حرية الصحافة ـ مثل كل الحريات ـ لابد ان تكون حرية مسؤولة ترعى المصلحة العامة وتحترم حقوق المواطن (من اولى من مصر ـ بكل تاريخها ومكانتها ـ بأن يقود مسيرة الديمقراطية في الوطن العربي ـ ومن اقدر من صحافة مصر ـ ميراث اعوام طويلة مضيئة ـ على ان تواصل الرسالة لتفجر كل طاقات الابداع وتفتح كل نوافذ الحرية) . تفجرت قضية حبس الصحفيين في جرائم النشر بمصر مرة اخرى بصدور الحكم بإدانة رئيس تحرير جريدة (الشعب) واثنين من الصحفيين العاملين بها بتهمة القذف والسب في حق نائب رئيس الوزراء وزير الزراعة الدكتور يوسف والي, والحكم عليهم بالحبس سنتين وغرامة 20 الف جنيه لكل منهم مع تغريم رابع هو أمين عام حزب العمل الذي يصدر الصحيفة عادل حسين 20 الف جنيه في نفس القضية. وكانت الصحيفة قد قامت بحملة صحفية استمرت شهورا ضد الدكتور والي اتهمته فيها بتخريب الزراعة في مصر وبالوقوف وراء التطبيع مع اسرائيل في المجال الزراعي. ووصلت حدة الحملة الى اتهامه بالخيانة.. فكان ان لجأ الدكتور والي الى النيابة ثم القضاء, وكانت الادانة والحبس والغرامة للصحفيين الثلاثة, لتصعد قضية حبس الصحفيين الى قمة اهتمامات الرأي العام, وتصبح محور الحركة في نقابة الصحفيين وفي الوسط الصحفي. ومع ان الكثيرين يرون ان صحيفة (الشعب) قد ذهبت بعيداً حين اتهمت الدكتور والي بالخيانة, فان الجميع يقفون صفا واحداً في المطالبة بإلغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر وهو الاتجاه الذي اصبح ساريا في معظم الدول الديمقراطية. وحتى نفهم المناخ الذي تتحرك فيه هذه القضية وغيرها من القضايا المتعلقة بالحريات وخاصة حرية الصحافة, لابد من العودة قليلا الى ما حدث عند صدور القانون 93 الشهير الذي كان يفرض المزيد من القيود على الصحافة ويضاعف العقوبات, الامر الذي أثار الرأي العام كله, وكانت معركة عظيمة انتهت بتدخل الرئيس مبارك وإلغاء القانون وإصدار قانون جديد. واتذكر هنا اللقاء الذي عقده الرئيس مبارك مع قيادات العمل النقابي الصحفي مع إعلان الوصول الى حل الازمة والغاء القانون. وهو لقاء هام من حيث المعنى ومن حيث ما دار فيه. من حيث المعنى.. كان اللقاء في حد ذاته اعلاناً على حرص الدولة على الاعلان انها ليست في خصومة مع الصحفيين وانها ترحب بالحوار مع كل التيارات السياسية والفكرية مادام الجميع يريدون الحل الذي يتفق مع المصلحة العامة قبل كل شيء. كما كان اللقاء اعلانا بتقدير العمل النقابي المسؤول حتى وان اختلفت الآراء في بعض المواقف مع الحكومة ومهما كانت درجة الخلاف, وهو أمر كان له معناه المضاعف في ظل الازمة الطاحنة التي يمر بها عدد كبير من النقابات المهنية في مصر. ومن حيث المحتوى.. كان حديث الرئيس مبارك في غاية الأهمية. فهو لم ينطلق من حسابات ان هناك فائز ومهزوم في المعركة, بل ان الفائز كان مصر بكل تاريخها الديمقراطي ونضالها الوطني. ومن هنا اكد مبارك على الاحترام العميق للصحافة المصرية ودورها الوطني والقومي, واعتزازه الشخصي بهذا الدور. وروى الرئيس