في فيلم (رصاصة في القلب) المأخوذ عن مسرحية لـ (توفيق الحكيم) بالاسم نفسه يقع (محسن) ـ محمد عبدالوهاب ـ في غرام (فيفي) ـ راقية ابراهيم ـ من أول نظرة .. وتعجب هي به, وحين يكتشف أنها خطيبة صديقه العزيز (سامي) ـ سراج منير ـ يتغلب وفاؤه لصداقتهما على حبه لها, بل ويسعى للتقريب بينهما, وحل ما يعترض زواجهما من عقبات.. ولا يكف كلما التقى بها على انفراد, عن مدح صديقه والاشادة بمزاياه, والمبالغة في تصوير مدى حبه لها, في الوقت الذي كانت عواطفها تتجه نحوه بقوة. وفي احدى هذه اللقاءات, ضجرت (فيفي) من تجاهل (محسن) المستمر لتلميحاتها إلى حبها له, واصراره على الحديث عن (سامي) فقالت له: ـ إحنا اتكلمنا عن (سامي) كتير.. كلمني عن نفسك يا محسن.. عن أحوالك. ورداً على ذلك انشد عبد الوهاب طقطوقته الشهيرة: أقول لك إيه عن أحوالي. ولسبب ما, لعله الحماقة, أعجبت بهذا المشهد, وحفظت حواره, وأصبحت عبارة (اتكلمنا عن سامي كثير.. كلمني عن نفسك.. عن أحوالك) تتكرر على لساني.. وعلى قلمي, وكانت النتيجة مشاكل ومعارك ووساوس.. وإليك البيان: في عام 1979 وفي عز المعركة بين الرئيس الراحل (أنور السادات) وبين أحزاب المعارضة المصرية, وما كان يعرف ـ آنذاك ـ بجبهة الصمود والتصدي, والتي كانت تدور حول خلافات حادة بشأن سياساته من زيارة القدس إلى الصلح المنفرد مع اسرائيل, ومن هجومه على اليسار إلى معاركه مع العرب.. دعاني حزب (التجمع) ـ ولم أكن عضوا به ـ إلى إلقاء محاضرة, صاغ عنوانها على شكل سؤال يقول (أزمة حكومة .. أم أزمة معارضة؟) .. ولم يكن لدى الذين دعوني لالقاء المحاضرة أو الذين دعوا لسماعها, بل ولم يكن لدي أنا الآخر باعتباري أحد المعارضين ما أدلل به على ان الأزمة أزمة حكومة بالثلث الا انني ماكدت اجلس على المنصة, حتى وجدت (راقية ابراهيم) تجلس الى جواري.. وتهمس في اذني قائله: احنا اتكلمنا عن سامي كثير يا (محسن) .. كلمني عن نفسك.. عن احوالك.. فاذا بي انسى كل ما اعددته, واقول ما معناه اننا تكلمنا عن ازمة (سامي) ـ الذي هو الحكومة ـ كثيرا ولكننا لم نتكلم ابدا عن ازمة (محسن) ـ الذي هو المعارضة ـ وان الازمة مزدوجة, وليس لدى ما اضيفه الى ما قلته وما قاله غيري عن ازمة (سامي حكومة) .. ولكن لدى ما اقوله عن ازمة (محسن معارضه) ! واتذكر انني اخذت على احزاب المعارضة المصرية, وعلى جبهة الصمود والتصدي, آنذاك, ملاحظات ثبت فيما بعد صحة بعضها, كما ثبت خطأ الآخر, كان من بينها ان مقاراتها الرئيسية في حاجة الى تجديد افكارها وتوحيد قواها, وتوثيق صلتها بالجماهير, وان هناك مستويين للمعارضة احدهما على الصعيد الشعبي والاخر على صعيد النخبة السياسية, ومع ذلك فهناك اختلاف في دوافع كل مستوى للمعارضة, وليست هناك صلة بين المستويين.. وكلام كثير في هذا المعنى. ومع ان البعض تحمسوا لما قلت, فان كثيرين غضبوا منه.. لكن احدا من هؤلاء واولئك لم يعن بمناقشته, فقد شغل الجميع بالبحث عن دوافعي لاذاعته في هذا التوقيت بالذات, ولانهم لم يجدوا في ظاهر الكلام مايدعو لاعتراضهم, فقد اكدوا ان خطورته لا تكمن في نصوصه بل فيما بين سطوره.. وراهن كثيرون على ان هذا الكلام هو تمهيد لكي انتقل من معسكر (محسن معارضه) الى معسكر (سامي حكومة) وانني مرشح لمنصب كبير.. وكلام فارغ كثير بهذا (المعنى). وما لبثت الضجة ان هدأت.. والشكوك ان تراجعت, لان (سامي حكومة) لم يرشحني لمنصب كبير, بل رشحني للتحقيق معي امام المدعي العام الاشتراكي بتهمة نشر مقالات تسيىء الى سمعة مصر في الصحف العربية, لاجد نفسي في موقف لا يختلف كثيرا عن الموقف الذي وضعني فيه صديقي (محسن معارضة, اذ لم يكن المدعى الاشتراكي يناقشني في نصوص المقالات موضع الاتهام, بل كان يفتش في ظنه المعاني التي تختفي بين السطور, ويعبث باظافره الطويلة داخل خلايا مخي.. وايقنت انذاك وقبل ذاك وبعد ذاك ان (محسن معارضة) لايقل ضيقا بالمعارضة ورفضا للنقد عن سامي حكومة وان الطرفين يستخدمان الاساليب نفسها في مواجهة الذين ينقدونهم اذ لابد ان يكون وراء كل صاحب رأي مخالف او وجهة نظر ناقدة مصلحة خاصة او مكسب شخصي يسعى اليه, فلا احد يفكر من دماغه لان الجميع يفكرون خوفا من سيف الحكومات او سعيا وراء ذهبها ويستلهمون اراءهم من خزائن السفارات وسعيا وراء دولاراتها او روبلاتها او دنانيرها حسب الاحوال! لكن ذلك لم يمنعني من تكرار هذا النوع من الحماقات وكان اخرها ما نشر لي في اعقاب (حرب الفنادق) التي نشبت بين (فندق ماريوت) بالقاهرة الذي عقدت فيه (مجموعة كوبنهاجن) مؤتمرها الاخير وبين الفنادق التي اقامت فيها (حركة رفض التطبيع) مؤتمراتها المضادة, فقد زارتني راقية ابراهيم باعتباري من المنتمين القدماء لهذه الحركة ولفتت نظري الى ان الصحف والاحزاب المنتمية لها قد ارسلت مندوبين عنها لحضور (مؤتمر ماريوت) بدعوى انهم فرقة استطلاع مهمتها الحصول على معلومات عما يجري داخل مؤتمر التطبيع وان ذلك - طبقا لقرارات الجمعية العمومية لنقابة الصحافيين - يعتبر تطبيعا... وقالت لي بصوتها الجميل: اتكلمنا عن (سامي كوبنهاجن) كثير كلمني عن نفسك يا (محسن رفض التطبيع) عن احوالك. ومع انني اعتذرت لها بانني تكلمت عن هذا الموضوع كثيرا طوال عشرين عاما ودعوت (محسن رفض التطبيع) ان يعقد مؤتمرا يبحث فيه احواله ويواجه اشكالياته وينظم صفوفه ويضبط مصطلحاته الا ان احدا لم يستجب, وغنيتها بصوتي الرخيم الاغنية التي رد بها عليها (عبدالوهاب) حين طلبت اليه ان يكلمها عن احواله (اقول لك ايه عن احوالي... بعد اللي شوفتيه بعنيكي... ادي حياتي وادي حالي... ح اخبي ايه تاني عليكي؟) . فقد ألحت علي ان اعاود الكتابة عن اشكاليات (حركة محسن رفض التطبيع) . وعينك ما تشوف الا النور يا قارىء... اذ ما كدت افعل ذلك حتى انصرف الجميع عن (سامي كوبنهاجن) ليمسكوا في تلابيب العبدلله, وفين يوجعك وتذكر عدد من الاصدقاء والرفاق القدامى انهم كانوا قد وضعوا براطيشهم الثورية اي احذيتهم القديمة في الدواليب منذ احيلت الثورة في جميع انحاء العالم, الى المعاش, فاستخرجوها واندفعوا يطارودنني بها على صفحات الصحف. ومع انني ظللت طوال الوقت اصرخ: يا جدعان انا (محسن) مش (سامي) .. إلاّ أن أحداً لم يسمع, بل ان معظم الذين طاروا خلفي ببراطيشهم الثورية, لم يقرأوا ما كتبت, بل سمعوه من آخرين.. وقال لي صديق عزيز: الناس زعلانه.. ليس بسبب ما كتبت ولكن لانها تشك في ان هناك نيّه ما وراء