هل اصبحت (حكاية رجل مستقيم) من الطرائف النادرة في هذا العصر بحيث تحتل الصفحات الاولى في الجرائد وتوضع على رؤوس الاعمدة وتلفت اليها الانظار ويتحاكى بها الناس على انها من العجائب والغرائب , فهذا رجل يرد حافظة نقود بها بضعة الوف من الدولارات عثر عليها في الطريق العام ويعيدها إلى صاحبها ويرفض ان يأخذ مكافأة ولا ينتظر ثناء من احد ولا يريد من احد ان يكتب عنه, ويمضي إلى حال سبيله يلملم اطراف جلبابه القديم ويختفي عن الانظار, من أي عالم جاء هذا الرجل, ومن اي كوكب هبط, ومن أي زمن من الازمان البائدة نزل علينا, وهل يعود إلى بلده في مركبة فضائية؟ انه جنس من الاجناس البشرية البائدة بلا شك نقرأ عنه في الكتب القديمة وفي قصص الاطفال, ونعلم يقينا انه انقرض مثل الديناصورات التي انقرضت وانه لم يتبق منه الا هذه الحفرية النادرة. ورغم ان صوت الدين الان عال جدا في الميكروفونات وفي خطب المساجد والمسابح نراها تجلجل في كل يد, ورغم ان اكثر اللحى طالت وارتفع رصيد المواطن العادي من العمرات ومن زيارة الرسول ومن الطواف حول الكعبة ومن ترديد الادعية, الا ان الدين نفسه غير موجود, الدين بمعنى الامانة والاستقامة والصلاح والعمل النافع وطهارة اليد ونقاء الضمير والزهد في الدنيا وتقوى الله والعمل للاخرة, والجماعات الدينية تشغل نفسها بمسائل اخرى مثل القاء قنابل المسامير وقتل السياح في مذبحة الاقصر لانهم كفرة (رغم ان هذه الجماعات الدينية تعيش في انجلترا وامريكا تحت وصاية وحماية المخابرات الاجنبية وينفق عليها الـ CIA وهي تنفذ لهذه المخابرات خططها الاستعمارية بمنتهى الدقة والامانة, ما علاقة هذا بالاسلام, وما الخدمة التي يقدمونها, تلك فزورة اخرى في هذا العصر العجيب المليء بالفوازير والمتناقضات. ومن هو الإله المعبود في هذا الزمان؟! إنه الدنيا, رغم كل هذه اللحى الطويلة واسفار الحج والعمرة والمساجد المزخرفة التي تطاول السماء, وهو شيطان النفس الذي يزين للنفس كل ما تهوى في جميع الاحوال, وما اكثر الذين يتصورون انهم يعبدون الله وهم ابعد ما يكونون عنه, وقد اقنع كل واحد منهم نفسه واقنعه شيطانه بأنه يعمل لله وللرسول ولليوم الاخر, وانه المسلم الحق وليس له من الاسلام الا الاسم, وقد فعل من قبلهم (القرامطة) نفس الشيء فهدموا الكعبة وقتلوا الحجيج وسرقوا الحجر الاسود وظنوا انهم يخدمون الدين, والجماعات الدينية الجديدة يسمونها اليوم بجماعات الافغان لانها بدأت في افغانستان. وهذه الجماعات الافغانية هي التي هزمت الروس في حرب بطولية بالاموال والاسلحة الامريكية ثم هزمت نفسها بالانقسام والتشرذم, ثم مضت تحارب بعضها بعضا في حرب استنزاف لا يبدو لها اخر. وهي تنفق على نفسها اليوم من مزارع المخدرات ومن عوائد الافيون والكوكايين والهيروين. قصة طويلة لا علاقة لها بالله ورسوله. وهذا هو العصر العجيب الذي يضع اللافتات الدينية المبهرة, على بضائع لا علاقة لها بالدين, ويصوغ المفاهيم السياسية لأفعال لا علاقة لها