يقدم استطلاع الرأي الذي اجري في ولاية ايوا الاسبوع الماضي وتركيز الصحافة هذه الايام على الشائعات التي لا اساس لها من الصحة حول تعاطي جورج بوش الابن محافظ ولاية تكساس , الذي يخوض غمار السباق للترشيح للانتخابات الرئاسية للمخدرات, يقدمان دليلا اضافيا على العلاقة المثيرة للقلق بين السياسة ووسائل الاعلام. وقد تحولت السياسة الامريكية الى حد كبير الى لعبة للمفاهيم الاعلامية فأجهزة الاعلام تطرح افكارا ومفاهيم ويركز السياسيون جهودهم وحملاتهم الاعلامية على محاولة صياغة هذه الافكار والمفاهيم, وقد كان استطلاع الرأي في ولاية ايوا الاسبوع الماضي مثالا جليا لهذه اللعبة. وعلى السطح قصد باستطلاع الرأي في ولاية ايوا, ان يكون مناسبة لجمع الاموال للحزب الجمهوري في الولاية, حيث دعي كل الجمهوريين المسجلين في الولاية الى الحضور, وتعين على كل منهم ان يدفع 25 دولارا مقابل بطاقة الدخول وحق المشاركة في فعاليات اليوم. كما دعي كذلك كل المتسابقين على نيل ترشيح الحزب الجمهوري لهم لخوض غمار الانتخابات الرئاسية في عام 2000, وطلب منهم القاء خطب يستغرق القاء الخطاب الواحد منها عشر دقائق, كما طلب منهم توزيع موادهم الدعائية, وتقرر ان يقترع كل من دفع 25 دولارا مقابل الدخول على اختيار مرشحيهم المفضلين. لم تكن تلك انتخابات حقيقية ولم يكن لهذا الحدث مغزى حقيقي, ومن شأن العودة بالذاكرة الى الوقائع التاريخية المشاهدة ان تبرهن على مدى افتقار استطلاع ايوا للاهمية, وفي حقيقة الامر انه لم يقدر لاي مرشح فاز في استطلاع ايوا ان يمضي قدما للفوز بترشيح الحزب الجمهوري له لخوض انتخابات الرئاسة. وقد كان جورج بوش الابن هو الفائز في استطلاع ايوا هذا العام حيث فاز بأصوات 7400 مقترع, اي ما يعادل 31% من الاصوات, وجاء في المرتبة الثانية الناشر ستيف فوربس الذي فاز بـ 21% من اجمالي الاصوات اي ما يزيد على 4900 صوت. وجاءت في المرتبة الثالثة اليزابيث دول التي فازت بـ 14% من الاصوات, اي ما يعادل 3400 صوت. واعقبها مرشحان محافظان هما جاري بوير وبات بوكانان, اللذان اقتسما فيما بينهما 16% من اجمالي الاصوات. ليست انتخابات وانما حملة لجمع التبرعات؟ خطأ! لقد كان هذا الحدث تجمعا فريدا لاجهزة الاعلام حيث قام بتغطيته 600 اعلامي, وبعثت شبكات التلفزيون الكبرى جميعها بأبرز نجومها الاعلاميين, وبثت محطات التلفزيون الوقائع كاملة, كما كان ايضا ساحة تجمع للمرشحين الذين انفقوا ملايين الدولارات فحولوا عملية جمع التبرعات البسيطة هذه الى اول سباق كبير في انتخابات الرئاسة لعام 2000. ولوجود مثل هذا الضغط الهائل على عملية الاقترع هذه وجه المرشحون موارد كبيرة الى هذا الحدث وبما ان عملية الاستطلاع هذه كانت في حقيقتها مناسبة لجمع التبرعات, فإنه لم يتم وضع قيود او ضوابط على ما يمكن للمرشح القيام به او انفاقه من اجل الفوز. وبدت المؤشرات الاولى للمدى الذي يمكن ان يمضي