مبارك لنا وقائع عديدة في هذا المجال. واتسع المجال يومها لحوار طويل, اكد فيه مبارك ان ما يهمه في أي قانون يتصل بالنشر ان يكون متوازنا, وان يتيح للصحفي ان يؤدي واجبه مع الحفاظ على المصلحة العامة وعلى الحريات الشخصية للمواطنين, وانه يوافق مقدما على كل ما تصل اليه المشاورات بين الحكومة ونقابة الصحفيين حول القانون الجديد. ورغم هذه الاتجاهات الواضحة, فان الامور لم تصل الى النهاية التي تتفق مع آمال انصار حرية الصحافة. فالحكومة تقيم توازنات بين اتجاهات مختلفة بعضها يعيش على أمل الانقضاض على الصحافة, وبعضها على النقيض ـ يؤمن بضرورة اسقاط كل القيود على الحريات. ومجلس الشعب الذي اصدر القانون 93 الكرية هو نفسه الذي سيتراجع اعضاؤه ويبتلعون كل ما قالوه في تبرير هجومهم على الصحافة عند اقرار هذا القانون الكريه ثم يقرون القانون الجديد. وترزية القانون استغلوا الفرحة العامة بإسقاط القانون المشؤوم وانشغال الصحفيين بذلك, ليتركوا في القانون الجديد بعض اسوأ ما كان في القانون الساقط. وهكذا بقيت عقوبة الجيش في قضايا النشر. والأهم من ذلك ان ضمانات عديدة كانت تحمي الصحفيين عند اتهامهم في هذه القضايا قد تم اسقاطها في القانون الجديد. وكانت النتيجة توالي احكام الادانة في قضايا النشر بعد صدور القانون الجديد, واقتران الادانة بحبس الصحفيين وليس الاكتفاء بالغرامات, وانفتحت الأبواب التي كانت مغلقة منذ ما يقرب من نصف قرن لم يحبس فيه صحفي بسبب جريمة نشر. وما يحدث الان يتناقض مع تاريخ طويل من الحريات الصحفية والضمانات التي كان القانون يكفلها في قضايا الرأي. ولم يكن ذلك ـ ولا يمكن ان يكون ـ انطلاقا من منح امتياز لفئة لكي تعلو فوق القانون. وانما كان ذلك انطلاقا من ايمان عميق لدى المشرع في مصر بأنه لا ديمقراطية ولا حياة سياسية حقيقية بدون حريات صحفية, ولا حريات صحفية بدون كفالة حق النقد, خاصة نقد الشخصيات العامة ومن في حكمها.. مادام النقد يصدر عن حسن نية ويستهدف المصلحة العامة. كان هذا هو المبدأ الذي حكم الحياة السياسية والصحفية في مصر منذ ان صدر الدستور عام 1923, يومها كان زعيم الاغلبية هو سعد زغلول بكل تاريخه, وكانت الاغلبية الكاسحة في البرلمان لحزب الوفد. ومع ذلك اصدرت محكمة النقض في نوفمبر 1925 حكماً شهيراً برأت فيه السياسي والكاتب الكبير الدكتور محمد حسين هيكل من جريمة السب والقذف في حق اعضاء البرلمان, حين كتب في جريدة السياسة سلسلة من المقالات نسب فيها الى نواب الاغلبية انهم يعبدون الحكومة ولا يحبون الوطن الذي يضحون به لشهواتهم, وانهم جائعون ومنحطون, وان وظيفتهم التهام الوطن وحب المال, وان من السهل استرضاء هذا البرلمان, وانه غير حريص على خدمة الامة وغير مخلص لها, وانه برلمان جبان وكذاب, وانه لا يستطيع الفهم فضلا عن انه قصير النظر اما رئيس مجلس النواب فهو كما قال هيكل في هذه المقالات جاهل لا يدري عمله, وهو لا ارادة له. كان الحكم الابتدائي قد ادان الدكتور هيكل لانه استخدم الفاظا هي في عرف كل انسان سب