من يتصور من العرب لحظة واحدة ان التدمير المستمر للعراق لا علاقة له بمصيره هو شخصياً يكون واهماً, ومن يظن انه يستطيع ان يغض البصر لحظة واحدة عن مأساة اخوانه والافناء المتعمد الذي يتعرضون له في هذا البلد . . فإنه يسيء لنفسه قبل سواه, ومهما كانت اسبابه ومبرراته. هذه الخلاصة ليست انشائية او عاطفية, مع ان العاطفة لا يجب ان تغيب, وهي لا تغيب فعلاً سلباً او ايجاباً, عن علاقة العربي بالعربي لأسباب لا يغفلها عاقل. كما ان هذه الخلاصة لا تتغافل تحديداً عن النتائج السلبية والكارثية لكل الصراعات العربية ـ العربية, بما فيها تلك الحرب المشؤومة بكل خسائرها الجسيمة في الكويت والعراق ومنطقة الخليج والوطن العربي كله. ولأن (ادعياء الواقعية) من ابناء تيارات التقوقع والانعزالية تصيبهم الحساسية من التذكير بحقائق الجغرافيا والتاريخ فلن نستعيد على انظارهم واسماعهم ما اكدت صحته الأيام من ان كل شر (او خسائر) يصيب اي بلد عربي هو خصم من رصيد الجميع ولا بد ان يتأثروا به.. والعكس بالعكس. لذلك يكفي لفت الانتباه الى ما يعرفه كل المبتدئين من دارسي الجغرافيا السياسية من ان (فراغ القوة بالعراق) هو من ابرز اسباب اختلال التوازن الراهن بين طرفي الصراع العربي ـ الصهيوني, بل ويذهب عديد من دارسي الاستراتيجيا الى ان هذا الامر بالتحديد هو السبب الجوهري وغير المعلن وراء شدة ضرب وتدمير العراق وما تلاه من حصار غير مسبوق بقسوته على مدى التاريخ البشري. ويذهب اصحاب هذا الرأي الى ان واشنطن ستصر لهذا السبب تحديداً, على الاستمرار في ضرب وتدمير العراق حتى الانتهاء من فرض (التصور الاسرائيلي) لما يسمى بـ (السلام) بين العرب واليهود. ومن ناحية ثانية فإن استمرار الاعتداءات غير المبررة بحجة (مناطق الحظر غير الشرعية) وضغوط الحصار المتواصلة.. قد يؤديان, سواء بالقصد الامريكي, او دونه, الى تفكيك العراق وتحطيم بناه الاستراتيجية, وهذا سيؤدي بدوره الى مفاقمة اختلال موازين القوى ليس فقط على مستوى الصراع العربي ـ الصهيوني وانما بالنسبة لدول الجوار ايضاً مما يعني نشوب سلسلة جديدة من الحروب والازمات والاطماع التي يصعب رصد مداها وآثارها البالغة التدمير. وفي هذا الاتجاه أليس من المستهجن ان يصل الحديث عن تفكيك العراق وعن (حكومة الاكراد المحلية) في شماله حتى الى ألسنة قادة اتراك كان اكثر ما يخيفهم ويقلقهم الى زمن قريب جداً هو الحديث عن (الدولة الكردية) ؟! ام ان هؤلاء يتصورون ان تطويق (حزب العمال الكردستاني) ينهي المشكلة بالنسبة لهم, او ان بالامكان ترحيل الأزمة الى الجوار العربي الذي بات مطمع كل الاقوياء دولياً واقليمياً؟! وحتى اذا لم تصل التطورات الى هذه النهايات الموحشة فهل يستطيع احد في المنطقة كلها توقع نتائج تحويل الشعب العربي في العراق الى حوالي 22 مليوناً من الثكالى والأرامل والجوعى والمضطهدين؟! ان نزيف وفيات الاطفال المتصاعد تؤكده (اليونيسيف) والتقارير الدولية, ووفيات نقص التغذية والأدوية تتعاظم حتى بين الكبار بطريقة تخرج عن السيطرة كما تؤكد الاحصائيات المحايدة, والبنية التحتية والبيئة يجتاحهما الدمار كل صباح مع استمرار الظروف الراهنة, والطائرات الامريكية لا تترك يوماً يمر دون غارات جديدة اصابت من المدنيين اكثر مما استهدفت من العسكريين, والأوبئة والأمراض تعود للاستيطان وهي لا تعرف الحدود وجوازات السفر..!! فإلى متى؟! والى اي افق؟! بات من الضروري ظهور أجوبة عربية وحلول عربية جادة من أجل مصلحة ومستقبل الجميع.. أم ان التغافل والتجاهل سيظل سيد الموقف حتى يمتد الطوفان؟!