اليه المرشحون في الفوز باقتراع ايوا عندما قام الحزب الجمهوري في ولاية ايوا بعملية بيع بالمزاد للانتفاع ليوم واحد بقطع من الارض تقع قبالة المركز الذي ستقام فيه عملية الاقتراع, وقد تم القيام بذلك للسماح للمرشحين بانشاء اشكال خاصة بهم لاجتذاب المقترعين وتوزيع المواد الدعائية عليهم, وقد فازت حملة بوش الابن بأفضل قطعة ارض دفعت 42800 دولار مقابل استخدام عدة آلاف من الاقدام المربعة على امتداد يوم واحد. وقد ضرب المرشحون في قطع الارض هذه خياما كبيرة حشدوا فيها اعدادا مذهلة من المغنين ونجوم الرياضة وشخصيات هوليوود الشهيرة واقاموا سباقات الحدائق المخصصة للاطفال, بالاضافة الى اطعمة يقدر ثمنها بعشرات الآلاف من الدولارات كل ذلك لاجتذاب المؤيدين المحتملين. ولزيادة قدرتهم على اجتذاب المقترعين قدم كل المرشحين وسائل مواصلات مجانية بما في ذلك رحلات بالحافلات الى مكان الاقتراع ومنه, وقد استأجر احد المرشحين طائرة من طراز بوينج 747 لاحضار الناخبين الاكبر سنا من المناطق النائية في ايوا, ونظم مرشحون آخرون رحلات بالسيارات وذكر ان حملة جورج بوش الابن قدمت 500 دولار لكل جمعية طلابية ترغب في احضار اعضائها الى مكان الاقتراع كما قدم كل المرشحين بطاقات دخول مجانية لكل الجمهوريين الذين جاءوا بصورة مضمونة للاقتراع لهم, وقد اشترت حملة جورج بوش الابن عشرة آلاف بطاقة واشترت حملة فوربس 7700 بطاقة وبدا جليا ان جمهوريين قلائل للغاية هم الذين دفعوا 25 دولارا لكل منهم للحصول على بطاقة دخول. وفي حقيقة الامر, فانه عندما تجمع المبالغ التي انفقها المرشحون على ايجار الارض والخيام والمواصلات والترفيه والطعام وبطاقات الدخول لـ 23000 جمهوري من ولاية ايوا والذين حضروا الاقتراع, فان النتيجة هي ملايين الدولارات, وقد انفق معظم المرشحين ما يزيد على مائة دولار للصوت الواحد في الاقتراع, على الرغم من ان جهود ستيفين فوربس كانت الاكثر تكلفة, حيث دفع 305 دولارات عن كل صوت تلقاه. ان هذا كله يؤكد بجلاء ان استطلاع ايوا لم يكن بالتأكيد انتخابات وانما كان يوما مليئا بالبهجة والمرح والتسلية, بل ورشوة منظمة, ولو ان كل شيء لم يجر علنا وبشكل مقبول, فان هذا الاقتراع كان يمكن ان يكون فضيحة مدوية. وفي ضوء هذا كله, يبرز سؤال محدد: لماذا اخذ المرشحون الامر مأخذ الجد على هذا النحو وانفقوا كل هذه الاموال الطائلة للمشاركة في هذه المسرحية الهزلية؟ ان الاجابة بسيطة للغاية, فضغوط اجهزة الاعلام والضغوط الصادرة عن الحملات الاخرى بلورت حاجة جماعية لوجود المرشحين هناك, ولعدم التعرض للاحراج نتيجة للهزيمة. كان امرا مذهلا في ضوء الامكانيات العديدة التي استخدمها المرشحون وانفاقهم للاموال لشراء وهم التأييد من الناخبين ان يتابع المرء تعقيب المعلقين في اجهزة الاعلام على وقائع هذا اليوم وكأنه سباق جاد, فقد اطلق على فوز بوش كل الالقاب التي يمكن تصورها ابتداء