صريح, واهانة بينة, وان الفاظها مقذعة ولاذعة ومؤلمة وقاسية لكن محكمة النقض كان لها رأي اخر حين قررت: ان الطعن في الخصوم السياسيين بوجه عام يجوز قبوله بشكل اوسع واعم من الطعن في موظف عام بالذات كما قررت المحكمة ان الشخص الذي يرشح نفسه للنيابة في البلاد يتعرض ـ على علم ـ لان يرى كل اعماله هدفا للطعن والانتقاد ولكن له كل الوسائل للدفاع عن نفسه والرد على الطعون الموجهة اليه وتبرير اعماله... وان المناقشات العمومية مهما بلغت من الشدة في نقد واعمال الاحزاب السياسية تكون في مصلحة الامة التي يتسنى لها بهذه الطريقة ان تكوّن رأيا صحيحا في الحزب الذي تثق فيه وتؤيده. وفي العام نفسه نقضت محكمة النقض حكما ادان صحفيا لانه نسب الى أعضاء مجلس النواب الانحطاط والدناءة في اخلاقهم والطمع والجشع وبرأت الصحفي مؤكدة ان هذه الالفاظ ليست سوى نقد وان كان كاتبها قد استعمل كثيرا من الشدة ومن قوارص الكلام لا انها جاءت من باب المبالغة والرغبة في التشهير بالعمل في ذاته, كما هي خطة المتهم في كتابته المستفادة من عبارته من المبالغة في المقال. بل ان تاريخ الصحافة والسياسة في مصر يحفظ لنا مثلا كان بطله هو احمد حسين والد مجدي حسين رئيس تحرير (الشعب) المحبوس الان. كتب احمد حسين في مجلة (مصر الفتاة) ثلاث مقالات متتابعة عن رئيس الوزراء يومها جاء فيها (متى كان النقراشي باشا يتمتع بالاحساس المرهف وهو الذي وضع اعصابه وعواطفه وانسانيته كلها في ثلاجة واصبح بلا روح ولا عواطف ولا احساسات, ونقول ان الوقائع التي نسبت الى النقراشي باشا كافية للحكم عليه بالخيانة الوطنية) . وجاءت محكمة النقض فبرأت المتهم قائلة: ان ما كتبه يتضمن الاعتراض على بقاء النقراشي باشا في الحكم, وذكر مبررات عدم بقائه من وجهة نظره كمعارض لسياسة دولته وناقد لسياسته الداخلية في مختلف نواحيها, وان عبارة الحكم على النقراشي باشا بالخيانة العظمى جاءت على سبيل الفرض ولم توجه اليه على انها حقيقة, وان هذه المقالات كتبت في ظروف تتصل بالمفاوضات لحل القضية المصرية. فمن واجب كل سياسي ان يدلي برأيه في امرها للصالح العام, ولم يثبت ان المتهم كان يقصد سب المجني عليه وخدش اعتباره شخصيا, بل كانت نيته متجهة نحو نقد سياسة بصفته رجلا عموميا في مسألة قومية ليس للمتهم مصلحة شخصية فيها, ومن ثم يكون القصد الجنائي غير قائم. ونكتفي بهذا القدر من الاحكام الهامة للقضاء المصري, لنطرح السؤال المنطقي وهو: هل يعني ذلك ان تترك الامور (سداح مداح) وان توجه الاتهامات بلا حدود, وتسب الاعراض بلا وازع.. تحت ستار الحرية, ام ان هناك قيودا وتقاليد ومواثيق شرف تحمى المجتمع وتزود عن المواطن حتى لا يؤذيه قلم فاسد او اتهامات رخيصة؟ بالطبع.. فان حرية الصحافة ـ مثل كل الحريات ـ لابد ان تكون حرية مسؤولة ترعى المصلحة العامة وتحترم حقوق المواطن, ومن هنا فاننا نلاحظ على الاحكام التي اوردناها عدة ملاحظات: * انها تتعلق بالجدل السياسي والصراع الحزبي, وتتناول القضايا العامة لا الشخصية, وتمس شخصيات دخلت ميدان العمل العام وهي تعلم تبعاته, وتعرف انها ستكون معرضة للنقد والمساءلة على الدوام. * ان الالفاظ المستخدمة ـ وان اشتطت واشتدت ـ الا انها لم تمس الاعراض, ولم تتناول اتهامات تتعلق بوقائع محددة, وان معظمها جاء على سبيل الفرض لا اليقين, وان هدفها ليس الاتهام او الادانة بل النقد حتى لو استعمل ـ كما قالت محكمة النقض ـ قوارص الكلام. * ان ما يسمح به بالنسبة للشخصية العامة لا يسمح به على الاطلاق بالنسبة للمواطن العادي البعيد عن الجدل السياسي والصراع الحزبي. * ان تبرئة الصحفيين في الحالات التي ذكرناها لا تعني صحة الاتهامات والاوصاف التي وجهوها لخصومهم, ولكنها تعني شيئا واحدا.. ان النقد او القذف مباح في حالات الجدل السياسي, مادامت المصلحة العامة هي الهدف, ومادام حسن النية متوفرا, ومادام حق الرد مكفولاً, وعلى ان يثبت الصحفي صحة اي وقائع يكتب عنها. * اننا اذا انتقلنا الى ما يجري الان, فان ما تشاهده الساحة الصحفية في مصر من اجماع على ضرورة الغاء عقوبة الحبس في قضايا النشر لا يعنى اباحة اعراض الخصوم, ولا وضع المواطنين تحت رحمة اقلام قد تطيش منها الكلمات. وان الحديث عن قسوة الاحكام التي صدرت بحق محرري (الشعب) لا تعنى الموافقة على الاتهامات التي وجهوها للدكتور والى وزير الزراعة وامين الحزب الحاكم. فالاصل دائما هو البعد عن التشهير واستخدام الاسلوب الراقي ومحاولة تحري الحقيقة في كل ما نكتب. ان الفرصة مهيأة الان لاعادة النظر بصورة شاملة في التشريعات الخاصة بالصحافة وهناك الان اجماع بين الصحفيين, وتأييد من الرأي العام لالغاء عقوبات الحبس في جرائم النشر, ولازالة القيود المفروضة على حق النقد.. هذه القيود التي انعكست على مجمل الحياة السياسية فاصابتها بالجمود. ان هناك الان مئات القضايا التي اقيمت على الصحفيين بعد صدور القانون الجديد, وهناك عشرات الاحكام الابتدائية التي صدرت بحبس الصحفيين بسبب عبارات تافهة اصبحت تستحق التجريم بعد اسقاط الضمانات التي كانت تترك المجال واسعا للنقد مهما اشتدت الفاظه. والكثير من هذه الاحكام ينتظر التأييد عند نظره امام المحاكم الاستئنافية والمعركة بالقطع ليست سهلة ولكنها لابد ان تنتهي بانتصار الحريات. لان ذلك في مصلحة الجميع.. الحكومة والمعارضة, واليسار واليمين, وكل من يعمل بالسياسة او يؤمن بالطرق المشروعة للتغيير. المعركة ليست سهلة, ولكنها لابد ان تنتهي بانتصار الحريات.. ليس فقط لانها لغة العصر, وليس فقط لانها ضرورة للتقدم, ولكن لانها الوسيلة الاساسية لمكافحة تحالف الفساد والارهاب, وفتح ابواب الامل امام اجيال جديدة لم تعد تحفل بمعارك الماضي قدر اهتمامها بمعارك المستقبل.. وما اكثرها. ثم.. قبل ذلك وبعده, من اولى من مصر ـ بكل تاريخها ومكانتها ـ بان يقود مسيرة الديمقراطية في الوطن العربي. ومن اقدر من صحافة مصر ـ بميراث اعوام طويلة مضيئة ـ على ان تواصل رسالتها لتفجر كل طاقات الابداع, وتفتح نوافذ الحرية, وتتحمل المسؤولية في معارك التحرير والتنوير.. كما كانت دائما.