باحث اوروبي هو البروفيسور بالوبو ورجع فيها وربما لاول مرة الى الارشيف الحكومي الاسرائيلي المعتمد.. وكان رائده هو ان يثبت ان ما حدث في عام 1948 كان ببساطة هو اغتصاب ارض تخص الشعب الفلسطيني وطرده بالقوة الارهابية العسكرية الغاشمة على يد عناصر اوروبية جاءت لتمارس الاستيطان الاستعماري في ارض فلسطين, ويومها اوردنا عبارات الباحث الكبير التي يقول فيها حسب ما تعيه ذاكرتنا. ـ لماذا يتعجب الناس ازاء هزيمة العرب امام قوات اسرائيل؟ ان معارك الحرب العربية ـ الاسرائيلية كانت في التحليل الاخير مواجهات عسكرية بين جيوش (عربية) تنتمي الى العالم الثالث وبين قوات (اسرائيلية ـ صهيونية) جاءت مستعدة ومسلحة على احدث طراز وكانت في الاساس جيشا ينتمي الى العالم الاول (اوروبا وامريكا)؟ كان فضل البروفيسور بالوبو انه حرك السواكن وتساءل عن المسكوت عنه في وقائع التاريخ المعاصر بالشرق الاوسط.. وطرح البديهيات التي ظن الاسرائيليين انها اصبحت رواسخ ثابتة ـ على محك التشريح العلمي والبحث التاريخي الذي يتوسل ـ موضوعيا ـ بادوات التحليل والتدقيق. في هذا المضمار بالذات استرعى انظارنا كتاب مهم بل هو كتاب خطير صدر مؤخرا في امريكا بقلم باحث مدقق هو الاستاذ (بيتر نوفيك) والكتاب يحمل العنوان التالي: (الهولوكوست في الحياة الامريكية) ولقد نحرص ـ بمشيئة الله ـ على ان نقدم عرض تحليليا وافيا او شبه واف لهذا الكتاب الذي مازال يثير عاصفة من الجدل والنقد وخاصة بين صفوف الكتاب والمثقفين والساسة اليهود الذين يرون في طروحات الكاتب الامريكي خروجا ـ لايليق في نظرهم ـ عن مألوف التسليم بحكاية الهولوكوسك من حيث جسامتها وشناعتها وضحاياها اليهود الذين لايزالون يطالبون ـ او يطالب ورثتهم بتعويضات ـ كسبوا منها المليارات حيث بدأت ـ كما هو معروف ـ بابتزاز الشخصية الالمانية منذ اوائل الستينات وكان ان نالت اسرائيل معونات عسكرية جاءتها على شكل فيالق من احدث انواع الدبابات والمدرعات التي عوضتها ـ كما ادعت ـ عن ظلم اليهود, وما كان منها ان استخدمتها لقتل العرب. الكاتب الامريكي نوفيك يطرق موضوعه موغلا فيه برفق وكأنه يقول: لو سلمنا جدلا كحكاية وقوع الهولوكوسك, ونحن يا اسيادنا لا نمارى في وقوعه, لكن يصبح من حقنا, نحن الامريكيين ان نتساءل لماذا يتصور اليهود انهم ضحاياه الوحيدون؟ ولماذا يقصرون على انفسهم, دون ملايين الضحايا من الشعوب الاخرى, نيل التعويضات وقبض المليارات؟ تساؤلات امريكية اكثر من هذا يتساءل الكاتب الامريكي الكبير: لماذا حولوا حكاية الهولوكوست الى معزوفة مقدسة مكرورة.. ثابتة ـ مقررة لا يمل القوم من ترديدها على مسامع الامريكيين صباحا مساء؟ هذا بينما يؤكد تاريخ الحرب العالمية ان لا احد كان يسمع عن حكاية, الهولوكوست ولا كان اليهود يعدون وقتها من ضحاياه.. وحتى محاكمة ادولف ايخمان (في اسرائيل) في عام 1961 لم يكن الهوكولوست قد ظهر باي شكل له مغزاه على رادار المجتمع الامريكي. هكذا تحدث.. كاتب مؤرخ امريكي.. وبعدها هاجت الدنيا في امريكا فها هو صوت منشق على تقديس الهولوكوست.. وكان طبيعيا ان يسارع الكتاب اليهود الى الرد والتفنيد ولا بأس من التقريع او التجريح.. ذلك لان الهولوكوست هو في نهاية, المطاف بناء فكري ـ عقائدي ـ سياسي ـ تاريخي ومعرفي يقوم على لبنات غريبة هشة من الحقائق الموظفة او المحرفة ومن انصاف وارباع الحقائق ومن الحكايات والشهادات التي يختلط فيها الواقع بالاسطورة, واي اختراق لمثل هذا البناء, كفيل بان يكشف هشاشته ـ وقد ينقض من الاساس. هكذا يسارع الكاتب اليهودي ادوارد روشتين الى كتابة مقالة يرد به على الكاتب الامريكي المنشق بيثر نوفيك تحت عنوان طريف يقول: ـ الهولوكوست امر مبالغ فيه؟ انشقاق على الانشقاق. وهو كما ترى نوع من اسلوب تهافت التهافت كما نعرفه في ثقافتنا الكلاسيكية. والموضوع له طرافته وخطورته.. واهميته بالنسبة لوعينا العربي ـ كما ان له ذيولا وتداعيات تتجسد فيما اقدمت عليه مؤخرا تيارات المراجعة والتنقيح داخل اسرائيل ذاتها. فالى الجزء الاخير ان شاء الله