بالسياسة. وهناك دائما ضجيج وعجيج ومنشورات واذاعات وفكر مختلط, وناس يقتل بعضهم بعضا بدعوى الكفر والقاتل اشد كفرا من قتيله. والموضوع .. لا شيء .. سوى النفس وادغالها, والدنيا وغاباتا, وعواء الذئاب في البيت الابيض, ومكائد الكبار في مجلس اللوردات, وفي بيوت الاستعمار ومراكزه العتيدة, وصراع المصلحة واللقمة في كل بيت على هذه الارض, وحكاية العثور على رجل مستقيم في هذه الدهاليز والكهوف والمخابىء اصبحت شيئا عزيزا مثل العثور على فص الالماس في كومة من النفايات أو في وكر افاع أو في بقايا حريق. وهو امل عزيز في هذا العصر الذي انتهت فيه النبوات ولم تبق فيه الا السير والاقاويل والاشاعات والذكريات والاوهام التي تنمو في عقول البعض فيظنون بانهم من اهل الخصوصية في التدين وانهم رجال اخر الزمان. ولكن الخير موجود رغم هذه الاعشاب الطفيلية التي نمت في حديقة الاسلام والحق موجود رغم غلبة الباطل. ولا اشك في وجوده رغم ندرته, ومن حين لاخر نعثر على حفريات نادرة تدل عليه مثل صاحبنا (الرجل المستقيم) . ولو اختفى الخير من هذه الارض لما طلعت عليها شمس. وانا مازلت ابحث عن الرجل المستقيم في شوق الواثق المطمئن. ومن يصادف منكم هذا الرجل فليخبرني بعنوانه فاني اريد ان اتعلم منه واتأدب على يديه واترسم خطاه واهتدي بهديه. ولا تحدثوني عن مهدي منتظر, فقد قابلت اثنا عشر من هؤلاء المهديين, وكلهم الوى بهم عنبر الامراض العقلية في الخانكة. والمهدي الحقيقي لا يعلم انه مهدي, فالرجل الصالح لا يعلم انه صالح بل هو يتهم نفسه على الدوام ويرى ان ايمانه دون المستوى الواجب, وانه مقصر. ويقولون ان هذا المهدي لن يطلب البيعة بل سوف تأتيه البيعة رغما عنه فيعتذر عنها. وقد يكون هذا المهدي هو بعض احلام هذه الامة وبعض امانيها التي تراها في احلام يقظة. والعطشان يحلم بالماء الزلال, ولا يرتوي رغم كثرة الماء من حوله وهذه الامة عطشى حتى اعماق نخاعها. وهي تقرأ القرآن وتزداد ادراكا لنقصها وتزداد عطشا إلى مكانتها المفتقدة, متى يأتي رجل اخر الزمان؟! هكذا يتساءل مشايخنا. الله وحده هو القادر على ذلك وهو وحده صانع الرجال وهو وحده صانع الزمان وصانع كل الازمنة ومالك الابد والديمومة. وقد جاءنا بالانبياء والاصفياء والاولياء والصديقين والشهداء الذين زين بهم صحيفة التاريخ من قبل, واخرجهم وحده من باطن الغيب وجعلهم مصابيح الهدى ونجوم السعد. والله خلاق لا يكف عن الخلق. والله منان يمن علينا ولا نملك ان نمن عليه بشيء. عن ذلك الرجل الصادق المستقيم. ابحثوا عنه في كل جنبات الدنيا, وفي الانترنت, وفي كتب الطالع, وابلغوني يا سادة متى عثرتم له على اثر. ولا تقولوا لي انه مات, وان الدنيا خلت من اهل الخير, فهذا مستحيل, فالطيبون هم ملح الارض ولكن لا احد منهم يعلن عن نفسه, ونوادي الجولف وكلوب محمد علي وجماعات الروتاري والليونز والصفوة من رجال المال والاعمال ونجوم الشهرة وأهل الصدارة والمهارة لا يدرون بهؤلاء الاخيار الابرار ولا يعرفونهم ولا