القارعة -الصاخة.- الطامة.- الواقعة.- الزلزلة.- الغاشية. هذه بعض اسماء يوم القيامة, وهي جميعا من حيث الجرس الصوتي الناشىء عن التركيبة الحرفية ـ فضلا عن المعنى ـ توحي بالهول والرعب مع الفجائية القاصمة . ومن رحمة الله بنا ولطفه انه ىهيىء لنا هنا في الحياة الدنيا ـ قبل حلول اليوم الاخر حيث لاتقبل معذرة ـ (قيامات) صغيرة من حين لاخر لنتوقف ونراجع انفسنا, من بين هذه القيامات الصغرى الزلزال. ان القيامة الصغرى في اي مكان في الدنيا وأي زمان رسالة تذكير الهى بأن الهول والرعب الذي نراه قبل اليوم الاخر ما هو, مقارنا بمشهد القيامة الكبرى المعرفة بالالف واللام, الا بمثابة نقطة ماء بالنسبة إلى المحيط .. فلعلنا نتوقف, ونتأمل انفسنا من الداخل ونتخذ موعظة نصحح مسارنا استعدادا للامتحان الاعظم. هي رسالة موجهة إلى كل الناس, إلى المؤمنين وغير المؤمنين, ولذا فان الزلزال الكبير الذي وقع في الشمال الغربي من تركيا مؤخرا لا تقتصر موعظته على اهل تركيا وحدهم, أو بالاحرى على الذين نجوا من الكارثة, ولا على المسلمين وحدهم في مواقع اخرى من العالم, اما الذين فاضت ارواحهم بفعل الكارثة فانهم انتقلوا إلى مآل اخر. الزلزال ليس القيامة الصغرى الوحيدة في الحياة الدنيا, هناك قيامات صغرى اخرى مشابهة من حيث كونها كوارث طبيعية, كالاعصار والفيضان والانزلاق الارضي, ومن بين القيامات الصغرى ايضا ما هو من فعل البشر, كالانقلابات العسكرية, وفي كل الاحوال والحالات يبقى القاسم المشترك هو الفجائية المرعبة وتبدل الموقف من حال إلى حال بصورة لم تكن منظورة اطلاقا, فيعم الذهول ويتجمد التفكير. وكما في القيامة العظمى في الاخرة يتلاوم الناس في الدنيا عند وقوع قيامة صغرى, كالزلزال أو الاعصار حين نكتشف اخطاء جسيمة في الوقت الضائع في تركيا ارتفعت اصوات الضحايا الاحياء تلوم كبار المقاولين والسلطة على حد سواء, المقاولون متهمون بممارسة الغش في عمليات بناء العمارات السكنية فعجزت عن الصمود في اول هزة ارضية, وهذا اتهام ليس بغير اساس, فكيف صمدت عمارة فاخرة بينما انهارت كل العمارات الاخرى على يمينها وشمالها وامامها ووراءها؟ والسلطة التركية ملومة لان الزلزال فضح عدم جاهزيتها للطوارىء, فقد انكشف انه ليس هناك فرق انقاذ منظمة, واذا وجد بعضها فانها ليست بمجهزة بوسائل الانقاذ الحديثة, وذلك في دولة تعتبر في مقدمة الصف الاول في العالم من حيث القوة العسكرية. وقبل ذلك, وعندما وقع اعصار (ميتش) في امريكا الوسطى قبل عدة شهور ومحا كل البنى التحتية للقطاع الزراعي, مزارع الموز, والسدود وانظمة الري والطرق والسكك الحديدية, من على وجه الارض اكتشف المواطنون في اكوادور ان الحكومة عاجزة سياسيا عن مطالبة الدول الدائنة بالغاء ديونها أو على الاقل تجميدها ريثما يستعيد الاقتصاد الوطني عافيته بعد عدة سنين. مع ذلك فان القيامة الصغرى في الدنيا تختلف عن القيامة العظمى, فالقيامة الصغرى هي في الاغلب موت جماعي بينما قيامة اليوم الاخر بعث جماعي, ورغم هول القيامات الصغرى في الدنيا فانها لا تنطوي على موقف حساب إلهي, بينما اليوم الاخر هو بالضرورة والحتمية (يوم الحساب الاكبر) . بكلمة واحدة, القيامة الصغرى في الدنيا (بروفة) مبسطة لتكون عظة لمن يتعظ استعدادا للمشهد الاعظم, (يوم لا ينفع مال ولا بنون, إلا من أتى الله بقلب سليم) .