من (مؤشر واعد) ووصولا إلى (اداء اقل من مقنع) وقد اشيد بفوربس الذي انفق مليوني دولار لانه (عرف كيف يجلب مؤيديه) , وقد توج باعتباره (المنافس الرئيسي لبوش) واشيد باليزابيث دول (نظرا للمرتبة الثالثة المحترمة التي احتلتها) , ووجهت التهنئة إلى جاري بوير على (ادائه القوي بصورة مذهلة) . وفي غمار كل هذا الاداء السريالي من جانب اجهزة الاعلام وغيرها, لم يتذكر احد ان مثل هذا إلى حد كبير قيل عندما فاز السناتور فيل جرام في اقتراع ايوا السابق لانتخابات 1996 الرئاسية, والذي انفق عليه 750 الف دولار, وفي حقيقة الامر ان جرام فاز في 27 اقتراعا تمهيديا من الاقتراعات الـ 28 التي دخلها في ذلك العام, ثم خسر على نحو بائس في الانتخابات الحقيقية. غير انه في غمار هذه اللعبة لم يتم ابداء اهتمام يذكر بالواقع, فقد حشد السياسيون واجهزة الاعلام جهودهما المشتركة للقيام بلعبة المفاهيم هذه. وكانت النتيجة هي خمسة ايام من التغطية الاعلامية المكثفة لاستطلاع ايوا, مما جعل هذا الاستطلاع يبدو سباقا حقيقيا وحدثا سياسيا مهما. ومن قبيل المفارقة ان الفائز الحقيقي في استطلاع ايوا قد يكون المرشح الذي بقي بعيدا عنه وهو السناتور جون ماكين, فعندما هدأ كل شيء, كسب تغطية اعلامية يعتد بها بادائه هذه الواقعة باعتبارها مهزلة مسرحية. وقال في معرض تقويمه لاستطلاع ايوا: انه شيء عبثي, ولا معنى له, وبعد نهايته فانني اعتقد اننا سنبدأ ربما في الشهر المقبل في التركيز على القضايا الحقيقية ونأمل في ان تكون هناك مناقشات, بحيث ان الناس يصدرون احكاما قائمة على معلومات بدلا من ان ندفع لهم المال ونضرب لهم الخيام وننفق ملايين الدولارات, والواقع انني لم اعتقد انه يتعين علي الذهاب إلى هناك, حيث تقع على كاهلي مسؤولية ازاء المساهمين ماليا في حملتي بعدم اهدار مساهماتهم المالية. ومن قبيل المفارقة بالقدر نفسه, ان جورج بوش الابن الفائز في الاقتراع قد يكون في الحقيقة احد الخاسرين فيه, حيث ان شهور العسل التي امتدت بين بوش الابن واجهزة الاعلام يبدو انها قد انتهت, وبدأ الاعلاميون يضغطون عليه فيما يتعلق بقضية تعاطي المخدرات. وهذا في حد ذاته تطور محير, حيث انه لا يوجد دليل على ان بوش الابن قد تعاطى المخدرات, وهناك شائعات لا اساس لها رفض ان يعقب عليها, وعندما سئل عما اذا كان قد تعاطى المخدرات أم لا, كان رده على الدوام انه لن يشارك في اللعبة الاعلامية المتعلقة بمطاردة الشائعات وهكذا فانه من خلال رفضه تأكيد هذا الامر أو نفيه جعل الصحافة اكثر تطلعا للمزيد من التغطية لهذا الموضوع. وكنتيجة لذلك, فان عناوين الايام الثلاثة الماضية لم تمتلىء بالأدلة التي تساق ضد بوش الابن وانما بالتقارير عن رفض الرد على هذا السؤال, وكانت النتيجة النهائية هي افتراض انه مذنب, وهو افتراض لا يعدو ان يكون نتيجة اخرى محزنة للعبة المفاهيم في الاعلام الامريكي. * رئيس المعهد العربي الامريكي