الكلام لم تذعها. لحظتها فقط, خيل اليّ انني أمام المدعي الاشتراكي, وأنه يعبث في خلايا مخي بأصابعه ذات الاظافر الطويلة التي تخفي خلفها كمية هائلة من القاذورات.. وأنني امام محكمة تفتيش, لاتحاكمني على أفعالي بل على نواياي.. أو على مانشك انه نواياي. وان مشكلتنا الاساسية ليست (أمريكا) ولا (اسرائىل) ولا النظم التي تحكمنا, ولكن مشكلتنا هي أن محسن لا يحب الكلام عن نفسه بل يفضل ان يتكلم طوال الوقت عن (سامي) , وأننا بسبب نشأتنا في ظل أنظمة ـ وأسر ـ غير ديمقراطية, لم نعد نطيق الخلاف في الرأي, حتى لوجاء من داخل صفوفنا.. وخدم نفس الاهداف, وربما بطريقة افضل وان كل منا, هو صورة طبق الاصل من النظام الذي يحكمه, يفضل ان ينقض (سامي) عن ان ينقض (محسن) . وفي أحيان كثيرة يخيل إليّ أن اسرائىل قد زرعت خصيصا في هذه المنطقة, وتبنتها امريكا, لكي تكون مشجباً نعلق عليه اخطاء, اخطائنا النظم التي تحكمنا, بدلا من ان نواجه انفسنا ونواجههم بحقائقها, ويذكرني ذلك بنكته شاعت في عهد الرئيس (عبدالناصر) ففي ختام مناقشة بين مواطن مصري وآخر امريكي حول الديمقراطية في البلدين, قال الامريكي: انا مثلا اقدر اروح عند البيت الابيض واهتف ضد الرئيس جونسون. فقال المصري: وايه يعني انا كمان اقدر اروح عند منشية البكري واهتف ضد الرئيس جونسون! ولمعلومات سعادتك ياقارىء.. فأنا استطيع ان اشتم (باراك) من الان وحتى نهاية القرن, وان أدلل لك على انه مراوغ ولاينوي ان يحقق السلام, او يعيد الارض العربية المحتلة, وأن اقدم لك مليون دليل على أن كلينتون رئيس لعبي وعينه زائغه, ولايكف عن البصبصه للنسوان.. كما أنني استطيع بمهارة فائقة ان العن سنسفيل (سامي كوبنهاجن) وان اوجه اليه كل ألفاظ السباب التي تعلمتها خلال نصف قرن من التشرد.. ثم أعود الى منزلي لكي أشد اللحاف على نفسي وأنام.. ولكن الحكاية يا (محسن) ان هذا لايعيد أرضاً ضاعت, أو ارادة تحللت, أو قوة تبددت.. والدليل على ذلك, ان (حرب الفنادق) ما كادت تنتهي ليعود (محسن رفض التطبيع) فيشد اللحاف على نفسه وينام, حتى بدأت الهرولة العربية. مصافحات في جنازات, ومكاتب علاقات طلبت الجامعة العربية اغلاقها, استعادت نشاطها, ومهندسون زراعيون عرب يتعلمون الزراعة في اسرائيل, وعمال معمار عرب يشتركون في بناء المستوطنات.. والخير لقدام على رأي (غوار الطوشه) .. والواقع انني لم أكن أريد ان اكتب هذا المقال الذي قد يدفع الزملاء والرفاق القدامى لاعادة شهر براطيشهم الثورية فوق رأسي, لولا ان (راقية ابراهيم) زارتني أمس, وعبرت عن دهشتها لان أحد القادة العسكريين العرب شتم الرئيس الفلسطيني (ياسر عرفات) ووصفه بانه (مدمن تنازلات) و(راقصة استربتيز) , وانه ابن... وطلبت اليّ ان اتصل به وأقول له: اتكلمنا عن (عرفات استربتيز) كتير.., كلمني يا (محسن رفض التنازلات) عن نفسك.. عن أحوالك عن تنازلاتك! لكني كنت قد تعلمت الحكمة من حرب البراطيش الثورية التي تعرضت لها خلال الاسابيع القليلة الماضية, لذلك طردتها من غرفتي.. واقسمت ألا اتحدث عن (محسن) إلا بما يرضيه, لذلك اقول له: كلمني عن (سامي كمان وكمان, يا محسن) يا جميل.. يا حلو.. يا مكسر الدنيا.. يا سجيع السيما!