مع الاخذ في الاعتبار رؤية جون قرنق السالبة تجاه الوفاق يبقى السؤال الكبير: ما هي فرص نجاح المشروع الليبي المصري المشترك لتحقيق تصالح سوداني عبر مؤتمر الحوار القومي المقترح ؟ هناك عقبات طفت بالفعل على السطح حتى قبل الاتفاق النهائي على عقد المؤتمر القومي لكن يبدو ان ازالتها ليست امرا صعبا. اولى هذه العقبات تلك الشروط التي وضعها قادة المعارضة الخارجية وجعلوا مشاركتهم في المؤتمر رهنا بوفاء الحكومة السودانية بهذه الشروط مقدما. وابرز هذه الشروط اجراء تعديلات دستورية وقانونية بهدف الغاء كافة المواد القانونية التي ترى المعارضة انها تتعارض مع حرية التعبير والتنظيم. وفي المقابل تقترح الخرطوم ان تطرح مثل هذه المسائل كأجندة للنقاش عند انعقاد المؤتمر لا كشرط لانعقاده اصلا. ويستشف من تصريحات الجانبين وتعقبات الوسطاء الليبيين والمصريين انه ليس من الصعب التوصل الى صيغة وسطية. وبرزت عقبة اخرى عندما اختلف الطرفان الاساسيان - الحكومة والمعارضة - حول مسألة وقف اطلاق النار الواردة في بنود المشروع الليبي كاقتراح بهدف تهيئة جو موضوعي يسبق مؤتمر الحوار. فبينما قبلت الحكومة بوقف فوري لاطلاق النار واعلنت التزامها بذلك رسميا قال قادة المعارضة انه لا وقف لاطلاق النار الا (في اطار اتفاق سياسي) . وهذه نقطة تستحق التوقف لانها قد تكون في حقيقتها مؤشرا على تناقض في ذهن قادة المعارضة الشمالية ما بين استعدادهم للتجاوب مع مشروع الوسيطين الليبي والمصري وبين التزامهم التنظيمي مع حركة قرنق في اطار (التجمع الوطني الديمقراطي) مما قد يفرز تعقيدات مستقبلية اذا انعقد مؤتمر الحوار بمشاركة قرنق. لقد كان المفهوم ان الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني قد وافقا على المشروع الليبي بكل بنوده بما في ذلك وقف اطلاق النار (ووقف الحملات الاعلامية) بصورة فورية وذلك قبل ان يعرض المسؤولون الليبيون مشروعهم على السلطة السودانية. ولهذا فانه عندما اعلن قطبا المعارضة الشمالية لاحقا معارضتهما المشروطة لوقف اطلاق النار كان ذلك القرار مفاجأة لطرابلس والقاهرة والخرطوم في آن معا. غير انها مفاجأة لا ينقصها التفسير فقد جاء اعلان زعيمي المعارضة بعد ان اصدرت حركة قرنق بيانا برفض وقف اطلاق النار (الا في اطار اتفاق سياسي) . وهذا هو ما نعنيه بتناقض ذهنية قادة المعارضة الشمالية ما بين التحمس للمصالحة وبين ارتباطها مع حركة قرنق. قضية الجنوب هي اذن الصخرة الكبرى التي سوف ترتطم بها جهود الوفاق لان ما يجري في الجنوب السوداني مرتبط عبر حركة قرنق برؤى ومخططات قوى خارجية على رأسها الولايات المتحدة, قد لا يكون ملائما لها ان يتبلور وئام قومي سوداني يفضي الى عهد استقرار سياسي في السودان تحت مظلة عربية احد طرفيها ليبيا المصنفة امريكيا كعدو استراتيجي مستديم. تأسيسا على ذلك لن اندهش اذا اتضح خلال الاسابيع المقبلة ان حركة قرنق تعمد الى اجهاض المصالحة السودانية بمختلف المحاذير والعراقيل قبل انعقاد مؤتمر الحوار او نسفه وافشاله اذا انعقد فعلا. في مثل هذه الحالة - اذا نشأت - لا ادرى كيف يتصرف الزعيمان الشماليان الصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني بالنظر الى حرصهما التوصل الى صيغة وفاقية مع النظام السوداني ومع الاخذ في الاعتبار ان هناك طرفا شماليا اخر هو الحزب الشيوعي السوداني اعلن منذ الان معارضته للتصالح مع الخرطوم فان سؤال المستقبل المرئي يكون كما يلي: هل يتبلور مع تصاعد احتمالات انعقاد مؤتمر الحوار انشقاق داخل (التجمع الوطني الديمقراطي) يكون طرفاه (حزب الامة) و(الاتحادي الديمقراطي) من جهة وحركة قرنق والحزب الشيوعي من جهة اخرى؟