لم يكن المراقبون المتابعون للشأن الروسي على خطأ, فالدلائل جلها تشير الى ان موسكو المتعثرة سوف تدخل في معارك متعددة مع المعارضة والاقاليم لتهريب استحقاقات المأزق الاقتصادي والسياسي . وهكذا كان, فاعلن رئيس الوزراء الجديد (فلاديمير بوتين) ان معالجة الوضع في داغستان اولوية قصوى, ثم تأتي بعدها القضايا الاخرى التي كان يرددها رؤساء الوزارات السابقين بعد حصولهم على الغالبية البرلمانية, مثل تحديث الجيش وتحسين صورة روسيا في الخارج ومكافحة الفقر وفرض النظام والالتزام بالاصلاحات الاقتصادية والسياسية التي بدأ الاعلان عن تنفيذها مطلع التسعينات ولم يتحقق الا القليل منها. ولكن تبرر الحكومة الروسية نوعية المساعدات المزمع الحصول عليها من الخارج, وجهت اتهامات متعددة الى دول اسلامية وعربية بانها تمول الانفصاليين الداغستانيين, واعلنت دوائر حكومية هناك ان المقاتلين حصلوا على مبلغ خمسة وعشرين مليون دولار لشن الحرب على روسيا (!) من دول عربية, فيما سربت دوائر حكومية روسية اخرى معلومة عن نية الحكومة بزيادة رواتب الجنود الروس الذين سيقاتلون في داغستان لتصل الى ألف دولار امريكي شهريا اسوة بزملائهم المنضوين تحت قيادة القوات الدولية في كوسوفو بينما لايزيد راتب الجندي العادي على عشرين دولارا شهريا! هل تتمكن موسكو من سحق المقاتلين في غضون ايام؟ ام يتحول النزاع هناك الى قيح آخر ينزف في جسد الدولة الاتحادية؟ واية مساعدات تلك التي سيقدمها الكيان الصهيوني لموسكو حسبما اكدت عليه تل ابيب؟ واذا كانت الحرب هي المخرج كما تراه الحكومة الروسية الجديدة, فإن لهذه الخطوة شروط واستحقاقات تتجاوز مسألة تهريب المشاكل الداخلية في المراكز الى الاطراف, فالحرب في داغستان ليست من البساطة ولايمكن حسمها عبر ارسال المزيد من القوات لإبادة المقاتلين الداغستانيين الذين يبلغ قوامهم اكثر من ثلاثة آلاف عنصر يتزعمهم امير الحرب (شامل باسييف), عضو مجلس الشورى الشيشاني ـ الداغستاني. ويبدو ان الأمر ليس صعبا لكي يفهم المتابعون اولويات موسكو بعد اقالة رئيس الوزراء المنصرف (ستيباشين). فالقضاء على الفقر ومكافحة الجريمة وفرض النظام لايمكن معالجتها وفق المعطيات الراهنة التي تعيشها روسيا, خصوصا في ظل تحكم اقلية لاتزيد على أربعة بالمئة في ثروات البلاد وتوجيه سياساتها الداخلية والخارجية, ذلك ان الأزمات التي تعصف بالمركز, لابد وان تترك آثارا اكبر في الاطراف التي هي الاقاليم والجمهوريات التي تتمتع بحكم ذاتي او استقلال منقوص عن موسكو كجمهورية الشيشان وداغستان وشايفو الشركسية. فالاهمال كان واضحا في جمهوريات الاتحاد السوفييتي المنهار, ما عجل في عملية التفكك واعلان الجمهوريات الكبرى استقلالها عن روسيا الاتحادية, بينما اختمرت حالات الاحتقان السياسي والاقتصادي في الاقاليم التي تشكل الجمهورية الكبرى لتنفجر في الشيشان قبل سنوات وتنتهي بعد حرب طاحنة خسرت فيها موسكو الكثير من هيبتها وتعرت حقيقة قوتها العسكرية والامنية بعد الانهيار. والآن, وحيث طبول الحرب تضرب بقوة وجثث القتلى ترسل الى المقابر في روسيا, فإن الوضع لا شك خطير حسب وصف رئيس الوزراء السابق ستيباشين الذي أضاف انه (من الممكن ان نفقد داغستان) , محددا بذلك أولوية بلاده, لكنه أقيل قبل ان يبدأ بتنفيذ المخطط الذي أقر من قبل حكومته في داغستان, والذي يتهمه زعيم المقاتلين الداغستانيين بأنه مخطط تخريبي وارهابي يقضي بالاقدام على عمليات تفجير وتصفية جسدية لقيادات سياسية وميدانية في كل من الشيشان وداغستان ومن ضمنهم الرئيس