يكشفهم ربنا الا لخاصته فهم اهل الستر الذين اخفاهم ربنا غيرة عليهم واسدل عليهم ستره صيانة لهم من الابتذال. وهم الفقراء الاغنياء عن الكل بما هم فيه من خصوصية حال يخفون كراماتهم كما تخفي المرأة عورتها ويأنسون إلى الظل ويرتاحون إلى الخفاء, لا تعلمهم الله يعلمهم ولا يبدي منهم الا ما شاء ان يبديه وقتما يريد ان يبديه. وهؤلاء هم الصالحون حقا الذين اذا رؤوا ذكر الله. وإني لشديد الشوق إلى رؤيتهم, شديد الشوق إلى التعرف بهم, فهم مرافىء الامان في هذا العالم الذي يمتلىء بالضجيج والشرور والزيف واللاجدوى. هذا العالم الذي يمتلىء بالزحام والتكالب على المغانم والمنافع, ولا منافع ولا مغانم, بل سراب وهباء وقبض الريح, فالايدي التي تدفن الموتى سوف تنادي غدا على من يواريها التراب, والقاتل وقتيله سوف يتمددان جنبا إلى جنب طال الزمن أو قصر, وما الزمن الا برهة, وسانحه من سوانح الوهم. وبين كان ويكون, تخطىء جميع الحسابات وتخيب كل التوقعات وتحدث كل المفاجآت ولا يعلم الغيب الا الله. والكل بين يدي هذا الغيب لا حيلة, يقول ربنا عن هؤلاء السكارى بخمر الدنيا: (كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا الا ساعة من نهار) وفي آية اخرى: (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا الا ساعة من النهار يتعارفون بينهم) وهذا شأن الدنيا بطولها وعرضها, ما كانت الا مجرد ساعة تعارف, لقاء عابر بين الكل على رصيف قطار. وقد تقاتلوا على هذه الساعة واشعلوا الحروب وخاضوا المذابح والمجازر وكسبوا الساعة ولكن خسروا في مقابلها الابد كله. واومضت الساعة وانتهت وخلفت لهم الابد المديد عذابا بلا انتهاء. هكذا سوف يرون صحوة البعث آبادا من الندم المرير تحيط بهم من كل جانب, وكل هذا من اجل ساعة زمان, كيف اعماهم الطمع عن رؤية الحقيقة, كيف اعمتهم الغفلة. وكيف اضلهم الامل, وكيف اغوتهم المكاسب الزائلة. وكيف ابرموا تلك الصفقة الخاسرة التي خسروا فيها انفسهم وخسروا كل شيء. وما اسعد هؤلاء الذين ادركوا الامر قبل الفوات وافلتوا من قبضة الغواية, هكذا يصبح اهل الاستقامة محل الحسد من الجميع ساعتها, وهكذا يغبط الكل هذا الرجل المستقيم ويتمنوا مكانه, وهكذا يعلو شأن الاستقامة وتصبح حلما عزيزا يتمناه الجميع ولكنه طمع في غير مطمع فالزمن قد مضى في اتجاه واحد وما مضى منه لن يعود وعمارة الدنيا التي انهدمت لا سبيل إلى عودتها وما ضاع من فرص لا سبيل إلى استردادها. ترى هل نعتبر, ترى هل نعقل, ترى هل نفيق من غفلتنا. ومن حسن الحظ اننا مازلنا في الدنيا لم نبرحها, ومازالت هناك فرصة .. مازلنا على الشاطىء. ولم تنته الساعة بعد, مازال فيها بضع دقائق وبضع ثوان قبل اغلاق دفتر الكون. نعم .. مازال هناك بضع دقائق وبضع ثوان الله اعلم بطولها, وفي الامكان ان نعمل شيئا. هل نغنم هذه الدقائق ونغنم انفسنا ونصبح هذا الرجل المستقيم النادر المثال؟؟ ولو لمدى لحظات. هل نفلت من قيد العادة المعتادة ونصبح من اهل الاستثناء هل...؟؟