تنشط الدعاية العراقية في الاسابيع الاخيرة باتجاهين, الاول هو الايهام المنظم بان هناك خطة عسكرية وسياسية تعد من الخارج للاطاحة وبالقوة بالوضع القائم في بغداد , وبالتالي فان كل الحشد والتعبئة يتجه الى تكثيف الشعور في الاجهزة الرسمية والحزبية بقرب هذا الحدث وبالتالي الاستعداد والتحسب له في حالة الاستنفار القصوى, وهو امر يخص السلطة العراقية وفهمها للمتغيرات الدولية ولقوة المعارضة في الداخل والخارج, وان كان يعني ايضا محاولة لرفع درجة الاستعداد تحسبا لاي طارىء لحماية النظام. اما الاتجاه الثاني وهو ما يهمنا مناقشته, فهو التوجه الاعلامي لاظهار الوضع العراقي الداخلي المتردي انسانيا واقتصاديا بشكل مأساوي, وذلك من اجل استدرار العطف من جهة المتعاطفين الايديولوجيين, ومن ثم تكثيف رأي عام عربي ودولي لتأييد الحملة الداعية لرفع العقوبات الدولية على العراق بالتحايل على قرارات مجلس الامن ذات الصلة. وعنوان هذه الحملة الاخيرة هو وفيات الاطفال في العراق, وعرض صورهم في الاعلام العالمي, ومناقشة تقارير دولية وخاصة تقرير اليونسيف الاخير الذي قرر ان وفيات الاطفال في المناطق العراقية الخاضعة للسلطة المركزية هو اكبر من مثيلاتها في المناطق العراقية خارج السلطة المركزية. وتزخر بعض الصحف الاجنبية وكذلك بعض الصحف العربية الدولية بصور الاطفال العراقيين وامهاتهم على اسرة المرض, وهو مشهد انساني يستدر العطف والشفقة من الانسان العادي, ويثير التعاطف, الا ان هذا الخطاب الدعائي العراقي ينكر المسافة بين الواقع المتردي الذي وصلت اليه حالة اطفال العراق وسياسات النظام المستمرة في تجاهل الحاجة الانسانية لاطفاله وشعبه وهو انكار وتجاهل متعمد للاستمرار في السياسات العراقية الخاطئة والمتعسفة, بل يؤخذ ذريعة لاستمرار هذه السياسات. والاخطر ان تقع بعض العقول رهينة لمثل هذا الخطاب الاعلامي والدعائي العراقي وتقبل لاسباب مختلفة تبرير بقاء الشعب العراقي تحت رحمة الاكراهات القسرية التي تمثلها مجمل سياسات النظام العراقي, هذه السياسات التي ادت الى الوضع المتردي الذي يشهده الشعب العراقي. في الوقت الذي تقوم فيه الحكومة العراقية بالصرف الباذخ على منتسبي اجهزتها وقوى الامن الخاصة بحماية النظام, كما تقوم ببناء المنتجعات والقصور التابعة لرجال النظام حيث يصل الدولار الى ما يساوي الفين من الدينارات العراقية, وبالتالي تسقط العملة العراقية اكثر واكثر تحت رحمة التضخم وتجار الاقوات, وكما وصفه تقرير نشر اخيرا بانها ( اي العملة العراقية) مثل ثمرة طازجة تنخرها ديدان وحشية) وفي الصيف يخشى الناس ان يضعوا العملة في جيوبهم خشية ان يذوب حبرها, فالوانها الفاقعة قد تذوب مع العرق المتصبب لانها تطبع محليا دون غطاء؟ هذا الوضع الاقتصادي المتردي والبشع متروك للقطاعات الشعبية مواجهته في كل مناحي الحياة يوميا, ولايجري الحديث عنه, ويكاد المرؤ الا يصدق ما يقرأه عن الوضع الداخلي في العراق, ولو لا ان التقرير الذي قرأته اخيرا قد كتبه متعاطف, وقد اشار فيه الى مقابلات لوزراء ومسؤولين عراقيين في السلطة, ومع ذلك فإنه يكشف بعض الخبايا المستترة. ومما قاله التقرير انه حتى موت الانسان العادي في العراق اصبح له ثمن باهظ, وانقل من تقرير وبالحرف عن هذا الموضوع ما يلي: (دفن الموتى لم يعد مجانا في العراق, كما كان سائدا من قبل اذ يكلف دفن الميت حاليا بين 30 الى 40 الف دينار, وهو يعادل ثمانية اضعاف مرتب الموظف الشهري, كما ان القبور لم تعد متجانسة بل هناك اصناف وانواع ودرجات, من المرمر والجص