الشيشاني (اصلان مشهدوف) . وما يعزز هذا القول ان الحكومة الروسية انحدرت الى مستويات دنيا في التعامل مع معارضيها في القوقاز, فشرعت في الاقدام على خطوات لافتة من ضمنها عمليات خطف رهائن ومن بينها حبس وزير الأمن الشرعي الشيشاني لمدة يوم واحد بعد ان اصطادته في احدى مطارات موسكو! والمشكلة التي تواجه موسكو في حربها مع الداغستانيين تتمحور حول عدة نقاط أهمها ان ظهرها غير محمي في مواقع اخرى, خاصة الوضع الداخلي الروسي اقتصاديا وسياسيا, كما انها تتعاطى مع جمهوريات القوقاز وكأنها مناطق من الدرجة الثانية وبالتالي فإن مواطنيها ايضا يعاملون على هذا الأساس. فداغستان التي تبلغ مساحتها أكثر من خمسين ألف كيلومتر مربع بها من التضاريس ما يحوّل الحرب الى عملية استنزاف قد لا يكون الجيش الروسي قادرا على خوضها خاصة اذا استخدم المقاتلون أسلوب حرب العصابات واللجوء للجبال. والتاريخ ينبئنا بأن أسوأ حرب يخوضها جيش نظامي هي حرب العصابات والمقاومة المسلحة كما هو الحال في جنوب لبنان, وادغال افريقيا. بيد ان المشكلة ليست احادية, فالداغستانيين ايضا يواجهون استحقاقات طبيعة بلدهم الديموغرافية, ذلك ان داغستان تتشكل من ثمانية وثلاثين قومية عرقية معظمها اسلامية (70%), ومن اصل أكثر من مليوني نسمة هم عدد السكان يبلغ عدد الروس فيها قرابة ثلاثمائة ألف نسمة, ويعاني اقتصادها من ويلات الانهيار والفساد الاقتصادي والمالي في المركز, فيصل معدل دخل الفرد فيها 60 دولارا امريكيا شهريا مقابل ضعف هذا المبلغ في روسيا (المركز) وفيها ثلاثة أحزاب اسلامية رئيسية تشظت الى عشرات الاحزاب الصغيرة القائمة على أسس معرفية ودينية, ما يجعل عملية المواجهة مع الدولة المركزية أمراً بالغ الصعوبة, خاصة وان رئيس الوزراء الجديد المعروف بصرامته يريد ان يثبت للرئيس يلتسين انه قادر على التعاطي مع هذه المشكلة. ففي حال نجاحه سيكون الطريق الى الانتخابات الرئاسية عام 2000 ممهدا, والا فإن الاقالة من منصبه الحالي ستكون حلا اعتياديا يمارسه الرئيس كما يمارس أية هواية اخرى. والسؤال الكبير الذي يدور في الأوساط الروسية كافة يتمحور حول امكانية النجاح في داغستان وتعزيز وحدة الاراضي الروسية وإبعاد شبح الفشل الذي حصل في الشيشان. والمعطيات الراهنة تؤكد ان التحدي كبير جدا, فقد بدأت موسكو توزع التهم على دول الجوار بأنها تقف وراء التمويل المالي والعسكري للمقاتلين الداغستانيين رغم انها استدركت ان المساعدات تلك ليست رسمية انما تقوم بها هيئات خيرية وجماعات مدنية غير مرتبطة بالحكومات. ولم يتردد رئيس الوزراء الجديد من تسمية الدول التي تأتي منها المساعدات للداغستانيين فحدد تركيا وأفغانستان وباكستان, الأمر الذي قد يقود الى تشويش في العلاقات بين موسكو وتلك العواصم. بيد ان الحكومة الروسية ليست في وارد ردود الفعل الاقليمية بقدر ما هي عازمة على سحق المقاتلين وإبادتهم ابادة كاملة, لتتفرغ بعد ذلك الى معالجة القضايا الداخلية الاخرى وفي مقدمتها مشكلة جمهورية شايفو الشركسية التي تتمتع بحكم ذاتي والواقعة في شمال القوقاز ويشكل الروس فيها 40 بالمائة من اجمالي عدد السكان., فهذه الجمهورية تواجه الآن افرازات الانتخابات الرئاسية التي ألغتها المحكمة القضائية في موسكو وتعيين يلتسين رئيسا لها بعد ان اطاح بالرئيس المنتخب. وحتى تتمكن الحكومة الروسية من ايقاف القيح العرقي والاثني في القوقاز, فإن البلاد مرشحة لأن تتبوأ موقعا متقدما بين الدول النامية التي تفتك بها الحروب الداخلية والفقر والفساد وتفشي الجريمة.