من يزور حديقة الحيوانات ويرى الحيوانات الشرسة الضخمة اسيرة ذليلة وراء القضبان, يعتقد ان تلك الحيوانات من فصيلة الاغنام والكواسر من الجواسر, والكواسج مثل الرغام . ذات مرة وقفت امام قفص السبع مشدوها اتفرس وجهه العابس الحزين, وقلت في نفسي, رحم الله يوما كان فيه السبع من اسياد الغابة, متسائلا ما الذي اورده هذا المصير البائس وجعله اسيرا يتحرك في مساحة القفص. فإذاك سبع يجري ويقفز ويرقص باشارة من سوط سيده لقاء ما يسد به رمقه, إذ أن طعامه مرتبط بقيامه لهذه الحركات كل يوم امام الزوار وإلا مزق الجوع أحشاءه, انه يتسلم اجره في حلبة السيرك يوميا, فهل الجوع يعمل على تهذيب الطبائع الشرسة والمخالب الجارحة؟ ربما الامر يتعدى ذلك, جارح استلبت حريته منه, فغدا ذليلا لاخر صعلوك يمسك بيده رسنه أو معدته, ولسوف يبقى يجترح المستحيل لارضاء هذا السيد, وعبثا يحاول لأن السيد لا يرضى أبدا. ومن سخرية القدر ان تجد في الجهة المقابلة لقفص السبع ديكا يصول ويجول متبخترا يمشي بأرجل مشدودة واطراف ثابتة, منفوخ الريش والجسد, شاهرا عرفه الاحمر القاني بكبرياء مبتذل غير آبه بمن حوله, يسير بين دجاجاته ينكش, ويخمش ويطارد كالمارد, يلتقط بمنقاره القمح بصلف ونهم .. يبدل من وضع مشيته ووقفته كما يروق له, يرفع صوته على كل من حوله .. بيد أنه عندما يسمع صياح ديك آخر قادم من بعيد يرد عليه بصياح أعلى كمن يقول له (لست بضعيف تستباح حرماته) , ولكن ما ان يقترب الديك الاخر, حتى يبدأ القتال سجالاً فوق أرض محايدة, والدجاجات دائما للغالب, لقد استوقفني تصرف الديك الاول المغرور الذي كان صلفه يحوله احيانا إلى وحش شرس يفقأ اعين الدجاجات والديوك الاخرى في مصارعة تخمد لها الانفس وهو بلا شك يتصرف بذكاء, ولكنه ذكاء نفعي أناني خاص يتواءم مع مزاجه وملذاته ورغباته في المشي والقفز والاكل والنوم والمطاردة والاستمتاع وهو حيال الديك الاقوى يعلن هزائمه. ذكرني هذا الديك بأنماط كثيرة من البشر, أمثال المتحذلق والمغرور والظالم والانتهازي والوصولي والاناني والزائف والمنافق والشرير, فقلت: آه يا ديك لو تعرف أن احدا سوى الله جلت قدرته لا يستطيع ان يغير من طبيعة وظيفتك التي لا تتعدى حفظ النوع وما وجودك الا لاتمام عملية بقاء النوع, والحمد لله ان الدجاجات لا تملك قوة كافية للعراك, وهذه منّة من الله على الاجناس الاخرى الضعيفة. ترى هل تتعظ الديكة اذا وعت وظيفتها ونهايتها؟ .. هذه دعوة..