الابيض, والطابوق الاصفر, بعد ان كانت من التراب الاحمر, وبدون شاهد إلا من طابوقة تشير الى وضع رأس الميت, واصبح متعهدو دفن الموتى وحفار القبور من اصحاب الملايين, واصبح لهم مكاتب وموظفون وسكرتيرات, وفي اغلب الاحيان يزورون المقابر بسياراتهم الفاخرة والاشراف على سير عملية الدفن) . ويتحدث التقرير عن شيء آخر هو (سوق بيع الاعضاء البشرية) حيث اصبح لهذه السوق سماسرة يعقدون الصفقات, ومستشفيات تجرى فيها العمليات) كل ذلك تحت سمع وبصر الاجهزة الحكومية المختلفة, ولان الامر ليس له اولوية امنية تهم النظام فلينتعش السوق ويحدد العرض والطلب آليته وطريقة عمله. ويصف التقرير عمليات السطو التي تتم في رابعة النهار منها مثلا (يأتي اللصوص بشاحنة كبيرة محملة بالسماد ويطرقون باب الشخص الذي يقررون سرقة سيارته ويدعون ان صاحب البيت قد ارسلهم بالسماد للحديقة, وبين تردد الزوجة يفرغون حمولتهم امام كراج البيت, ثم يذهبون, ويأتي صاحب البيت مساء فلا يستطيع ادخال سيارته في الكراج, فيضطر لتركها في الخارج, وبالتالي يأتي اللصوص ليلا لسرقة السيارة الجاهزة) . اما السرقات الاخرى فمنها سرقة اسلاك كهرباء الضغط العالي, وسرقة المراقد والمساجد الدينية, واخيرا سرقة الاطفال, وذلك لعمل عاهات لهم واستخدامهم في التسول, عدا اشكال اخرى من فنون السرقة. يقول التقرير ان الوضع الحالي في العراق ادى الى ظهور طبقتين هما : اثرياء القصور وفقراء البيوت, فيما اختفت الطبقة المتوسطة, واصبح المزارعون على حين غرة اثرياء الوطن, لان الدولة تشتري منهم كل محصولاتهم الزراعية ولا تندهش, يذهب التقرير الى القول: ان رأيت فلاحا اوشيخ عشيرة مفتخرا ومزهوا في صدر سيارته البيكب, ويملأ مؤخرتها بملايين الدنانير, وافراد حاشيته يجلسون في الخلف وبين ايديهم رشاشات (البرنو) لحماية النقود المعبأة بأكياس الحنطة, وهو يرسل انظاره الى معارض السيارات بحثا عن شراء سيارة سوبر صالون او مرسيدس او بي أم دبليو او غيرها من انواع السيارات الفاخرة. ليس هذا كل ما في التقرير فهو ينقل عن وزير التربية العراقي قوله: ان لجنة الامم المتحدة قد منعت ـ عن الحكومة العراقية ـ صفقة اقلام رصاص (كانت الحجة ان الكرافيك الاسود الموجود فيها يمكن ان يجمع وتصنع منه القنابل) . مثل هذه التقارير التي بدأت تأخذ طريقها الى الصحافة العالمية وبعض الصحف العربية يبدو ان واضعيها قد بذلوا محاولة جادة كي يبدوا محايدين ومنطقيين وهدفهم الدفاع وتبرير ممارسات الحكم في العراق. والحقيقة ان الممارسة السيئة للنظام العراقي تبرز من ثنايا هذه التقارير, فالطبقة الجديدة التي اسماهم التقرير المعني بأغنياء القصور, هم طبقة يريد النظام الحاكم في العراق ان يعليهم ويبوئهم مكانة متقدمة في المجتمع العراقي كونهم كما يعتقد عونا لبقائه واستمراره, كما ان السرقات شبه المنظمة التي تجري في المدن العراقية بهذا الوضع والعلنية لا يمكن ان تكون بعيدة عن المافيا القريبة من الحكم. لم يدرك البعض ان جوع الاطفال العراقيين وعوزهم هو جزء من جوع الشعب العراقي وعوزه وقلة حيلته تجاه هذا الحكم المسلط عليه, كما ان هناك مقارنة حية بين ما تخلفه النظم الشمولية وبين جوع شعوبها والمثال في الذهن ما يحدث في كوريا الشمالية, حيث المجاعة تنتشر بين السكان ويلجأ النظام هناك لتصنيع الصواريخ العابرة للقارات والمقارنة مع الفرق تظهر في كل بيان عسكري يخرج من العراق, ففي الوقت الذي تتحدث بيانات التحالف عن ضرب مضادات طيران ارضية, تقول بغداد انه هجوم على مقار سكنية نفس القصة القديمة الجديدة.